logo

شريك العمر أم شريك المهام؟


بتاريخ : الاثنين ، 6 صفر ، 1448 الموافق 20 يوليو 2026
شريك العمر أم شريك المهام؟

يشيع في الخطاب المعاصر وصف العلاقة الزوجية بأنها "شراكة"، ثم لا يلبث هذا المصطلح أن يُفرَّغ من معناه الشرعي، فيتحول إلى شراكة في تقسيم الأعمال المنزلية، وتقاسم الأعباء المادية، وحساب الحقوق والواجبات، حتى أصبحت بعض البيوت تُدار بعقلية الموظفين لا بروح الأزواج، وصار كل طرف يسأل: "ما الذي قدمه الآخر؟" قبل أن يسأل: "ما الذي قدمته أنا؟"

والسؤال الذي يحتاج إلى إعادة ضبط: هل الزوج شريك العمر أم مجرد شريك المهام؟

والجواب الذي يقرره الإسلام أن الزواج في الإسلام ليس عقدًا لتبادل الخدمات، وإنما ميثاق غليظ لبناء أسرة، وتحقيق السكن، وصناعة المودة، وإقامة الحياة على التعاون والتراحم.

أولًا: الزواج ميثاق وليس صفقة:

وصف الله تعالى عقد الزواج بأنه ميثاق غليظ، فقال: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، هو ميثاق النكاح، باسم الله، وعلى سنة الله.. وهو ميثاق غليظ لا يستهين بحرمته قلب مؤمن وهو يخاطب الذين آمنوا، ويدعوهم بهذه الصفة أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ (1).

الميثاق الغليظ: هو ما أمر الله تعالى به من إمساكهن بالمعروف، أو تسريحهن بإحسان، أو هو عقد الزواج، أو هو كناية عن الالتقاء والمجامعة، أو المراد بالإفضاء والميثاق: هو ما بينهما من المودة والمحبة، وما يجب عليهما من ستر المعايب، والمحافظة على السر (2).

وعلى العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لا من ناحية واحدة منها وهي ناحية البغض والحب، وأن ينظر في العلاقة التي بينه وبين زوجته بعين العقل والمصلحة المشتركة، لا بعين الهوى، وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه، فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، وربما يكون الشيء الذي كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل في كراهيته سيجعل الله فيه خيرًا كثيرًا في المستقبل، قال تعالى: {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (3).

ولم يصف الله أي علاقة إنسانية بهذا الوصف إلا العلاقات العظيمة، مما يدل على قدسية هذا الرباط، ولم يقل القرآن: "وأخذن منكم عقدًا"، وإنما قال: ميثاقًا غليظًا؛ لأن العلاقة الزوجية ليست قائمة على المصالح العابرة، وإنما على الوفاء والثبات وتحمل المسؤولية.

فالصفقات تنتهي بانتهاء المنفعة، أما الميثاق فيبقى مع اختلاف الأحوال.

قال السعدي: وقد بين تعالى حكمة ذلك بقوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} وبيان ذلك: أن الزوجة قبل عقد النكاح محرمة على الزوج ولم ترض بحلها له إلا بذلك المهر الذي يدفعه لها، فإذا دخل بها وأفضى إليها وباشرها المباشرة التي كانت حرامًا قبل ذلك، والتي لم ترض ببذلها إلا بذلك العوض، فإنه قد استوفى المعوض فثبت عليه العوض.

فكيف يستوفي المعوض ثم بعد ذلك يرجع على العوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقًا غليظًا بالعقد، والقيام بحقوقها (4).

ثانيًا: الغاية الأولى من الزواج هي السكن:

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشًا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي (5).

والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار، ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب، وينتج فيه المحصول البشري الثمين، ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه، ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة، كما أنه لم يجعله شقاقًا ونزاعًا، وتعارضًا بين الاختصاصات والوظائف، أو تكرارًا للاختصاصات والوظائف كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث سواء (6).

وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، تأمل ترتيب الآية: السكن، ثم المودة، ثم الرحمة.

فالسكن ليس بيتًا يُسكن؛ بل قلبًا يُسكن إليه، والمودة ليست مجرد كلمات؛ بل مشاعر تُترجم إلى مواقف، والرحمة تظهر حين تغيب القوة، أو يمرض أحد الزوجين، أو يضعف، أو يخطئ.

ولو كانت الحياة الزوجية مجرد توزيع للمهام، لما احتاجت إلى الرحمة، وإنما تحتاج الرحمة عندما يعجز أحد الطرفين عن أداء ما كان يؤديه، ولهذا فإن البيوت التي تقوم على الحب والرحمة تبقى، أما البيوت التي تقوم على المحاسبة الدقيقة لكل عمل فإنها كثيرًا ما تنهار.

والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة؛ ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجًا، وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكنًا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأنسًا للأرواح والضمائر، واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء (7).

ثالثًا: الزوجان لباس أحدهما للآخر:

قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]، فهي صلة النفس بالنفس، وهي صلة السكن والقرار، وهي صلة المودة والرحمة، وهي صلة الستر والتجمل، وإن الإنسان ليحس في الألفاظ ذاتها حنوًا ورفقًا، ويستروح من خلالها نداوة وظلًا، وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق، ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها، بما فيها امتداد الحياة بالنسل، فيمنح هذه الأغراض كلها طابع النظافة والبراءة، ويعترف بطهارتها وجديتها، وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها (8).

قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان: يعني هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن (9).

إنها آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، رسمت في كلمة واحدة فلسفة الزواج في الإسلام، وجعلت الزوجين في منزلةٍ لا يشبهها شيء من العلاقات الإنسانية؛ فليس أحدهما سيدًا والآخر تابعًا، ولا خصمًا ومنافسًا، وإنما كل واحد منهما لباسٌ لصاحبه.

واللباس هو أقرب الأشياء إلى الإنسان، لا يفارقه إلا نادرًا، فكذلك ينبغي أن يكون الزوجان في القرب النفسي والعاطفي، يألف كلٌّ منهما صاحبه، ويأنس بقربه، ويجد عنده السكينة والطمأنينة.

واللباس يستر العيوب، فلا يفضحها، ويخفي النقائص، ولا يكشفها أمام الناس، وكذلك الزوج الصالح والزوجة الصالحة؛ يستران الزلات، ويحفظان الأسرار، ولا يجعلان من أخطاء الحياة الزوجية حديث المجالس أو مادةً للتشهير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشرِّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها» (10).

واللباس يقي من الحر والبرد، ويحفظ الجسد من الأذى، وكذلك الزوجان؛ يقي كل واحد منهما صاحبه فتن الدنيا، ويحفظه من الانحراف، ويكون له حصنًا من الوحدة والضياع، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج» (11).

واللباس أيضًا زينة، قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، فالزوج الصالح زينةٌ لزوجته، والزوجة الصالحة زينةٌ لزوجها، يرفع كلٌّ منهما قدر الآخر بحسن خلقه، وجميل عشرته، وصلاح دينه، فلا يكون أحدهما سببًا في شقاء صاحبه أو هوانه، بل يكون عونًا له على طاعة الله، ومصدر فخرٍ واعتزاز.

ومن معاني اللباس كذلك أنه لا يُستغنى عنه، فإذا فُقد شعر الإنسان بالوحشة والنقص، ولهذا جعل الله الزواج سكنًا ورحمة، لا مجرد عقدٍ لتنظيم الحقوق والواجبات، فالزوج ليس آلةً للإنفاق، والزوجة ليست آلةً للخدمة، وإنما هما روحان التحمتا بميثاقٍ غليظ، حتى صار كل واحد منهما أقرب الناس إلى الآخر، وأحرصهم عليه، وأشدهم محافظةً على كرامته.

رابعًا: القوامة تكليف لا تشريف:

قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، القوامة ليست سلطة للتسلط، وإنما مسؤولية للرعاية والإنفاق والحماية والقيادة بالحكمة.

والقوامة التي قررها القرآن للرجل على النساء هي قوامة لها أسبابها من التكوين والاستعداد، ولها أسبابها من توزيع الوظائف والاختصاصات، ولها أسبابها من العدالة في التوزيع من ناحية؛ وتكليف كل شطر بالجانب الميسر له، والذي هو معان عليه بمقتضى الفطرة؛ ولأن أحد شطري النفس البشرية مهيأ لها، معان عليها، مكلف تكاليفها، وأحد الشطرين غير مهيأ لها، ولا معان عليها، ومن الظلم أن يحملها ويحمل تكاليفها إلى جانب أعبائه الأخرى.

إن هذه القوامة التي جعلها القرآن للرجل على المرأة ليست قوامة من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع، وإنما هي قوامة وظيفية داخل كيان الأسرة؛ الغرض منها إدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها، ولا يخفى أن وجود القَيِّم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود، ولا شخصية، ولا حقوق الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها.

والمهم أن نعلم، أن هذه الرياسة ليست رياسة تشريفية سيادية، وإنما هي رياسة وظيفية إجرائية؛ غايتها الأساس حفظ المؤسسة الأسرية وصيانتها من الانهيار والدمار.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها» (12)، فالزوج مسؤول عن أسرته أمام الله، وكذلك الزوجة مسئولة عن زوجها وماله وأولاده، وليس معنى القوامة أن الزوج يعيش مرتاحًا والزوجة تتحمل كل شيء.

خامسًا: النبي صلى الله عليه وسلم كان شريكًا في الحياة لا مجرد آمر:

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في تحمل المسؤولية، عن عروة، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، أي شيء كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: «ما يفعل أحدكم في مهنة أهله، يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويرقع دلوه» (13).

قال المهلب: هذا من فعله عليه السلام، على سبيل التواضع وليسن لأمته ذلك، فمن السنة أن يمتهن الإنسان نفسه في بيته فيما يحتاج إليه من أمر دنياه وما يعينه على دينه، وليس الترفه في هذا بمحمود ولا من سبيل الصالحين، وإنما ذلك من سير الأعاجم (14).

فإذا كان خير الرجال يخدم أهله، فكيف يستنكف بعض الناس عن أبسط أعمال البيت؟ ولم يكن يفعل ذلك لأنه ملزم قانونيًا، وإنما لأنه يعيش بروح المودة.

سادسًا: الإسلام لا يبني الأسرة على مبدأ "النصف بالنصف":

الحياة الزوجية ليست شركةً تجارية تُقاس فيها الحقوق بالأرقام والنِّسب، وليست عقدًا بين موظفين يُسجَّل فيه كل عمل في مقابل عمل، وإنما هي ميثاق غليظ يجمع بين قلبين، يتقاسمان الأفراح والأتراح، ويتعاقبان حمل الأعباء بحسب القدرة والظروف، فقد يأتي يومٌ يبذل فيه الزوج أكثر، ويأتي آخر تكون فيه الزوجة هي الأكثر عطاءً، وقد يمرض أحدهما فيتحول الآخر من شريك إلى مُعين، ومن طالبٍ لحقه إلى قائمٍ بحق صاحبه، ولو أصرَّ كل واحد منهما على قاعدة: "أعطي بقدر ما آخذ"، لانطفأت جذوة المودة، وتحولت البيوت إلى ساحاتٍ للمحاسبة والمخاصمة.

ولهذا لم يأمر الله تعالى الزوجين بالمساواة الحسابية، وإنما أمرهما بالمعروف والإحسان، فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، ثم ارتقى بالقلوب إلى منزلةٍ أعلى من مجرد استيفاء الحقوق فقال: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، فالعدل يحفظ الأسرة من الظلم، أما الفضل فهو الذي يمنحها الدفء، ويُطيل عمرها، ويجعل التنازل خلقًا، والعطاء عادةً، والتغافل عبادةً.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس مع أهله، لا يزن معاملته لهم بميزان "ماذا قدموا لي؟"، وإنما بميزان «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (15)، وهكذا يعلّمنا الإسلام أن الأسرة لا تقوم على قاعدة "النصف بالنصف"، وإنما تقوم على قاعدة "كلٌّ يبذل ما يستطيع، ويحتسب ما يبذل عند الله، ويغفر ما يقصِّر فيه شريك عمره"، فإذا ساد هذا المعنى، بقيت البيوت عامرة بالمودة، وإن اختلفت الأنصبة، وتفاوتت الجهود، وتعاقبت ظروف الحياة.

ثامنًا: الحياة الزوجية قائمة على التكامل لا التماثل:

من أعظم الأخطاء التي تسللت إلى بعض التصورات المعاصرة أن نجاح الحياة الزوجية مرهون بأن يكون الزوج والزوجة نسخةً متطابقة في الأدوار والطباع والقدرات، وأن يؤدي كل واحد منهما ما يؤديه الآخر على الوجه نفسه، وهذا تصور يصادم سنن الله في الخلق، فإن الله سبحانه لم يخلق الرجل والمرأة متماثلين، وإنما خلقهما متكاملين؛ ليُكمِل كل واحد منهما الآخر، ويسدَّ ما قد يعتريه من نقص أو ضعف، قال تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى} [آل عمران: 36]، وليس في الآية انتقاص لأحدهما، وإنما تقريرٌ لحقيقة الفطرة واختلاف الخصائص التي اقتضتها حكمة الله عز وجل.

فقد يَفضُل الرجل في جانب، وتَبرُز المرأة في جانب آخر، ولكلٍّ منحه الله من الصفات الجسدية والنفسية والعاطفية والعقلية ما يعينه على أداء رسالته في بناء الأسرة، ولذلك لم يجعل الإسلام العلاقة بين الزوجين علاقة تنافسٍ على الأدوار؛ بل علاقة تعاونٍ على المقاصد؛ فليس المقصود أن يفعل كل واحد منهما ما يفعله الآخر، وإنما أن يؤدي كلٌّ منهما ما يحسن أداءه، وأن يتعاونا فيما يحتاجان إليه، تحقيقًا لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].

ولو كانت الحياة الزوجية قائمة على التماثل التام، لانتفت الحكمة من تنوع الطبائع والمواهب، ولكنها تقوم على التكامل؛ فالرجل قد يكون أقوى في تحمل بعض الأعباء، والمرأة أقدر على الاحتواء والحنان، وقد تتفوق هي في مجالات يعجز عنها هو، أو يتفوق هو في مجالات لا تناسبها، وليس في ذلك غضاضة، بل هو من تمام حكمة الله في خلقه، فالأسرة الناجحة ليست التي يتشابه فيها الزوجان في كل شيء، وإنما التي يعرف فيها كل واحد قدر نفسه، ويُقدِّر ما عند صاحبه، ويجعل اختلافهما وسيلةً للتكامل لا سببًا للتنازع.

ولهذا كانت المودة والرحمة أعظم من المطالبة بالمماثلة؛ لأن من أحبَّ شريك حياته لم ينظر إليه بعين المقارنة، وإنما نظر إليه بعين التقدير، فيشكر ما يحسن، ويعذر ما يقصر، ويعينه فيما يضعف.

ومن هنا كانت الأسرة المسلمة أشبه بجسد واحد، تتنوع فيه الأعضاء، وتختلف وظائفها، ولكنها جميعًا تتكامل لتحقيق غاية واحدة؛ فلا تقوم العين مقام اليد، ولا القلب مقام العقل، ومع ذلك لا يستغني عضو عن عضو، فكذلك الزوجان، يختلفان في الخصائص، ويتحدان في المقصد، ويجتمعان على إقامة بيت تسوده السكينة، وتظلله المودة، وتحيطه الرحمة، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

تاسعًا: من أخطر أسباب النزاعات عقلية "أنا فعلت وأنت لم تفعل"

وهذه العقلية تُفسد روح الزواج؛ لأن العلاقة الزوجية لم تُبنَ على المقايضة، وإنما على الإحسان، فالزوجان ليسا خصمين يترافعان أمام قاضٍ، ولا شريكين في صفقةٍ تجارية يحسب كل واحد منهما ربحه وخسارته، وإنما هما قلبان جمعهما الله بميثاق غليظ، وأمرهما أن يترفعا عن صغائر المحاسبات.

وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المنهج حين قال: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر» (16)، فهو توجيه نبوي إلى النظر بعين الإنصاف، فلا يُغطي خطأٌ واحد بحرًا من الإحسان، ولا تمحو لحظة تقصير سنواتٍ من الوفاء.

إن البيوت لا تهدمها كثرة الأعباء بقدر ما تهدمها كثرة المنِّ بها، ولا تفسدها قلة الإمكانات بقدر ما تفسدها كثرة المقارنات، وما أجمل أن يدخل الزوج إلى بيته وهو يسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أقدم؟، لا: ماذا سأحصل؟، وأن تدخل الزوجة حياتها الزوجية وهي تتقرب إلى الله بحسن العشرة، لا وهي تترقب ميزان المكافأة، فإذا غلبت ثقافة البذل على ثقافة المطالبة، والإحسان على الامتنان، والتغافل على التدقيق؛ عاشت الأسرة في سكينة، وبقيت المودة حيةً، ولو تعاقبت المشقات، وتبدلت الأحوال.

عاشرًا: الحقوق لا تُغني عن الأخلاق:

إن من أعظم الأوهام أن يظن الإنسان أن معرفة الحقوق وحدها كافية لبناء بيتٍ سعيد؛ فالحقوق تحفظ الحد الأدنى من العدل، لكنها لا تصنع دفء المودة، ولا تُنشئ أواصر الرحمة، ولا تُبقي على البيوت عند اشتداد المحن، فما أكثر البيوت التي عرف فيها كلُّ طرفٍ ما له وما عليه، ثم تهاوت؛ لأن الأخلاق غابت، والإحسان فُقد، والتغافل انعدم، فالزواج لا يعيش بنصوص الحقوق وحدها، وإنما يحيا بروح الأخلاق التي تُلين القلوب، وتُطفئ الخصومات، وتجعل التنازل فضيلة، والعفو مكرمة، والرفق منهجًا.

ولهذا لم يكتفِ الإسلام ببيان الحقوق والواجبات؛ بل ربط الحياة الزوجية بمكارم الأخلاق، فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، والمعروف كلمة جامعة لكل خلق كريم، من حسن القول، ولين الجانب، وجميل المعاملة، والصبر، والصفح، والرفق، وإدخال السرور، والحياة الزوجية لا تستقيم إذا وقف كل طرف عند حدود حقه، بل تستقيم حين يتجاوز كلٌّ منهما حقه إلى الإحسان والفضل.

وكان صلى الله عليه وسلم يبتسم، ويلاطف، ويمازح، ويخدم أهله، ويعفو عن الزلات، مع أنه سيد الخلق وأعظمهم حقًّا.

فالحقوق تُلزم الإنسان بما يجب عليه، أما الأخلاق فتدعوه إلى ما هو أكمل وأفضل، الحقوق تمنع الظلم، لكن الأخلاق تنشر الرحمة، الحقوق تحفظ العلاقة من الانهيار، أما الأخلاق فترتقي بها إلى السعادة والسكينة.

وإذا اجتمع الحق مع الخلق، والعدل مع الإحسان، والواجب مع الفضل، أصبحت الأسرة جنةً يأوي إليها الزوجان، أما إذا بقيت الحقوق مجردةً من الأخلاق، فإن الحياة تتحول إلى علاقة جافة، يؤدي فيها كل طرف ما عليه ببرود، وتغيب عنها المودة التي جعلها الله أساسًا للحياة الزوجية، فقال سبحانه: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، فالبيوت لا يحفظها القانون وحده، وإنما يحفظها الإيمان، وتُعمر بالأخلاق قبل أن تُعمر بالحقوق.

الحادي عشر: من صور الشراكة الحقيقية:

- التعاون في تربية الأبناء.

- التشاور في القرارات.

- تحمل الأزمات معًا.

- مراعاة ظروف الطرف الآخر.

- الاعتذار عند الخطأ.

- حفظ الأسرار.

هذه هي الشراكة التي أرادها الإسلام.

الثاني عشر: نماذج مضيئة من السلف:

كانت بيوت الصحابة تقوم على التعاون، لا على التنازع، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع ما عُرف به من الشجاعة والبطولة، كان يعيش مع زوجته فاطمة رضي الله عنها حياةً تقوم على التعاون وتحمل المسؤولية، وقد روي أن الأعمال بينهما كانت موزعة بحسب القدرة؛ فكانت فاطمة تقوم بما داخل البيت، وكان عليٌّ يقوم بما خارجه، في صورة من صور التكامل التي تراعي الفطرة، وتحقق المصلحة، بعيدًا عن روح التنازع والمشاحة.

ولما شكت فاطمة رضي الله عنها ما تلقاه من مشقة الطحن والخدمة، وطلبت من أبيها صلى الله عليه وسلم خادمًا، لم يُؤجِّج النبي صلى الله عليه وسلم روح الخصومة بين الزوجين، ولم يجعل القضية نزاعًا حول الحقوق، وإنما وجَّههما إلى ما يملأ القلب صبرًا ورضًا، فقال لهما: «ألا أدلكما على خيرٍ مما سألتما؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبِّحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدا الله ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا الله أربعًا وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادم» (17)، فربط سعادة البيت بذكر الله، وتقوية الصلة به، لا بكثرة المطالب.

وهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها كانت تخدم زوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه، وتتحمل من أعباء الحياة ما يناسب ظروفهما، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: تزوجني الزبير، وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ (18)، ولم تكن ترى في ذلك مذلةً أو انتقاصًا؛ بل كانت تؤدي ذلك برضا ومحبة، حتى وسَّع الله على الزبير، فخفَّت عنها تلك المشقة.

لقد كان السلف يعلمون أن الحياة الزوجية ليست ميدانًا لإثبات الحقوق بقدر ما هي ميدانٌ للتنافس في الإحسان، ولذلك بقيت بيوتهم عامرة بالإيمان، مطمئنة بالمودة، ثابتة أمام تقلبات الحياة.

وما أحوج بيوت المسلمين اليوم إلى أن تستلهم تلك النماذج، فتجعل من بيت النبوة مدرسةً، ومن أخلاق الصحابة منهجًا، حتى يعود للزواج معناه الحقيقي: شراكة عمر، لا مجرد شراكة مهام.

إن أخطر ما يهدد الأسرة اليوم هو تحويل الزواج إلى عقد خدمات، يقيس فيه كل طرف قيمة الآخر بمقدار ما يؤديه من مهام، بينما أراد الإسلام أن يكون الزواج رحلة عمر، وسكنًا للنفس، ومودةً في الرخاء، ورحمةً في الشدة.

فالزوج ليس مجرد ممول، ولا الزوجة مجرد خادمة، بل كلاهما رفيق طريق، وشريك حياة، يعين أحدهما الآخر على طاعة الله، ويصبران معًا على أعباء الدنيا، ويغفر كل منهما زلات صاحبه، ويؤثران بقاء المودة على الانتصار للنفس.

فحيث وُجد السكن، وعاشت المودة، وسادت الرحمة، هناك تتحقق الشراكة الحقيقية التي أرادها الله، وتقوم الأسرة على أساس متين يدوم بإذن الله.