logo

البركة في بيوتنا أسبابها وموانعها


بتاريخ : الخميس ، 26 رجب ، 1447 الموافق 15 يناير 2026
البركة في بيوتنا أسبابها وموانعها

 

الحمد لله الذي جعل البركة قرينة الطاعة، وربطها بالإيمان والعمل الصالح، فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96].

والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي علّمنا أن البركة ليست في كثرة المال ولا في وفرة العدد، وإنما في دوام النفع وحسن الحال، فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (1).

وفي زماننا كم من الأُسر تشكو قلة البركة؛ فلا بركة في المال، ولا بركة في الرزق، ولا بركة في الولد، ولا بركة في الزوجة، ولا بركة في الدار، ولا بركة في العمر، ولا بركة في الوقت وهكذا، ومن الأسر من تكون على النقيض من ذلك، فالبركة في كل شؤون حياتها، بركة في العمر وبركة في الوقت، وراحة البال، وزيادة في المال والعلم، تنام في رغد وخير وبر من الأولاد.

لذا صار لزامًا على كل أسرة أن تفتِّش عن مواطن الخير في نفسها، وفي من حولها، حتى تستخرجها وتدلَّ أفرادها إليها، وأن يفكر كلُّ فرد في الأسرة: كيف أكون مباركًا في نفسي وأوقاتي، وكيف ينبغي أن أترجم البركة في بيتي وبين أهلي وصحبي؟ كيف أستخرج خيرهم وجميلَهم دائمًا؟ كيف يكون كلامي مباركًا كشجرةٍ طيبة تؤتي أُكلها كل حين! وكيف أكون كذلك في حركاتي وسكناتي وبداياتي ونياتي وأعمالي، كيف بوسعي أن أُنَمِّي الخير وأدعو للمعروف وسط معارفي وفي محل عملي؟ وكيف أطرح التنمية والتطوير في مجتمعي؟

عندما يترجم كل فرد البركة في أسرته، فمن الممكن أن يكون فردًا مباركًا ناميًا أينما حلَّ لا منقطعًا أو مبتورًا، يظل كلامه وفعله وتأثيره حاضرًا، وتبقى ذكراه طيبة عالية، فالله يبارك كل ما هو موصول بالخير ومنعقد بالإخلاص، فيزيده نماءً ويشعُّه نورًا ويحيطه بركة (2).

معنى البركة

البركة هي ثبوت الخير الإلهي وزيادته ونماؤه في الشيء واستمراره، سواء كان مالًا أو وقتًا أو ولدًا أو بيتًا، وقد تكون البركة في القليل فيغني عن الكثير، أو في العمر فيُثمر أعمالًا صالحة، أو في البيت فيكون مأوى للسكينة والرحمة.

البركة التي إن وُجدت وحلَّت، اتسعت الأوقات، وتضاعفت الطاقات، وتحققت الإنجازات، ووقعت المعجزات، وإن فُقدت أو رحلت، فربما خرج الإنسان من هذه الحياة -مهما طال عمره، وكثُر سعيُه- بلا زاد قدَّمه، ولا أثر خلَّفه.

وتتمثل البركة في الزيادة في الأشياء الطيبة سواء كانت مادية أو معنوية، وهي تشمل النماء في الصحة، والعمر، والرزق {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9]، والأولاد، وفي الأماكن {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29]، والأزمان {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: 3]، والبركة هي الخير الثابت الدائم، والبركة من معناها الوفرة والكثرة أي الشيء المحدود يتكاثر بغير حدود.

ولمّا كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يُحَسّ، وعلى وجه لا يُحْصى ولا يُحْصَر، قيل لكلّ ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة (3).

وردت البركة على لسان عيسى بن مريم عليه السلام بقَولِه: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31]، كما وردت في تقدير الأقوات في الأرض في قوله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ} [فصلت: 10]، كما ورد ذِكر البرَكَة أيضًا صراحةً في الحديث الشريف: عن أنس رضي الله عنه عن أم سُليم أنها قالت: يا رسول الله، أنس بن مالك خادمك، ادع الله له، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم أكثر مَاله وولده، وبارك له فيما أعطيته» (4)، ووردت البركة أيضًا في فضل "السحور"، عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسحروا، فإن في السحور بركة» (5).

قال النووي: وأما البركة التي فيه فظاهرة؛ لأنه يقوي على الصيام وينشط له، وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر؛ فهذا هو الصواب المعتمد في معناه، وقيل: لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف؛ وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار، وربما توضأ صاحبه وصلى، أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة، أو التأهب لها حتى يطلع الفجر (6).

 أسباب البركة في البيوت

        1- الإيمان والتقوى:

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2- 3]، هذا هو الأساس الأعظم ورأس الأمر كله، البيت الذي يُعظّم فيه الله، وتُقام فيه حدوده، وتُجتنب نواهيه، هو البيت الذي تتنزل عليه رحمات الله وبركاته، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]، والبيت هو قرية صغيرة، فإذا آمن أهله واتقوا، فُتحت عليهم أبواب البركات.

إنَّ من أعظم أسباب البركة في البيوت الإيمان الصادق وتقوى الله؛ فبهما تُفتح أبواب الخير وتتنـزَّل السكينة ويعظم الرزق، فالإيمان ليس كلمة تُقال باللسان، بل نورٌ يملأ القلب، وصِدقٌ يظهر في العمل، وخشيةٌ تدفع صاحبها إلى الطاعة وتبعده عن المعصية.

والتقوى سياجٌ يحفظ البيت من الشرور، ويجعله عامرًا بالطاعة والهدى؛ فإذا سكن الإيمان في القلوب، وجرى نور التقوى في أركان البيوت، أقبلت البركات من حيث لا يُحتسب: بركة في الرزق، وبركة في الوقت، وبركة في الصحة، وبركة في الهدوء النفسي، وبركة في اجتماع القلوب على المودة والرحمة.

وفي الظلال: إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في النفوس، وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة.. بركات تنمي الحياة وترفعها في آن، وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال (7).

يقول الله عز وجل: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2- 3]، فليس هناك أعظمُ بركة من أن يأتيَ للإنسان رزقُه من حيث لا يحتسب ولا يتوقَّع، وأن يكون الله عز وجل هو حَسْبه وكافيه في تحقيق ما يؤمِّل ودفْعِ ما يحاذر، وأن يجعل الله تعالى له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا؛ إنها أسباب البركة الواسعة، والعافية السابغة، والخير الكثير المتنوع المتعدد، تجتمع وتتكاثر حول من يتَّقي اللهَ ويتوكَّل عليه، ويمتلئ قلبُه بخشيته وتفويض الأمر إليه.

وما نقصت البركة عن كثير من البيوت إلا حين غاب عنها ذكر الله، وضعفت فيها صلة العبد بربه، وانشغل أهلها بزخارف الدنيا عن أعمال الآخرة، فإذا عاد الإيمان حيًّا، والتقوى راسخة، عاد معها الخير متدفقًا، وأصبح البيت واحة سكينةٍ ونور، تُحَفُّه رحمات الله وتملؤه أسباب الطمأنينة والرضا.

2- كثرة ذكر الله وتلاوة القرآن الكريم

إنَّ كثرة الذكر وتلاوة القرآن من أعظم مفاتيح البركة في البيوت، فهي تحيي الأرواح كما تحيي الغيثُ الأرضَ بعد موتها، وتُشيع في أرجائها نورًا لا تُخطئه الأبصار، وطمأنينةً تتسلّل إلى القلوب بلا استئذان.

فالذكرُ يُطهِّر القلب من غفلته، ويطرد الشياطين عن البيوت وأهلها، ويُنزِل السكينة التي لا تُنال بمالٍ ولا تُشترى بجهدٍ؛ إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت» (8).

شبه الذاكر بالحي الذي تزين ظاهره بنور الحياة وإشراقها فيه، وبالتصرف التام فيما يريد، وباطنه منور بالعلم والفهم، فكذا الذاكر يزين ظاهره بنور العمل وباطنه بنور العلم والمعرفة، فقلبه قار في حظيرة القدس، وسره في مخدع الوصل، وغير الذاكر ظاهره عاطل وباطنه باطل (9).

وأما القرآن فهو روحٌ يُبثّ في المكان، وشفاءٌ يُغسل به الهمّ، ونورٌ يمحو ظلم الجهل والقلق؛ وما من بيتٍ يُتلى فيه كلام الله إلا غمرته الرحمة، وارتفعت عنه أجنحةُ الشياطين، وتتابعت عليه موجاتُ الطمأنينة والصفاء.

فالبيوت التي يعلو فيها صوت القرآن تُصبح كالقلاع المحصّنة، تزداد فيها المحبة بين أهلها، ويعمّ فيها الخير في الرزق والصحة والبركة.

وإنّ العجب كل العجب من بيتٍ يشكو ضيقًا أو قلقًا أو تشتتًا، وبين يديه مفتاح البركة: ذكرٌ يسير باللسان، وقرآنٌ يفتح أبواب السماء، ويجعل البيت واحةً من نورٍ وسكينةٍ وهدى.

القرآن هو كلام الله، وحيثما يُتلى، تحل السكينة، وتتنزل الرحمة، وتحف الملائكة، وتطرد الشياطين، والبيت الذي يُهجر فيه القرآن هو بيت خَرِبٌ موحش.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» (10)، وقال أيضًا: «اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» (السحرة) (11)، والمعنى: ييأس من إغواء أهله ببركة هذه السورة، أو لما يرى من جدهم في الدين واجتهادهم في طلب اليقين وخص سورة البقرة بذلك لطولها وكثرة أسماء الله تعالى والأحكام فيها (12).

3- استصحاب التسمية والذكر عند الطعام والشراب:

إنَّ استصحاب التسمية والذكر عند الطعام والشراب، وعند اللباس والنوم، وعند الدخول والخروج، من أجلِّ أسباب البركة في حياة المسلم وبيته؛ فالتسمية في أول الأمور تربط القلب بالله، وتستجلب معونته، وتبعد الشيطان عن مشاركة الإنسان في شأنه.

فإذا جلس المرء إلى طعامه وقال: بسم الله، حُفظ طعامه من الشيطان، ونزلت فيه البركة، وصار قليلُه يشبع، وكثيرُه ينفع.

وإذا لبس ثوبه فذكر ربه، ألبسه الله سترًا وصيانة، وكتب له في خطواته حفظًا وتوفيقًا.

وإذا أوى إلى فراشه مستذكرًا أذكار النوم، انقلب نومه عبادةً، وحفظًا، وسكينةً تُغلق أبواب الخوف والاضطراب.

أمّا عند الخروج من البيت والدخول إليه، فإن الذكر يُحصّن العبد من الشرور، ويُفتح له باب الرزق والتيسير، فيمضي في يومه محفوظًا، ويعود إلى بيته مطمئنًا، وقد صُرفت عنه الآفات والمكاره.

وهكذا يصبح المسلم في حصنٍ منيع من ذكر الله، تتنزل عليه البركات من كل جانب، لأنه لم يغفل عن ربه طرفة عين؛ بل جعل ذكره رفيقًا في كل حركةٍ وسكون، فكانت البركة ثمرةً دائمة تُلازمه حيثما حلّ وارتحل.

إن ذكر الله هو الحصن الذي يمنع الشيطان من مشاركتنا في بيوتنا وأرزاقنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء» (13).

وتحقيق ذلك أن انتهاز الشيطان فرصة من الإنسان إنما يكون حال الغفلة والنسيان عن ذكر الرحمن، فإذا كان الرجل متيقظًا محتاطًا ذاكرًا لله في جملة حالاته لم يتمكن من إغوائه وتسويله، وأيس عنه بالكلية.

ويحتمل أن يكون إصابته من الطعام التقوي برائحته، والذكر هو المانع له عن حضور الطعام، وإما لأهل البيت على سبيل الدعاء أي جعلتم محرومين كما جعلتموني محرومًا (14).

4- حُسْن تنظيم الوقت والمبادرة إلى اغتنامه:

إنَّ التبكير في طلب الرزق من السنن العظيمة التي حثّ عليها الإسلام، وجعل فيها سرًّا من أسرار البركة والتيسير؛ فالغدوّ في أول النهار وقتٌ مبارك، تتنـزّل فيه الأرزاق، وتُفتح فيه أبواب التوفيق، فالبكور يُنشّط الجسد، ويصفّي العقل، ويشحذ الهمة، ويجعل الإنسان أقرب إلى الإنجاز والإبداع مما لو بدأ يومه متأخرًا مثقلًا بالكسل.

ثم إن في التبكير معنى الانضباط واحترام الوقت، وهو من أعظم دلائل الجدية في السعي، ومن أسباب محبة الناس وثقتهم بالعامل أو التاجر.

ومن ذاق لذة البكور علم أن النهار يكفيه ويزيد، وأن العمل يبارك فيه، وأن الرزق يأتي أيسر وأسرع، وأن ما يُنجز في الساعات الأولى لا يساويه ما يُبذل في آخر النهار مهما طال.

وما ضاقت أرزاق كثير من الناس إلا حين غلب عليهم السهر، وضاعت بركة الصباح، واستُبدل النشاط بالفتور، والجدّ بالكسل؛ فإذا رجع المسلم إلى سنة البكور، وبدأ نهاره مبكرًا ذاكرًا لله، منطلقًا إلى عمله بهمة وعزيمة، رأى من البركة ما يعجب له، وذاق من التوفيق ما يشهد بأن البكور ليس عادةً فحسب، بل باب واسعٌ من أبواب الرزق والبركة.

عن صَخْر بن وَدَاعَة الغامِدِيِّ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار، وكان صخر رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارته من أول النهار فَأَثْرَى وكثر ماله (15).

5- إقامة الصلاة في البيت (النوافل):

إنَّ إقامة الصلاة في البيت، ولا سيما النوافل، من أوسع أبواب البركة التي تُفتح على الأسرة والدار؛ فهي نورٌ يملأ الأركان، ورحمةٌ تتنـزّل مع كل سجدة، وطمأنينةٌ تسري في القلوب كما تسري الحياة في العروق.

وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى إحياء البيوت بالصلاة، فقال: «صلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (16).

فالنوافل في البيوت تحيي فيها روح العبادة، وتُعلّم الأبناء برفقٍ وسكون معنى الخشوع والقرب من الله، وتُحوّل المكان إلى محرابٍ تتردد فيه الملائكة ويغشاه الذكر.

وإذا كان البيت عامرًا بالصلاة- نافلةً وتهجّدًا، شكرًا واستخارة- حلّت فيه البركة، وامتلأ أهله سكينةً ورضًا، واتسعت أرزاقهم وإن قلّت، وانشرحت صدورهم وإن ضاقت دنياهم.

وما غابت البركة عن بيوتٍ كثيرة إلا حين جفّ فيها ورد النوافل، وصارت الصلاة لا تُرى إلا خارجها؛ فإذا أُقيمت الصلاة فيها، عاد النور، وعادت السكينة، وعاد معها معنى البيت المسلم: بيتٌ يعبد الله، ويُربي على الطاعة، وتتنـزّل عليه البركات صباحًا ومساءً.

بينما صلاة الفريضة للرجال في المسجد، فإن إحياء البيت بصلاة النوافل هو من أعظم أسباب إنزال النور والبركة فيه.

6- صلة الرحم وإكرام الضيف:

إنَّ صلة الرحم وإكرام الضيف من أنبل أخلاق الإسلام التي تجلب للبيوت بركةً في الرزق، وسعةً في العيش، ورفعةً في المقام بين الناس؛ فصلة الرحم تعمّق جذور المودة بين الأقارب، وتداوي القلوب من الجفاء والقطيعة، وتفتح أبواب الطمأنينة والسعادة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (17)؛ فهي سبب لزيادة الرزق، وطول الأثر، وحسن البركة في العمر والعمل.

وقد جعل الله لكل مطلوب سببًا وطريقًا يُنال به، وهذا جار على الأصل الكبير، وأنه من حكمته وحمده، جعل الجزاء من جنس العمل، فكما وصل رحمه بالبر والإحسان المتنوع، وأدخل على قلوبهم السرور، وصل الله عمره، ووصل رزق، وفتح له من أبواب الرزق وبركاته، ما لا يحصل له بدون هذا السبب الجليل.

وكما أن الصحة وطيب الهواء وطيب الغذاء، واستعمال الأمور المقوية للأبدان والقلوب، من أسباب طول العمر؛ فكذلك صلة الرحم جعلها الله سببًا ربانيًا، فإن الأسباب التي تحصل بها المحبوبات الدنيوية قسمان: أمور محسوسة، تدخل في إدراك الحواس، ومدارك العقول.

وأمور ربانية إلهية قَدَّرها مَنْ هو على كل شيء قدير، ومَنْ جميع الأسباب وأمور العالم منقادة لمشيئته، ومَنْ تكفل بالكفاية للمتوكلين، ووعد بالرزق والخروج من المضائق للمتقين، قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2- 3] (18).

أمّا إكرام الضيف فهو من شيم الكرام، وخصال الأبرار، ودليلٌ على صفاء النفس وحُسن الخلق، وقد جاء في الحديث الصحيح: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه» (19).

فالبيت الذي يعرف أهله طريق السخاء، ويُحسنون استقبال ضيوفهم ببشاشة الوجه، وطيب الكلام، وحسن القِرى، بيتٌ تتنـزل عليه الرحمات، ويُبارك الله في أهله وماله.

وما خلت بيوتٌ من البركة إلا حين تقطّعت فيها الأرحام، وضاق صدر أهلها بالضيوف؛ فإذا عادوا إلى مكارم الأخلاق، عادت إليهم البركة جاريةً في أرزاقهم، مزدهرةً في قلوبهم، وحاضرةً في كل شؤون حياتهم.

البيت الذي يُفتح لأهله وأرحامه وضيوفه هو بيت مبارك، يوسع الله في رزق أهله ويبارك في أعمارهم.

7- الشكر والرضا بالقليل:

إنَّ الشكر والرضا بالقليل من أجلِّ أبواب البركة وأعظم أسباب السعادة في البيوت والقلوب؛ فالشكر يفتح مغاليق النعم، ويجعل القليل كثيرًا، واليسير غزيرًا، ويجلب المزيد من فضل الله، مصداقًا لقوله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، والشاكر يرى النعمة بعين الامتنان لا بعين الاعتياد، فيحيا مرتاح النفس، مطمئنّ الروح، بعيدًا عن سخط المتذمرين الذين لا يرضيهم شيء.

أمّا الرضا بالقليل فهو غنىً لا يُشترى، وراحةٌ لا تُنال بكثرة الأموال؛ فمن رضي بما قسم الله له، عاش في بحبوحةٍ من الطمأنينة، ونال بركةً في رزقه ووقته وصحته، لأن البركة ليست في كثرة ما يُجمع، بل في سعة ما يُنتفع به.

ومن عجب الدنيا أن كثيرًا من الناس أوتوا مالًا واسعًا ولم يجدوا فيه راحة، بينما يجد الراضي بالقليل في لقيماته وزاده وسكنه من الطمأنينة ما لا يجده غيره في القناطير المقنطرة.

فإذا اجتمع الشكر والرضا في بيتٍ، امتلأ نورًا ونعيمًا، وجرت فيه البركة كالماء الرقراق، وعمّ أهله صفاءٌ في القرارات، وصلاحٌ في الأحوال، وسعادةٌ تمتد ما دام لسانهم شاكرًا، وقلوبهم راضيةً بقضاء الله وقدره.

والشكر هو مفتاح المزيد، البيت الذي يكثر فيه الحمد لله على نعمه، صغيرة كانت أم كبيرة، هو بيت موعود بالزيادة والبركة.

أما البيت الذي يملؤه السخط والشكوى والتذمر، فهو بيت تُنزع منه البركة.

إن البركة ليست مجرد زيادة في المال أو الطعام، البركة الحقيقية هي البركة في الوقت، فتشعر أن يومك فيه متسع لإنجاز الكثير من الطاعات والخير، وهي البركة في الأبناء، فتجدهم صالحين بارّين قُرّة عين لك، وهي البركة في الصحة، فتُعافى في بدنك وتستخدمه في طاعة الله، وهي البركة في العلم، فينتفع به صاحبه وينفع غيره.

فلنجعل بيوتنا قلاعًا للإيمان ومحاضن للتقوى، ولنأخذ بهذه الأسباب بيقين وتوكل على الله.

8- الصدقة والإنفاق في سبيل الله:

قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39]، إنَّ الصدقة والإنفاق في سبيل الله من أعظم أسباب البركة في البيوت والأموال، وسبيلٌ إلى سعة الرزق ونمائه، وراحة النفس وطمأنينة القلب.

فالإنفاق على الفقراء والمساكين، ودعم المشاريع الخيرية، وإعانة المحتاجين، ليس مجرد عمل اجتماعي؛ بل هو عبادة يقرّب العبد من الله، ويُبارك له في ماله ووقته وأهله، قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، فكل ما يُنفق في سبيل الله ينمو ويزداد، حتى وإن كان قليلًا، ويُردّ على صاحبه أضعافًا مضاعفة، كما أن الصدقة تطرد البلاء والهمّ، وتفتح أبواب السماء والرحمة على البيت، فتصير أسرته عامرة بالسكينة والمحبة، ويشعر أهلها بالطمأنينة والأمان، لأنهم يسلكون طريقًا مباركًا يرضي ربهم.

وما نقصت البركة عن مال أو بيت إلا حين غاب الإنفاق في سبيل الله، واحتُبِس العطاء، وحُلّ مكانه البخل والأنانية؛ فإذا عاد المسلم إلى الصدقة والسخاء، عادت البركة إلى ماله، وزاد رزقه، وعمّت السكينة قلبه وبيته، وظهر أثرها في كل شؤون حياته، فيصبح البيت موئلًا للخيرات، والمال وسيلةً للخير، والحياة رحلةً مباركة.

إنَّ الطعام الحلال من أسمى أسباب البركة في البيوت، وركيزةٌ أساسية لسلامة الجسم والروح، ولقرب العبد من الله عز وجل، فالأكل الحلال طيبٌ للبدن، مطمئن للضمير، مطهر للنفس، ويورث القوة والنشاط لمواصلة العمل الصالح، ويبعث على الطمأنينة في القلب.

أما الأكل الحرام، فهو يورث القلق في النفس، ويذهب البركة من المال والوقت والجهد، ويورث الخزي في الدنيا والآخرة، لأن مصدره شوب بالحرام أو غش أو ظلم.

فالبيت الذي يُحرص أهله فيه على تناول الحلال والابتعاد عن الحرام، يبارك الله له في الرزق، ويزداد خيرًا ووفرةً، ويستقر فيه السلام النفسي والأمان الأسري.

كما أن الطعام الحلال يجعل الفرد صالحًا في تعامله مع الآخرين، صادقًا في قوله، وأمينًا في عمله، فيكون البيت كله عامرًا بالخير، لا يعكر صفوه شيء من ظلم أو غش أو كذب، فالحرص على الحلال في الطعام باب واسع لجلب البركة، وسبيلٌ إلى رضا الله، وزيادة الرزق، ودوام الصحة والقوة، وطمأنينة القلب والبيت كله.

9- الاجتماع على الطعام وذكر اسم الله عليه:

عن وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده وحشي، قال: قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، قال: «تجتمعون على طعامكم أو تتفرقون؟» قالوا: نتفرق، قال: قال صلى الله عليه وسلم: «اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه» (20).

إنَّ الاجتماع على الطعام من الأسباب الجميلة للبركة في البيوت، فهو يعزز المودة والمحبة بين أفراد الأسرة، ويغرس روح التعاون والتراحم، ويخلق جوًّا من الألفة والسكينة في البيت، فالطعام لا يقتصر على كونه وسيلة لإشباع الجوع؛ بل هو مناسبة للتواصل، ولتربية الأبناء على حسن الخلق والآداب، والابتعاد عن الأنانية.

وعندما يجلس أهل البيت حول مائدة واحدة، يُقسّم الخير بينهم، ويُتبادل الحديث الطيب والضحك الخفيف، فتنتشر البهجة ويزداد الرزق بركة، كما لو أن المائدة نفسها تغدو منابر للرحمة والسكينة.

وما افتقرت البيوت إلى البركة إلا حين غاب فيها هذا الاجتماع، فأصبح كل فرد يأكل وحده، أو يتباعد الناس في طعامهم، ففقدوا بذلك أثر المحبة والرحمة والسكينة.

أما الاجتماع على الطعام فهو سبب للبركة في ما يُقدّم على المائدة، وزيادة المحبة بين القلوب، ورخاء النفوس، ودوام الخير في البيت كله، حتى يتحوّل كل غذاء إلى وسيلة لنماء المحبة، وراحة القلب، ودوام الطمأنينة.

إذا التزم أهل البيت بهذه الأسس، وأحيوا حياتهم بالذكر والصلاة والخلق الحسن، وحرصوا على الحلال والصدق والبرّ، عادت البركة إلى أوقاتهم وأموالهم وقلوبهم، وصار البيت واحةً للسكينة والنور، تتسع فيه المحبة وتعمّ فيه الرحمة، ويُزداد رزق أهله وسعادتهم دون شك.

موانع البركة في البيوت

- المعاصي والذنوب:

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، فمن أعظم موانع البركة في البيوت المعاصي والذنوب التي تُطفئ نور الطاعة وتغلق أبواب الرزق والسكينة، وتزرع الاضطراب والخلاف بين أهل البيت، فالمعصية، مهما كانت صغيرة في ظاهرها، تُضعف البركة في المال والوقت والصحة، وتكثر الهموم والأحزان، وتفسد المودة بين القلوب، لأن الذنوب تزرع القلق والخوف على حساب الطاعة والرضا.

كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، قال ابن كثير: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد. فهذا من ضنك المعيشة (21).

وما يُغلق البركة عن البيوت إلا حين يسيطر الكذب والغش، وسوء الخلق، والربا، والانحراف عن أوامر الله، ويغيب ذكره عن القلب واللسان، ولذلك كانت التوبة والرجوع إلى الله، والحرص على الطاعات، والابتعاد عن المحرمات، أعظم سبب لعودة البركة، وزيادة الرزق، ودوام السكينة في البيت، فيصبح البيت دار طمأنينة وهداية، ومأوىً للخير والرضا والمحبة بين أهله.

- القطيعة والخصام بين الأهل:

إنَّ القطيعة والخصام بين أهل البيت من أكبر موانع البركة التي تحجب الخير عن الدار وتزرع الهموم والخلافات، وتُضعف روابط المحبة والود التي هي أساس الأسرة المسلمة.

فالبيوت التي يسودها الجدال والعداوة، ويغيب فيها التسامح والمودة، تحرم من الطمأنينة والسكينة، ويضيق رزقها مهما كثرت أمورها أو زادت أموالها، لأن البركة لا تحل إلا حيث يُحسن الناس خلقهم ويُصلحون ما بينهم.

وقد حذّر الإسلام من القطيعة والخصام، وجعل الصلح والمودّة سببًا لنزول الرحمة والبركة، فقال الله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]، ووجه المؤمنين إلى حفظ صلة الرحم، فقال سبحانه: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].

فإذا صلحت القلوب، وعاد أهل البيت إلى التسامح، وزال الحقد والحسد، حلت البركة في المال والوقت والصحة، وعمّت السكينة النفوس، وصارت البيوت واحةً للطمأنينة والمحبة، فتنتشر الرحمة بين أفرادها، ويزداد رزقهم وسعادتهم، كما كان حال بيوت الصالحين التي تتجدد فيها البركة ببرّها لبعضها وبصلاح أهلها.

        - الرياء والكبر:

إنَّ الرياء والكبر من أخطر الموانع التي تحجب البركة عن البيوت، وتُفسد القلوب قبل الأرزاق، وتُبعد الرحمة والسكينة عن أفراد الأسرة، فالرياء يجعل العمل عبثًا، والنية خبيثة، فيظهر الإنسان متفاخرًا بما عنده، متظاهرًا بالفضيلة، ويغيب عن قلبه صدق القرب من الله، فيظل البيت خاليًا من البركة رغم كثرة المال أو الرفاهية.

وأما الكبر، فهو جذر الفساد الذي يفسد العلاقات بين الناس، ويزرع الشقاق في الأسرة، ويبعد الإنسان عن التعلم، والتواضع، والاستفادة من الآخرين، فيصبح البيت مشحونًا بالغضب والحسد والأنانية، قال الله تعالى محذرًا المؤمنين من مظاهر الغرور: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تواضع لله رفعه الله» (22).

فإذا زالت أسباب الرياء والكبر من البيت، وحلّت مكانها التواضع وحسن النية، عادت البركة إلى المال والزمن والصحة، وعمّت السكينة القلوب، وصار البيت مكانًا للرحمة والمحبة، تفيض فيه الخيرات من كل جانب، لأن الله لا يُبارك في دار يسودها الغرور والرياء.

- المال الحرام:

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (23)، إنَّ المال الحرام من أكبر الموانع التي تمنع البركة عن البيوت، وتزرع القلق والخوف في النفوس، وتُضعف الصحة والعلاقات، وتُبعد الرزق حتى وإن زاد الكسب ظاهريًا.

فالمال الحرام لا يبارك الله فيه، ولا يثبّت في الحياة، بل يورث الشقاء والهمّ، ويجعل البيت عرضة للخلافات، ويذهب البركة من الوقت والجهد والرزق، لأنه مأخوذ من طريق يغضب الله.

فالبيت الذي يُحرص أهله على حلال المال، ويبتعدون عن الحرام والغش والربا، يفيض رزقه بركة، ويزداد خيرًا، ويعمّ فيه الطمأنينة، ويستقرّ فيه الحب والمودة، وتصبح الأموال وسائل للنفع والخير، لا سببًا للشقاء والخلاف.

أما البيت الذي يغش ويأخذ المال الحرام، فيخسر البركة، ويتكاثر الهمّ، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويصبح أثر المال الحرام شؤمًا على النفس والبيت كله.

- الغفلة عن ذكر الله:

إنَّ الغفلة عن ذكر الله من أعظم الموانع التي تحجب البركة عن البيوت، وتترك القلوب قاحلةً من الطمأنينة، والأرواح محرومةً من السكينة، والأعمال بلا نور وهداية.

فالذكر يربط الإنسان بربه، ويُشعل في قلبه الطمأنينة، ويبعد عنه الشرور والهموم، ويُفتح له أبواب الرزق والخير، كما قال الله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

أما البيت الذي يغفل أهله عن ذكر الله، فتصير أوقاته مظلمةً بالقلق والخلافات، ويُضعف رزقه، ويغيب عنه الخير، مهما كثرت الأموال أو كثرت وسائل الراحة.

والذكر لا يقتصر على الأذكار المأثورة فحسب؛ بل يشمل الشكر لله، والاستعانة به في كل شؤون الحياة، وذكره عند الدخول والخروج، وعند الطعام والشراب، وعند السعي والعمل، بحيث يغدو ذكر الله رفيقًا دائمًا للعبد في كل حركة وسكون.

فإذا عاد أهل البيت إلى ذكر الله، وعادوا ليلتزموا بأذكارهم وأدعيتهم، حلّت البركة في رزقهم ووقتهم وصحتهم، وعمّت بينهم المحبة والسكينة، وصار البيت واحةً من نور الله ورضاه، يفيض خيرًا من كل جانب.

 كيف نعيد البركة إلى بيوتنا؟

-  أن نجعل بيوتنا محاريب صغيرة، فيها قرآن يتلى، وذكر يُرفع، وصلاة تُقام.

-  أن نغرس في أبنائنا حب الطاعة والصدق والرحمة.

-  أن نُطهر بيوتنا من المنكرات والوسائل التي تجلب الغفلة.

-  أن نُكثر من الدعاء، عن أبي هريرة، أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا» (24).

 خاتمة

البركة ليست وهمًا ولا خيالًا؛ بل هي وعد من الله لعباده المؤمنين، وهي سر السعادة في الدنيا والآخرة، فإذا أردنا أن تكون بيوتنا عامرة بالسكينة، مليئة بالرحمة، غنية بالقليل، فلنُحيي فيها أسباب البركة، ولنُبعد عنها موانعها، حتى نعيش في ظل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُم فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الجاثية: 30].

***

--------------

(1) أخرجه البخاري (6446)، ومسلم (1051).

(2) أهمية البركة على الأسرة- إسلام أون لاين.

(3) بصائر ذوي التمييز (2/ 210).

(4) أخرجه البخاري (6334)، ومسلم (2480).

(5) أخرجه البخاري (1923)، ومسلم (1095).

(6) شرح النووي على مسلم (7/ 206).

(7) في ظلال القرآن (3/ 1340).

(8) أخرجه مسلم (779).

(9) فيض القدير (5/ 506).

(10) أخرجه مسلم (780).

(11) أخرجه مسلم (804).

(12) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1460).

(13) أخرجه مسلم (2018).

(14) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2693).

(15) أخرجه أبو داود (2606).

(16) أخرجه النسائي (1294).

(17) أخرجه البخاري (5986)، ومسلم (2557).

(18) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار (ص: 191).

(19) أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47).

(20) أخرجه ابن حبان (5224).

(21) تفسير ابن كثير (5/ 322).

(22) أخرجه ابن أبي شيبة (7790).

(23) أخرجه مسلم (1015).