تفكيك المفاهيم الحديثة حول حقوق المرأة

إن من أعظم القضايا التي يكثر حولها الجدل في هذا العصر قضية "حقوق المرأة"، وقد أصبحت هذه العبارة شعارًا عالميًا تُرفع تحته أفكارٌ ومفاهيم واتجاهات متباينة، حتى اختلط الحق بالباطل، والتبس المشروع بالممنوع، وصار كثير من الناس يظنون أن كل ما يُطرح تحت عنوان حقوق المرأة حقٌّ وعدل، وأن كل اعتراض عليه ظلمٌ وانتقاص.
ولو نظرنا نظرة إجمالية إلى المرأة في الجاهلية المعاصرة ستغرنا المظاهر والشكليات، وظهور المرأة في مظهر الزهو الفارغ، وتحولت تلك المظاهر الخادعة إلى حجاب مانع عن رؤية الحقيقة البائسة للمرأة في هذه الحضارة الزائفة التي وصفها أحد عقلاء الغرب حين قال: "هي عبارة عن غطاء جميل لحالة من البؤس والشقاء"، فالجاهلية اليوم تستعبد المرأة وتسترقها بأساليب مختلفة، وشعارات براقة، وإن شئت الحقيقة فاعكس تلك الكلمات والشعارات فذلك هو الواقع تمامًا.
فالمرأة التي تقع تحت الأضواء والاهتمامات الاعلامية هي الفتاة المرغوبة لشهوات الرجال، فقننوا لها ممارسة الجنس مقابل البقاء، وتطالعنا الأرقام الصادرة من مراكز الأبحاث عن أعداد من الفتيات اللاتي يتعرضن لتجارة الجنس (المصطلح المؤدب للدعارة)، والإجبار على الممارسة عبر شبكات من القوادين وسماسرة بيع الهوى، وقد كشفت عن هذه الجريمة المنظمات الحقوقية، ومراكز الأبحاث، ووسائل إعلام مختلفة، ولكن من غير أي فائدة، وتعد عمليات التهريب والاتجار بالجنس أحد أهم مصادر توفير العاملات -نساء وأطفالًا- من أجل متعة السياح، ووفقًا لريجان رالف، المدير التنفيذي لقسم حقوق النساء بمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإنه من المستحيل أن نحدد عدد من يتم خطفهم وتهريبهم، ولكن التقديرات تتراوح بين مئات الآلاف إلى الملايين من الضحايا سنويًا، منهم 100,000 طفل وامرأة يتم تهريبهم إلى الولايات المتحدة وحدها.
فهذه صورة من وجه الجاهلية المعاصرة عالية البؤس للمرأة، وصور الامتهان للمرأة كثيرة، فالتي لا تصلح لشهواتهم مطحونة بين رحى الأعمال الشاقة في المصانع والمستودعات الضخمة تعمل ساعات طويلة بعيدة عن البيت وعن صغارها لتكافح مطالب الحياة الأساسية، محملة للمرأة أثقال البيت كأم، وأثقال العمل كالرجل تمامًا، والرجل لم يعد قيمًا على زوجته وبناته؛ بل أصبح كل فرد مسؤولًا عن نفسه، وعن توفير احتياجاته، وهذا يعود إلى تعميق النزعة الفردية في النمط الغربي، وتعزيز الأنانية المفرطة في أسلوب الحياة المعاصرة لديهم، ويعملون على تنميط المجتمعات الأخرى بهذا النمط الموغل في البؤس، ويعتبرون ما سواه تخلفًا وتمييزًا ضد المرأة.
ومن هنا كانت الحاجة إلى تفكيك هذه المفاهيم الحديثة، ووزنها بميزان الوحي، حتى يتبين الحق من الباطل، والهدى من الضلال.
أولًا: الفرق بين الحقوق الشرعية والشعارات الفكرية:
المسلم يؤمن أن الحقوق ليست نتاج أهواء البشر ولا ثمرة توافقات المجتمعات المتقلبة، وإنما مصدرها الله تعالى الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
قال ابن كثير: يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه (تفسير ابن كثير (1/ 378).).
وليس لأحد من خلق الله أن يشرع غير ما شرعه الله وأذن به كائنًا من كان، فالله وحده هو الذي يشرع لعباده.. والحياة البشرية إن هي إلا ترس صغير في عجلة هذا الكون الكبير، فينبغي أن يحكمها تشريع يتمشى مع تلك النواميس، ولا يتحقق هذا إلا حين يشرع لها المحيط بتلك النواميس، وكل من عدا الله قاصر عن تلك الإحاطة بلا جدال، فلا يؤتمن على التشريع لحياة البشر مع ذلك القصور.
ومع وضوح هذه الحقيقة إلى حد البداهة فإن الكثيرين يجادلون فيها، أو لا يقتنعون بها، وهم يجرؤون على استمداد التشريع من غير ما شرع الله، زاعمين أنهم يختارون الخير لشعوبهم، ويوائمون بين ظروفهم والتشريع الذي ينشئونه من عند أنفسهم، كأنما هم أعلم من الله وأحكم من الله! أو كأنما لهم شركاء من دون الله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله! وليس أخيب من ذلك ولا أجرأ على الله! لقد شرع الله للبشرية ما يعلم سبحانه، أنه يتناسق مع طبيعتها وفطرتها وطبيعة الكون الذي تعيش فيه وفطرته (في ظلال القرآن (5/ 3152).).
يقول الشنقيطي: إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم.
ويقول أيضًا: وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]، {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)} [النحل: 116 - 118] (أضواء البيان (3/ 259- 260).).
فالحقوق في الإسلام حقوق ثابتة مستقرة، لا تتغير بتغير الموضات الفكرية ولا الضغوط الإعلامية، بخلاف كثير من الشعارات الحديثة التي تتبدل مع الزمن وتختلف من مجتمع إلى آخر.
ولهذا فإن المسلم لا يسأل: ماذا يريد الناس؟ بل يسأل: ماذا أراد الله؟ لأن العدل الحقيقي هو ما شرعه الله، لا ما تهواه النفوس.
ثانيًا: وهم الصراع بين الرجل والمرأة:
من أبرز المفاهيم الحديثة تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة على أنها علاقة صراع وتنافس، وأن المرأة لا تنال حقوقها إلا بمنازعة الرجل وانتزاع سلطته.
وهذا التصور يصادم الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ويهدم الأساس الذي قامت عليه الأسرة في الإسلام، فالرجل والمرأة ليسا خصمين في معركة، ولا متنافسين على السيادة والهيمنة، وإنما هما شريكان في عمارة الحياة، يتكامل كل منهما مع الآخر، ويؤدي وظيفة لا يستغني عنها المجتمع.
فالإسلام لا ينظر إلى الرجل والمرأة كخصمين متواجهين، وإنما كشريكين متكاملين، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].
وقد عبَّر القرآن عن هذه العلاقة بأبلغ تعبير حين قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]، فاللباس سترٌ وزينةٌ ودفءٌ وحماية، لا خصومة فيه ولا صراع.
فالعلاقة بين الزوجين تجعل الزوجة كأنها لباس لزوجها تستره، وتمس جسمه وتكون منه بمنزلة الشعار والدثار، وهو لها كأنه لباس يسترها، ويكون منها بمنزلة الشعار والدثار يلامس جسمها جسمه، فتكون المشاعر التي تثير وتهيج.
وإن هذا اللفظ يدل على الحاجة الحسية من الرجل لامرأته، ومن المرأة لزوجها، والحاجة النفسية والرباط الروحي الذي يربط بينهم بالمودة والرحمة، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (زهرة التفاسير (2/ 565).).
فهي صلة النفس بالنفس، وهي صلة السكن والقرار، وهي صلة المودة والرحمة، وهي صلة الستر والتجمل، وإن الإنسان ليحس في الألفاظ ذاتها حنوًا ورفقًا، ويستروح من خلالها نداوة وظلًا، وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق، ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها، بما فيها امتداد الحياة بالنسل، فيمنح هذه الأغراض كلها طابع النظافة والبراءة، ويعترف بطهارتها وجديتها، وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها (في ظلال القرآن (6/ 3595).).
وإن تحويل البيوت إلى ساحات مواجهة، وبث مشاعر الشك والعداء بين الزوجين، وإقناع المرأة بأن الرجل عدوها الطبيعي، أو إقناع الرجل بأن المرأة خصمه الدائم، إنما هو طريق إلى تفكك الأسر، وضياع الأبناء، وانهيار الاستقرار الاجتماعي.
أما الإسلام فقد أقام العلاقة بينهما على المودة والرحمة والتعاون، وجعل نجاح أحدهما نجاحًا للآخر، وسعادة أحدهما مرتبطة بسعادة شريكه، ليبقى المجتمع متماسكًا قويًّا، تسوده المحبة بدل الصراع، والتكامل بدل التنازع.
ثالثًا: الخلط بين المساواة والعدل:
ومن أكثر المفاهيم انتشارًا جعل المساواة المطلقة هي المعيار الأعلى للحقوق، والحق أن الإسلام جاء بالعدل لا بالمساواة المطلقة، فالعدل يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه بحسب طبيعته ووظيفته ومسؤوليته، أما المساواة المطلقة فقد تكون ظلمًا في كثير من الأحوال.
خلق الله الناس ذكرًا وأنثى.. زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء هذا الكون.. وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل.. وهي وظائف ضخمة أولًا وخطيرة ثانيًا، وليست هينة ولا يسيرة، بحيث تؤدى بدون إعداد عضوي ونفسي وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى! فكان عدلًا كذلك أن ينوط بالشطر الثاني- الرجل- توفير الحاجات الضرورية. وتوفير الحماية كذلك للأنثى كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل، ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد، وكان عدلًا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه، وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك (في ظلال القرآن (2/ 650).).
فليس من العدل أن نساوي بين المختلفين في كل شيء، كما أنه ليس من الظلم أن تختلف الأحكام مع اختلاف التكاليف والواجبات.
ولهذا جعل الإسلام النفقة على الرجل، وأوجب عليه المهر، وكلفه بالقيام على الأسرة، ثم رتب بعض الأحكام المناسبة لهذه المسؤوليات.
فالعدل أوسع وأعمق من مجرد المساواة الشكلية.
رابعًا: الحرية بين المفهوم الشرعي والمفهوم المعاصر:
الإسلام ينص على تكريم الإنسان على سائر الخلق، وتفضيله بالعقل وسجود الملائكة له، وإنزال الكتب وإرسال الرسل، وتخييره بين الإيمان والكفر، مع تحمل مسئولية ما يترتب على مشيئته من إيمان أو كفر ونتائج ذلك من ثواب أو عقاب، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر} [الكهف: 29].
ومن هنا يحرم على الإنسان أن يعرض كرامته لأي نوع من أنواع المذلة والامتهان والاسترقاق والعبودية لغير الله تبارك وتعالى.
فهذا التكريم الإلهي للإنسان جاء تمهيدًا للمهمة التي نيطت بعهدته وهي الخلافة كما قال تعالي: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30].
وهذه الخلافة المهمة الوجودية للإنسان – تعني استخلاف الله الإنسان لتنفيذ مراده في الأرض، وإجراء أحكامه فيها، وهذا معناه أن يكون الإنسان سلطانًا في الكون ليباشر تلك المهمة والغاية الوجودية علي الوجه الأكمل عبر التفاعل مع الكون اعتبارًا وتعميرًا في خط العبودية لله تعالي.
والحرية في التصور الغربي، والتي يتأثر بها بعض المفكرين المعاصرين، تحمل في طياتها كثيرًا من التناقضات، فبينما ينادون بالمساواة بين الأجناس والألوان والاندماج التام لجميع طوائف المجتمع تجدهم يسيئون معاملة الأقليات الدينية والملونين من أبناء الغرب، فلا تزال النظرة العنصرية سائدة في الغرب إزاء السود أو الآسيويين أو العرب، فضلًا عن التضييق على المسلمين على وجه الخصوص في ممارسة شعائرهم، والتضييقات الأمنية التي تحد من حريتهم في الذهاب والمجيء والسفر والأعمال، لذا فالحرية في الغرب حرية مغلوطة زائفة، تتوافق مع ما يحقق مصالح الطغمة الحاكمة دون نظر إلى حقوق الأقليات أو كرامتهم.
أما الحرية في الإسلام فهي محدودة بحدود الشريعة، تؤطرها وتسيِّجها بما يتوافق مع الطبيعة الإنسانية التي لا تطيق الحرية المطلقة ولا تطيق الكبت وقهر الحريات، فهي وسط بين نقيضين، وكذلك هو الإسلام وسط بين طرفين مذمومين، فإن الحرية الإسلامية بمعناها السليم تكرِّس للعبودية لله تعالى وحده وترفع الإنسان عن العبودية لكل ما سواه.
كثير من الخطابات الحديثة تجعل الحرية المطلقة غاية الغايات، بحيث يكون للإنسان الحق في فعل ما يشاء ما دام يرغب فيه، أما الإسلام فيقرر أن الحرية الحقيقية هي التحرر من عبودية الهوى والشهوة والخضوع لله وحده، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23]، فالإنسان قد يظن نفسه حرًّا وهو أسير شهواته ورغباته، ولهذا لم يجعل الإسلام الحرية منفصلة عن الأخلاق، ولا الحقوق منفصلة عن الواجبات، ولا الرغبات منفصلة عن المصالح العامة.
خامسًا: تصوير الأحكام الشرعية على أنها انتقاص للمرأة:
ومن الشبهات المتكررة في الخطاب المعاصر تصوير بعض الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة على أنها انتقاص من قدرها أو تقليل من شأنها، مع أن هذا التصوير ينشأ غالبًا من النظر إلى الأحكام الشرعية نظرةً مجتزأةً بعيدةً عن مقاصدها وسياقها الكامل.
ولو تأمل المنصف أحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة لرأى أنها قامت على صيانة كرامتها، وحفظ أنوثتها، ورعاية مصالحها، وحمايتها من الظلم والاستغلال، ولذلك فإن المشكلة ليست في الأحكام الشرعية ذاتها، وإنما في قراءة هذه الأحكام بعينٍ متأثرةٍ بمعايير ثقافية وافدة جعلت المساواة المطلقة هي المقياس الوحيد للعدل، بينما يقرر الإسلام أن العدل أوسع وأعمق من مجرد التشابه في الأحكام، وأن الحكمة الإلهية أدرى بما يصلح الرجال والنساء في الدنيا والآخرة.
وكم من حكم يُنتقد اليوم بدعوى الظلم، ولو نظر إليه في سياقه الشرعي الكامل لظهر وجه الحكمة والعدل فيه.
فمن ذلك أحكام الميراث، حيث يُشاع أن الإسلام ظلم المرأة لأنه جعل للرجل في بعض الحالات مثل حظ الأنثيين، مع إغفال أن الرجل مُكلَّف شرعًا بالنفقة على زوجته وأولاده وأحيانًا على أقاربه، بينما مال المرأة حق خالص لها لا تُلزم بالإنفاق منه على أحد، كما أن المرأة في بعض مسائل الميراث ترث مثل الرجل، وفي بعضها ترث أكثر منه، وفي بعضها ترث بينما لا يرث الرجل أصلًا.
ومن الأمثلة كذلك القِوامة، إذ يصورها البعض على أنها تسلط واستبداد للرجل بالمرأة، بينما حقيقتها في الإسلام مسؤولية وتكليف قبل أن تكون تشريفًا، فهي تعني القيام على شؤون الأسرة ورعايتها والإنفاق عليها وحمايتها، وليست رخصة للظلم أو الإهانة.
ومن ذلك أيضًا الحجاب، الذي يُقدَّم أحيانًا على أنه قيدٌ على حرية المرأة، مع أن الشريعة جعلته وسيلةً لصيانة الكرامة وحفظ العفة وإبعاد المرأة عن أن تكون محل استغلال أو ابتذال، كما شرعت للرجل بدورها غض البصر وحفظ الفرج.
سادسًا: بين التكريم والاستغلال:
ومن المفارقات المؤلمة في الخطاب المعاصر أن بعض الجهات ترفع شعار "تحرير المرأة" و"الدفاع عن حقوقها"، بينما تمارس في الواقع صورًا متعددة من استغلالها والانتفاع بها. فقد تحولت المرأة في كثير من البيئات إلى وسيلة دعائية تُستثمر صورتها وجسدها في التسويق والإعلانات وجذب المستهلكين، حتى أصبحت قيمتها عند بعض الناس مرتبطة بمظهرها الخارجي وقدرتها على لفت الأنظار، لا بعقلها أو أخلاقها أو إنجازاتها. وهذا في حقيقته لون من ألوان الامتهان وإن غُلِّف بشعارات الحرية والتحرر.
أما الإسلام فقد نظر إلى المرأة نظرة تكريم واحترام، فجعل كرامتها نابعة من إنسانيتها وإيمانها وتقواها، لا من شكلها أو جاذبيتها، فصان عرضها، وحفظ حقوقها، وأمر باحترامها في جميع مراحل حياتها؛ بنتًا تُربَّى وتُكرم، وزوجةً تُعاشر بالمعروف، وأمًّا يُعظَّم حقها ويُقدَّم برُّها، وجعل معيار التفاضل هو الإيمان والتقوى والأخلاق، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وهكذا يظهر الفرق الجلي بين منهج يجعل المرأة إنسانةً مكرمةً لها حقوقها ومكانتها، ومنهجٍ قد يرفع راية الدفاع عنها بينما يحولها إلى سلعة تُستغل لتحقيق المكاسب المادية أو الإعلامية.
سابعًا: المرأة في ميزان الإسلام:
إذا أراد الإنسان أن يعرف مكانة المرأة في الإسلام، فعليه أن ينظر إليها في ضوء القرآن والسنة لا في ضوء الدعايات والشعارات، فالمرأة في ميزان الإسلام مخلوق مكرم، شقيقة الرجل في الإنسانية والتكليف والجزاء، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97].
ومع أن لفظ «من» حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل: «من ذكر أو أنثى» لزيادة تقرير هذه الحقيقة؛ وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى، وضيق المجتمع بها، واستياء من يبشر بمولدها، وتواريه من القوم حزنًا وغمًا وخجلًا وعارًا! وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها، قاعدة الإيمان بالله «وهو مؤمن» فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء، وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته، إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف (في ظلال القرآن (4/ 2193).).
وقد أحاطتها الشريعة بالتكريم في جميع مراحل حياتها؛ فهي بنتٌ يُرغَّب في الإحسان إليها، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تربية البنات والإحسان إليهن سببًا لدخول الجنة، وهي زوجةٌ أمر الله بمعاشرتها بالمعروف وجعل العلاقة معها قائمة على المودة والرحمة، وهي أمٌّ رفع الإسلام منزلتها حتى جعل برَّها من أعظم القربات، وقدَّم حقها على حق الأب في مواضع كثيرة، وهي أختٌ وقريبةٌ لها من الحقوق ما يصون مكانتها ويحفظ كرامتها.
ولم يقتصر تكريم الإسلام للمرأة على الجانب المعنوي؛ بل منحها حقوقًا مالية واجتماعية وقانونية لم تكن تعرفها أمم كثيرة عبر التاريخ؛ فأثبت لها حق التملك، والإرث، والمهر، والتصرف في مالها، وحفظ لها شخصيتها المستقلة، كما راعى طبيعتها وفطرتها فيما شرعه لها من أحكام، فكان ذلك من تمام العدل والرحمة لا من باب الانتقاص أو التمييز.
ومن تأمل أحكام الشريعة وجد أن المرأة في الإسلام ليست مهملةً ولا مستضعفةً؛ بل هي ركن أصيل في بناء الأسرة والمجتمع، وشريك في صناعة الأجيال وتربية الأمم، ولذلك كان صلاحها صلاحًا للأمة كلها، وفسادها فسادًا ينعكس أثره على المجتمع بأسره.
ومن هنا يتبين أن الإسلام لم ينظر إلى المرأة باعتبارها قضيةً أو ملفًّا حقوقيًّا فحسب، وإنما نظر إليها باعتبارها إنسانًا مكرمًا له رسالة ومكانة وحقوق وواجبات، في إطار من العدل والحكمة والرحمة.
لقد جاءت الشريعة بتكريم المرأة منذ اللحظة الأولى لوجودها.
- فهي بنت تُحسن تربيتها فيكون ذلك سببًا لدخول الجنة.
- وهي أم جعل الله برها مقدمًا على كثير من الحقوق.
- وهي زوجة جعل الله العلاقة معها قائمة على المودة والرحمة.
- وهي أخت وقريبة لها من الحقوق ما يحفظ مكانتها ويصون كرامتها.
ولم تعرف البشرية نظامًا رفع شأن المرأة كما رفعه الإسلام حين كانت أمم كثيرة تنظر إليها نظرة الاحتقار والامتهان.
ثامنًا: الحاجة إلى خطاب متوازن:
ومن أهم ما تحتاجه قضية المرأة اليوم خطابٌ متوازنٌ يقوم على العدل والإنصاف، بعيدًا عن الإفراط والتفريط، فلا يذوب أمام الضغوط الفكرية والثقافية حتى يتنازل عن ثوابت الشريعة، ولا يتجاهل في الوقت نفسه ما قد تتعرض له بعض النساء من ظلم أو تعدٍّ على حقوقهن، فليس من العدل أن تُحمَّل الشريعة أخطاء بعض المنتسبين إليها، كما ليس من الإنصاف أن تُبرَّر الممارسات الخاطئة باسم العادات أو الأعراف أو التقاليد.
إن المرأة قد تتعرض في بعض المجتمعات للحرمان من بعض حقوقها الشرعية، أو لسوء المعاملة، أو للتضييق الذي لم يأذن به الله، وهذه الممارسات يجب أن تُدان وتُصحح وفق ميزان الشرع لا وفق الأهواء.
والخطاب المتوازن هو الذي يفرق بين الدين وتطبيقات الناس، وبين النصوص الشرعية والأخطاء البشرية، ويُعلي من قيمة العدل الذي أمر الله به للجميع. كما أنه خطاب يربي على الاحترام المتبادل بين الرجل والمرأة، ويعزز روح التكامل والتعاون بدل إثارة الصراع والخصومة، ويؤكد أن حفظ الأسرة واستقرار المجتمع لا يكون بإلغاء الفوارق الفطرية بين الجنسين، ولا بتغليب طرف على آخر، وإنما بإعطاء كل ذي حق حقه.
وبهذا المنهج المعتدل يمكن معالجة المشكلات الواقعية، والدفاع عن حقوق المرأة المشروعة، مع الحفاظ على أحكام الإسلام ومقاصده، ليبقى المجتمع قائمًا على الرحمة والعدل والتوازن الذي أراده الله تعالى لعباده.
خاتمة
إن قضية المرأة ليست قضية شعارات ترفع، ولا معارك فكرية تخاض، وإنما هي قضية عدل وكرامة وإنسانية، والمسلم يوقن أن الشريعة التي أنزلها الله هي أكمل الشرائع وأعدلها وأرحمها بالعباد، رجالًا ونساءً.
فواجب الأمة أن تنظر إلى قضايا المرأة بعين الوحي لا بعين التقليد الأعمى، وأن تزن الأفكار والمفاهيم بميزان الكتاب والسنة، فما وافقهما قُبل، وما خالفهما رُدَّ، مهما كان بريقه الإعلامي أو زخرفه الفكري.
