الولاية الشرعية للرجل على المرأة

ليست الولاية الشرعية في الإسلام قضيةَ صراعٍ بين رجلٍ وامرأة، ولا معركةَ نفوذٍ بين جنسَين؛ بل هي نظامُ تكاملٍ ربانيٍّ، قِوامُه العدلُ، وروحُه الرحمة، وغايتُه حفظُ الدين والنفس والأسرة والمجتمع، وقد أسيء فهم هذا المفهوم في عصرٍ ارتفعت فيه أصواتٌ تُلبس التغريبَ ثوبَ الحقوق، وتُسوِّق التمرُّدَ على الفطرة باسم التحرير، حتى غدا من الواجب بيانُ الحق بدليلِه، وإظهارُ جمال الشريعة بحِكمتها.
مفهوم الولاية في ميزان الشريعة
الولاية في أصلها الشرعي ليست تسلُّطًا ولا استبدادًا، وإنما قيامٌ بالرعاية والمسؤولية، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
والقِوامة هنا قيامٌ على شؤون المرأة بالإنفاق والحماية والتوجيه، قال ابن كثير: أي: الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت (1)، وهذا التأديب في مفهومه الشرعي إصلاحٌ لا إهانة.
وقد خلق الله الناس ذكرًا وأنثى، زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء هذا الكون، وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل، وهي وظائف ضخمة أولًا وخطيرة ثانيًا، وليست هينة ولا يسيرة، بحيث تؤدى بدون إعداد عضوي ونفسي وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى! فكان عدلًا كذلك أن ينوط بالشطر الثاني- الرجل- توفير الحاجات الضرورية، وتوفير الحماية كذلك للأنثى كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل، ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد! وكان عدلًا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه، وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك (2).
الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولا بد لكل اجتماع من رئيس; لأن المجتمعين لا بد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يرجع إلى رأيه في الخلاف; لئلا يعمل كل على ضد الآخر فتنفصم عروة الوحدة الجامعة، ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان هو المطالب شرعًا بحماية المرأة والنفقة عليها، وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف فإن نشزت عن طاعته كان له تأديبها بالوعظ والهجر والضرب غير المبرح- إن تعين- تأديبًا، يجوز ذلك لرئيس البيت لأجل مصلحة العشيرة وحسن العشرة، كما يجوز مثله لقائد الجيش ولرئيس الأمة (الخليفة أو السلطان) لأجل مصلحة الجماعة، وأما الاعتداء على النساء لأجل التحكم أو التشفي أو شفاء الغيظ فهو من الظلم الذي لا يجوز بحال (3).
الولاية تكليفٌ قبل أن تكون تشريفًا
جعل الإسلامُ الولايةَ تكليفًا ثقيلًا، حمَّل الرجلَ أعباءَ النفقة، والسكنى، والحماية، وتحمل التبعات، قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته» (4).
فالرجلُ راعٍ في أهل بيته، ومسؤوليته يوم القيامة أعظم من أي امتيازٍ موهوم، ومن ثمّ فإن إساءة استعمال الولاية جريمةٌ شرعية، لا تُنسب إلى الإسلام؛ بل إلى الانحراف عنه.
والولاية لا تُلغي شخصية المرأة؛ بل تحميها من أن تكون سلعةً في سوق الشهوات، أو ضحيةَ استغلالٍ اقتصاديٍّ وإعلاميٍّ يرفع شعار الحرية ليحصد الأرباح.
ومن يتأمل في النصوص الشرعية يجد أن الإسلام قد منح المرأة شخصيةً مستقلة في البيع والشراء، وفي التملك والإرث، وفي التعبير عن رأيها، بل جعلها شريكة في بناء المجتمع، غير أن الولاية جاءت لتكون سياجًا يحمي هذه الشخصية من أن تُستغل في مواطن الضعف أو تُستدرج إلى مواطن الفتنة، فهي ليست وصاية تُلغي عقلها أو قرارها، وإنما هي ضمانة اجتماعية وأخلاقية تحفظ كرامتها الإنسانية، وتمنع تحويلها إلى سلعةٍ تُعرض في الأسواق أو أداةٍ للترويج والإغراء.
بهذا المعنى، تتحقق الموازنة بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية، حيث تُصان المرأة من الانحدار إلى أنماط الاستغلال، وتُحفظ لها مكانتها كإنسانٍ كامل الحقوق والواجبات، يُنظر إليه بعين الاحترام لا بعين الشهوة.
قال صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا» (5)، هذا التوجيه النبوي يربط الولاية بالرحمة والرفق، لا بالقهر أو الاستغلال، فالولاية هنا حماية للمرأة من أن تُعامل كسلعة أو أداة للشهوة؛ بل تُعامل كإنسان له مكانة وحقوق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (6).
أنواع الولاية وأحكامها:
الولاية الشرعية للرجل على المرأة تنحصر أساسًا في ولاية التزويج (لا تزوج المرأة نفسها، بل لا بد لها من ولي)، والولاية الزوجية التأديبية (موعظة وهجر وضرب غير مبرح عند النشوز)، بينما ليس للرجل ولاية على مال المرأة البالغة الرشيدة، ولها ذمة مالية مستقلة، أما سفرها فيحتاج لمحرم أو زوج لضمان أمنها وحمايتها.
ولاية التزويج:
لا تزوج المرأة البالغة الرشيدة نفسها عند الجمهور؛ بل لا بد لها من ولي ليعقد النكاح لها (أب، جد، أخ، عم، إلخ)، عن أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بولي» (7).
هذه الولاية هدفها حفظها وصيانتها وتزويجها بمن هو كفء، مع مراعاة رضاها، فالولي لا يزوجها إلا برضاها وأمرها، فإن زوجها فالنكاح مفسوخ على حديث خنساء بنت خذام، حيث زوجها أبوها وهي ثيب فكرهت ذلك، فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحه (8).
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، يستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: «نعم» قلت: فإن البكر تستأمر فتستحيي فتسكت؟ قال: «سكاتها إذنها» (9).
ولها في نفسها في النكاح حقًا ولوليها حقًا وحقها آكد من حقه; فإنه لو أراد تزويجها كفؤًا وامتنعت لم تجبر; ولو أرادت أن تتزوج كفؤًا وامتنع الولي أجبر ولو أصر زوجها القاضي (10).
الولاية الزوجية التأديبية:
قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، والآية رتّبت المراحل ترتيبًا بديعًا:
- الوعظ: بالكلمة الطيبة:
الوعظُ هو البوابة الأولى للإصلاح، وهو أكرمُ وسائل التأديب وأرفعها شأنًا، به تبدأ الولاية الزوجية، وبه يُقاس رُشدُ الزوج وحكمته، قبل أن يُنظر في غيره من الوسائل، فالوعظ في حال النشوز ليس خطبةَ تعالٍ، ولا خطابَ تهديد؛ بل هو نداءُ أمانةٍ صادرٌ عن قوامةٍ راشدة، يستحضر فيه الزوج أنه مؤتمنٌ على قلب زوجته قبل سلوكها، وعلى دينها قبل طاعتها، وقد قدّم الله الوعظ في آية النشوز تقديمَ المقاصد على الوسائل، فقال سبحانه: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ}، فجعل الوعظ أولَ العلاج، لأنه يخاطب الفطرة، ويوقظ الضمير، ويُرمّم ما تصدّع في ميزان التقوى قبل أن يتفاقم الخلل في ميزان العِشرة.
والوعظُ الشرعيُّ الذي تمارسه الولاية الزوجية ليس كلامًا عابرًا؛ بل منهجٌ تربويٌّ متكامل، يقوم على التذكير بالله، واستحضار الميثاق الغليظ، وربط السلوك اليومي برقابة السماء، لا بسطوة الزوج. يذكّرها بحق الله قبل حق الزوج، وبحرمة العصيان قبل ألم الخلاف، وبأن النشوز ليس مجرّد تمرّدٍ أسري؛ بل اختلالٌ في ميزان العبودية، قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} [النساء: 34]، فالزوج في وعظه لا يقول: أنا آمرك، بل يقول بلسان الحال قبل المقال: الله يأمرك، وأنا أذكّرك.
ومن فقه الوعظ أن يكون بلسان الرحمة لا بحدّة الغضب، وبحكمة التوقيت لا بانفجار اللحظة، فإن الكلمة إذا خرجت في ساعة انفعال أفسدت أكثر مما أصلحت، وإذا قيلت في مقام سكينةٍ واستحضارٍ للمقاصد نفذت إلى القلب ولو كانت موجعة، والزوج الراشد يعلم أن المرأة في حال النشوز لا تحتاج إلى كسرٍ نفسي؛ بل إلى إعادة توجيه، وأن الوعظ الناجح هو الذي يُشعرها بأنها شريكة في بناء البيت لا خصمٌ فيه، وأن رجوعها للطاعة رجوعٌ إلى كرامتها لا انتقاصٌ منها.
كما أن الوعظ الحقّ لا يُجتزأ من سياقه، فلا يكون تذكيرًا بالحقوق مع نسيان الواجبات، ولا مطالبةً بالطاعة مع تقصيرٍ في النفقة أو الإحسان أو العدل، فالولاية الزوجية في الوعظ ولايةُ قدوةٍ قبل أن تكون ولايةَ أمر، ومن وعظ ولم يُصلح نفسه كان كمن يدعو إلى البناء وهو يهدم الأساس، ولذلك كان من تمام الوعظ أن يسبقَه محاسبةُ الزوج لنفسه: هل أدّى حقّ القوامة؟ هل أحسن العشرة؟ هل عدل في القول والفعل؟ فإن القلوب لا تستجيب لواعظٍ يناقض فعله قوله.
والوعظ في حال النشوز ليس تكرارًا أجوف، ولا تهديدًا مستترًا بمراتب لاحقة؛ بل هو فرصةٌ صادقة للإصلاح، يُعطى حقَّه من الصبر والتدرّج، ويُكرَّر بأساليب متنوعة، مرةً بالتذكير بالعِشرة، ومرةً باستحضار الأبناء إن وُجدوا، ومرةً بذكر العواقب الدنيوية والأخروية، دون تشهيرٍ أو إهانة، فإذا استقام الوعظ وأدّى ثمرته، فقد تحقّقت حكمة الشريعة، وسقط ما بعده، لأن المقصود ليس الانتقال بين المراحل، بل إيقاف النزيف عند أول دواء.
وهكذا يظهر أن الوعظ في الولاية الزوجية ليس ضعفًا ولا تراجعًا؛ بل ذروة القوة العاقلة، وأن الزوج الذي يبدأ به إنما يعلن التزامه بمنهج النبوة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه» (11)، فمن استقام وعظه، فقد استقام سلطانه، ومن أحسن الكلمة، فقد أغنى عن القسوة، وبقيت البيوت عامرةً بما أراده الله لها: سكنًا، ومودةً، ورحمة.
- الهجر في المضجع:
الهجرُ في المضجع وسيلةٌ تأديبيةٌ نفسيةٌ رفيعة المقصد، شرعها الإسلام حين لا يُجدي الوعظ وحده، فجعلها المرحلةَ الثانية في علاج النشوز، لا لإذلال المرأة ولا لكسر كرامتها؛ بل لإيقاظ الشعور، وإشعار القلب بثِقَل الخطأ دون أن تُراق كرامةٌ أو تُستباح حرمة، قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ}، فقيّد الهجر بالمضجع، ليبقى الخلاف داخل أضيق دائرة، بعيدًا عن التشهير، وحفظًا لستر البيوت، لأن الشريعة لا تُصلح بالفضيحة، ولا تعالج الانحراف بهدم الخصوصية.
والهجر في المضجع ليس قطيعةً شاملة، ولا عقوبةً انتقامية، بل لغة صامتة تحمل من الرسائل ما لا تحمله الكلمات؛ إذ تشعر المرأة بأن خلل السلوك قد أصاب صميم العلاقة الزوجية، وأن المودّة لا تُستدام مع الإصرار على النشوز، وهو هجرٌ مؤقّت، منضبطٌ بالنية والغاية، لا يطول حتى يتحوّل إلى قسوة، ولا يُمارس في غضبٍ أعمى، بل في وعيٍ يبتغي الإصلاح، ويستحضر أن المقصود إعادة التوازن لا تعميق الجراح.
ومن فقه هذه المرحلة أن تبقى المعاشرة بالمعروف قائمة في سائر شؤون الحياة؛ فلا سبّ ولا إهانة، ولا حرمان من نفقة أو حقوق، لأن الهجر المأذون به شرعًا إنما هو في موضعٍ واحد، لا في الأخلاق كلّها، فإذا تحقّق المقصود ورجعت المرأة إلى الطاعة، وجب رفع الهجر فورًا، إذ لا يجوز تحويل الدواء إلى داء، ولا الاستمرار في وسيلةٍ بعد زوال علتها.
وبهذا يتبيّن أن الهجر في المضجع تشريعٌ رحيم، يوازن بين حفظ هيبة القوامة وصيانة كرامة المرأة، ويُثبت أن الإسلام يعالج الخلاف الأسري بأدواتٍ نفسيةٍ حكيمة، قبل أن يفتح أبوابًا أشدّ وقعًا، فمن أحسن استعماله، كان له أثر الإصلاح، ومن أساء فهمه أو أطال أمده، انقلب عليه ظلمًا وجفاءً، والشريعة بريئة من ذلك.
- الضرب غير المبرّح:
الضرب غيرُ المبرِّح في الشريعة الإسلامية ليس إذنًا بالعنف، ولا تشريعًا للإيذاء؛ بل هو آخرُ المراحل وأضيقُها نطاقًا، شُرع على سبيل الاستثناء العلاجي لا القاعدة السلوكية، وبعد أن تُستنفد وسائل الإصلاح الأرقى: الوعظُ والهجرُ في المضجع. وقد جاء ذكره في سياقٍ منضبطٍ شديد القيود، قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 36]، فدلّ ترتيبُ الآية على أن المقصود ردعُ النشوز لا كسرُ الإنسانة، وأنه علاجٌ اضطراريٌّ حين يفشل الخطابُ والكفُّ النفسي في إعادة التوازن الأسري.
وقد قيّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر تقييدًا يقطع الطريق على المتسلّطين، فقال: «فاضربوهن ضربًا غير مبرّح» (12)، وبيّن أهل العلم أن غير المبرّح هو الذي لا يكسر عظمًا، ولا يُحدث جرحًا، ولا يترك أثرًا، ولا يقع على الوجه، ولا يكون مُهينًا؛ فهو ضربٌ خفيفٌ يُقصد به الزجر لا الإيذاء، فمتى تحوّل إلى ألمٍ، أو انتقامٍ، أو إفراغ غضب، خرج من دائرة الشرع إلى دائرة الظلم، وكان حرامًا يأثم فاعله.
والأهم من ذلك أن النية والمقصد شرطٌ في مشروعيته؛ فلا يُستعمل في حال الغضب، ولا يُلجأ إليه مع علم الزوج أنه يزيد الفجوة، ولا يجوز إن ترتّب عليه ضررٌ جسدي أو نفسي، لأن القاعدة الكلية المحكمة تقول: لا ضرر ولا ضرار؛ بل إن كثيرًا من الفقهاء نصّوا على أن تركه أولى، وأنه قد يُمنع في حقّ من عُرف بسوء الاستعمال أو ضعف الحكمة، لأن الأحكام تُناط بمقاصدها ومآلاتها.
ولم يكن هذا المسلك هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم العملي، فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، لا امرأة ولا خادمًا (13)، فكان فعله صلى الله عليه وسلم تفسيرًا عمليًا لكون هذا الحكم رخصةً ضيّقة لا مسلكَ فُضْل، وأن الأكمل في الرجولة والقوامة هو ضبط النفس، وقوة الخُلُق، وحسن السياسة، لا اللجوء إلى ما لا يُستعمل إلا عند الضرورة القصوى.
وبهذا يتبيّن أن الضرب غير المبرّح في الإسلام تشريعٌ محاصرٌ بالقيود، محاطٌ بالتحذير، محدودُ الأثر، عظيمُ المسؤولية، وأن من جعله أصلًا في المعاملة فقد جهل الشريعة، ومن أنكره مطلقًا فقد عارض النص، والحقّ أن يُفهم كما أراده الله: دواءً أخيرًا نادر الاستعمال، إن استُعمل بغير ضوابط انقلب إلى جريمة، وإن تُرك إلى ما هو أصلح كان ذلك أقرب لهدي النبوة ومقاصد الشريعة.
وقد قيّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فقال: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم» (14).
هذا الحديث النبوي الجليل يضع حدًّا فاصلًا بين التأديب الشرعي والوحشية الجاهلية، ويكشف ببلاغةٍ نبويةٍ عميقة تناقض السلوك الذي يجمع بين القسوة المفرطة وطلب المودّة بعد الإهانة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقرّر حكمًا فقهيًا مجردًا فحسب؛ بل يوقظ الضمير الإنساني، ويستنكر هذا الانفصام الأخلاقي الذي يهدم معنى الزواج من أساسه؛ إذ كيف يُتصوَّر أن تُضرب المرأة ضربًا مُهينًا كضرب العبيد، ثم يُطلب منها بعد ساعات أن تعود سكنًا ومودّةً وقربًا؟
فالحديث ذمٌّ صريح للضرب العنيف، وإنكارٌ على من يُفرغ غضبه في جسد زوجته، ثم يتعامل معها وكأن شيئًا لم يكن، وهو دليلٌ بيّن على أن ما أُبيح في الشريعة –على فرض الحاجة إليه– ليس إيلامًا ولا انتقامًا؛ بل زجرٌ منضبط لا يهدم الكرامة ولا يقتل الألفة، ولذلك شبّه النبي صلى الله عليه وسلم هذا السلوك بضرب العبد، ليُشعر بقبحه، لأن الإسلام جاء ليحرّر الإنسان لا ليُعيد أنماط الاستعباد داخل البيوت.
كما يدل الحديث على فقهٍ دقيق في علم النفس الأسري؛ فالعلاقة الزوجية لا تقوم على الجسد وحده، بل على المودّة والقبول والطمأنينة، وهذه لا تُنتزع بالقوة، ولا تُستعاد بعد الإهانة بسهولة، فمن أساء، ثم طلب القرب، فقد جمع بين ظلمٍ وطلبِ حقٍّ لا يُنال مع الظلم، ولهذا كان هذا الحديث قرينةً قوية على أن الضرب غير المبرّح –إن ذُكر في النص– محاطٌ بالتحذير، مقيَّدٌ بالتقليل، بل مُنفَّرٌ منه عمليًا.
وفي الحديث كذلك تربيةٌ للرجولة؛ فالرجُل في ميزان النبوة ليس من يملك يده، بل من يملك نفسه، وليس من يقهر، بل من يُصلح. ومن جمع بين الشدة المفرطة وادّعاء القوامة فقد خان معناها، لأن القوامة رعاية، لا إذلال، وسياسة، لا بطش.
وهكذا يُغلق هذا الحديث الباب على كل متذرّعٍ بالنصوص لتبرير العنف، ويُعلن بوضوح: أن الإيذاء ليس من الإسلام، وأن البيوت لا تُبنى بالسياط، بل بالحكمة والعدل والرحمة.
عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم» (15).
قولُه صلى الله عليه وسلم: «ليس أولئك بخياركم» كلمةٌ نبويةٌ موجزة، لكنها قاصمةٌ لأوهام التسلّط، فاصلةٌ بين الرجولة الموهومة والخيرية الحقة، إذ ينزع بها النبي صلى الله عليه وسلم صفةَ الفضل والاختيار عمّن يُسيء إلى أهله، ولو لبس ثوب القوامة، أو تشدّق بالنصوص، فالخيرية في ميزان النبوة لا تُقاس بالقوة الجسدية، ولا بسطوة الأمر، ولا بقدرة القهر، وإنما تُوزن بحسن الخلق، وضبط النفس، وصيانة الضعيف، وأقرب الناس إلى الرجل أحقهم بإحسانه.
وهذه الجملة جاءت في سياق إنكار ضرب النساء، فكانت حكمًا أخلاقيًا قاطعًا: أن من يغلظ على زوجته، ويؤذيها، ويجعل بيته ساحةَ تفريغٍ لغضبه، قد سقط من مرتبة الأخيار، مهما استقام ظاهره، لأن الخيرية لا تتجزأ، ومن فشل في أخصّ أبواب الأمانة –وهو باب الأسرة– فلا يُنتظر منه فضلٌ في غيره، وفي هذا قلبٌ للموازين الجاهلية التي كانت ترى القسوة بأسًا، والشدة فحولة، فجاء الإسلام ليعلن أن الرفق قوة، والحلم سيادة، والرحمة معيار التفاضل.
كما تحمل العبارة دلالةً تربويةً عميقة: أن القوامة ليست صكَّ امتياز؛ بل اختبارُ أخلاقٍ يوميّ، وأن أعظم ميادينها ليس أمام الناس؛ بل خلف الأبواب المغلقة، حيث لا رقيب إلا الله، فمن أحسن هناك، كان من الأخيار حقًا، ومن أساء هناك، فلا تُغني عنه دعوى ولا شعارات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في موضعٍ آخر مكمّلًا لهذا المعنى: «خيركم خيركم لأهله» (16)، فجعل البيت مرآة الخيرية، لا هامشها.
فـ«ليس أولئك بخياركم» ليست مجرد زجرٍ عن فعل؛ بل إعادة تعريفٍ شاملة لمعنى الفضل والرجولة والولاية، وتقريرٌ حاسم بأن الإسلام لا يقف على الحياد بين المُصلح والمتسلّط؛ بل ينحاز بوضوح إلى العدل، والرحمة، وحسن العشرة، ويُسقط الأقنعة عمّن اتخذ من القوامة ستارًا للأذى، ويُعلن: أن الأخيار لا يُؤذون، وأن من آذى فقد خسر شرف الخيرية.
- ولاية المال (مال المرأة):
المرأة في الإسلام ذاتُ ذمّةٍ ماليةٍ مستقلة استقلالًا كاملًا، لا ولايةَ لأحدٍ عليها فيها، لا لأبٍ ولا لزوج، وهذا من محاسن الشريعة التي سبقت بها كلّ النظم القديمة والحديثة. فالمال في الإسلام حقٌّ شخصي، تدور ولايته مع الأهلية لا مع الذكورة والأنوثة، قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]، فنصّ صريح يقرّر أن للمرأة كسبًا وملكًا مستقلًّا، تتصرّف فيه كيف شاءت ضمن أحكام الشرع، دون إذنٍ من زوج أو غيره.
وقد أكّد القرآن هذا الاستقلال في أدقّ أبواب المال، فقال سبحانه: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4]، فجعل المهر حقًّا خالصًا للمرأة، لا يحلّ لأحدٍ أن يأخذ منه شيئًا إلا برضاها الصريح، وعلّق الحلّ بـ«طيب النفس»، وهو أعلى درجات الرضا، دليلًا على كمال ذمّتها المالية وعدم خضوعها لولاية زوجها في هذا الباب.
والسنة النبوية جاءت مُقرِّرةً لذلك عمليًا؛ فقد كانت أمهات المؤمنين يتصرّفن في أموالهن بالبيع والشراء والصدقة، ولم يُنقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذنته امرأةٌ لتتصرّف في مالها، ولا أنه منع واحدةً منهن من ذلك، بل لما تصدّقت النساء في المسجد، أقرّهن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسألهن عن إذن أزواجهن، فكان ذلك إجماعًا عمليًا على استقلال ذمّتهن المالية.
ولهذا قرّر الفقهاء أن الزوج لا ولاية له على مال زوجته، فلا يجوز له أن يأخذ منه شيئًا بغير رضاها، ولا أن يمنعها من التصرّف فيه، ولا أن يُلزِمها بالإنفاق على البيت، لأن النفقة واجبٌ عليه وحده، ولو كانت المرأة غنية. قال ابن قدامة رحمه الله: وللمرأة التصرّف في مالها بغير إذن زوجها، لا نعلم في ذلك خلافًا.
وهذا الاستقلال المالي يُظهر بجلاء أن القوامة الزوجية ليست تسلّطًا شاملًا؛ بل هي ولايةُ إدارةٍ للأسرة في شؤونها العامة، لا مصادرةٌ لحقوق المرأة، ولا حجرٌ على مالها، فمن خلط بين القوامة والولاية على المال فقد جهل الشريعة، ومن ادّعى أن الإسلام قيّد المرأة اقتصاديًا فقد افترى عليه؛ بل الحق أن الإسلام حرّر ذمّتها المالية، وصان حقّها، وجعلها كاملة الأهلية، مسؤولةً عن مالها كما هي مسؤولةٌ عن دينها، وذلك قبل أن تعرف البشرية معنى الاستقلال المالي للمرأة بقرون طويلة.
- ولاية السفر وحفظها:
ولايةُ السفر وحِفظُها في الإسلام ليست قيدًا على حرية المرأة، ولا انتقاصًا من أهليتها، بل تشريعُ رعايةٍ وصيانةٍ مبناه الحفظ لا الحجر، والأمان لا التحكم، فالسفر انتقالٌ من دائرة الاستقرار إلى دائرة المخاطر، وتبدّلُ أحوالٍ تنكشف فيه النفوس، وتضعف فيه أسباب الحماية، فجاءت الشريعة تُحيط المرأة بسياجٍ من العناية، لا لتمنعها من الحركة، بل لتضمن سلامتها وصون كرامتها، ولهذا كان اشتراط الولي أو المحرم في السفر تعبيرًا عن مسؤوليةٍ اجتماعية وأسرية، لا عن وصايةٍ مُهينة، إذ المقصود أن لا تُلقى المرأة في مسالك التعب والخطر وحدها، ولا تُعرّض نفسها لمواطن الريبة أو الأذى.
وقد دلّت النصوص على هذا المعنى بوضوح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (17)، وهذا النهي نهيُ حفظٍ لا تحقير، ووقايةٍ لا تشكيك، لأن الإسلام ينظر إلى المرأة باعتبارها جوهرةً مصونة، لا مشروعَ مجازفة، والولي في هذا الباب ضامنٌ للأمان، ومشاركٌ في المسؤولية، يُقدّر المصلحة، ويراعي الظروف، ولا يملك أن يتعسّف أو يمنع لمجرّد الهوى، لأن ولايته هنا مقيدة بالمقصد: حفظ النفس والعِرض، لا التحكم في القرار.
ومتى تحقّق الأمان، وانتفت المخاطر، واختلفت صور السفر ووسائله، فإن العبرة بالمقاصد لا بالأشكال، ولهذا وسّع أهل العلم النظر في تنزيل الأحكام بحسب الزمان والمكان، مع بقاء الأصل: أن السفر مظنّةُ حاجةٍ إلى الحماية، وأن الولاية فيه تكليفٌ على الرجل قبل أن تكون قيدًا على المرأة. فإن قصّر الولي، أو تعسّف، أو جعل من الولاية بابًا للتضييق، فقد خان مقصودها، وكان فعله مردودًا شرعًا.
فولاية السفر في الإسلام وجهٌ من وجوه الرحمة التشريعية، تقرأ الواقع بعين الحكمة، وتوازن بين الكرامة والأمان، وتؤكد أن الشريعة لا تترك المرأة وحدها في مواطن الخطر، ولا تسلّمها لنفسها أو للغرباء، بل تجعلها في كنف مسؤوليةٍ تُسأل عنها أمام الله، ومن فهمها في هذا الإطار، علم أنها صيانةٌ لا مصادرة، وحفظٌ لا إلغاء، ورحمةٌ لا تضييق.
خلاصة: الولاية الشرعية للرجل على المرأة تهدف لحفظها ورعايتها، وتتركز في الزواج والحماية والرعاية، ولا تتضمن التحكم المطلق في مالها أو إجبارها على ما لا تريده.
وفي ولاية التأديب: يقول الكاساني: منها ولاية التأديب للزوج، إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته، بأن كانت ناشزة، فله أن يؤدبها لكن على الترتيب، فيعظها أولًا على الرفق واللين، بأن يقول لها كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ولا تكوني من كذا وكذا، فعلها تقبل الموعظة, فتترك النشوز, فإن نجعت فيها الموعظة, ورجعت إلى الفراش وإلا هجرها.
وقيل: يخوفها بالهجر أولًا، والاعتزال عنها، وترك الجماع والمضاجعة؛ فإن تركت، وإلا هجرها، لعل نفسها لا تحتمل الهجر (18).
وأتعجب ممن يرضى بسلطة رئيسه في العمل، ويلتزم بأنظمة مديره، ويحترم الغرب، ويتغنى بحضارتهم، ويتشدق بحقوق الإنسان وحرية الأخلاق، ثم يطعن في التشريع، ويهزأ من تعاليم الدين، وينادي بتفكك الأسر وتحرر النساء، ويصف ولاية الرجل على أهله بالقيد والذل والإهانة، وهل يرضى أحدهم أن يلقي ماله أمام المارة، ويحتج بديانتهم وأمانتهم؛ بل هو أحرص على ماله من حرصه على عرضه، ولنتصور شركة بلا رئيس، ومدرسة بلا مدير، ودولة بلا حاكم، وطريق سير بلا ضبط، فكل حر بلا قيد، وسائر بلا نظام، فهل ينتظم أمر العباد، فكيف يعاب على مسئول يحافظ على رعيته، وولي يهمه استقرار أسرته، فيطلب من الولي ترك الحبل على الغارب، وسقوط الولاية، واستقلال المرأة بحياتها، بعيدًا عن رعاية وليها، حيث تخرج متى ما شاءت، وتسافر أين شاءت، بدون إذن ولا أمر، ويعدون ذلك تمكينًا للمرأة، وتحررًا لها من قيد الولي واشتراط المحرم، وهم بذلك يرضون دعاة الحرية، وينفذون توصيات الاتفاقيات الدولية، ويخالفون التشريعات الربانية والأنظمة الدستورية الحاكمة بالكتاب والسنة، ومن نعمة الله على هذه البلاد، أن هيأ لها ولاة أمر يحفظون دينها، ويطبقون شرعها، ويحمون وحدتها، ويعينون على استقرار أمنها، ومن ذلك عدم السماح بسفر المرأة إلا بإذن ولي أمرها، وفي هذا رعاية للمرأة، وحماية لها، وأداء للمسئولية التي أُمر بها ولي أمرها .
وولاية الرجل على المرأة في الإسلام، ولاية توجيه وتسديد وصيانة، لا ولاية استبداد وتسلط، وهي ولاية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان، ولا بتقدم السن واستقلال النساء بمعاشهن، فطبيعة المرأة لا تختلف، وحاجتها للولي لا تتغير.
فالولاية في ديننا مسئولية وأمانة، وشريعة وديانة، فمن قام بحقها، وعدل وأنصف، فقد أدى ما أؤتمن عليه، وحفظ الأمانة، ومن ضيعها فهو محاسب ومسئول، ومفرط وغاش لرعيته، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» (19).
تفنيد دعاوى الحركات النسوية المعاصرة
تقوم كثيرٌ من الحركات النسوية والمؤتمرات التغريبية على نقلٍ أعمى لتجربةٍ غربية نشأت في سياقٍ تاريخيٍّ خاصٍّ، حيث ظُلِمت المرأة كنسيًّا واجتماعيًّا، فكان ردُّ الفعل ثورةً على كلِّ قيد، ثم أُريد تعميمُ هذا الصراع على مجتمعاتٍ لم تعرف ذلك الظلم البنيوي في تشريعها.
1- دعوى أن الولاية قمعٌ للمرأة:
القول بأن الولاية قمعٌ للمرأة دعوى مُلبَّسة، تُبنى على الخلط بين الولاية الشرعية والاستبداد العملي، وبين التكليف الرباني والانحراف البشري، فالولاية في الإسلام لم تُشرع لإلغاء المرأة، ولا لمصادرة إرادتها، ولا لتجريدها من أهليتها، وإنما شُرعت لحفظها ورعايتها وضمان حقوقها في عالمٍ لا يقوم على المثاليات، بل تحكمه المصالح والصراعات ومواطن الضعف، ولو كانت الولاية قمعًا، لما منح الإسلام المرأة ذمّةً مالية مستقلة، ولا حقّ التملك والتصرّف، ولا حقّ القبول والرفض في النكاح، ولا حقّ الشكوى ورفع الظلم، ولا جعلها مسؤولةً مكلفةً مخاطبةً بالأحكام مثل الرجل سواءً بسواء.
إن الولاية في حقيقتها نقلُ عبء المسؤولية إلى الرجل لا انتزاعُ الكرامة من المرأة؛ فهي تُلزمه بالنفقة، والحماية، والدفاع، وتحمل التبعات، وتُسائله أمام الله عن التقصير، بينما تُعفي المرأة من هذا الثقل، فكيف يكون القمع في نظامٍ يجعل الواجب على الأقوى، ويجعل الحقّ للأضعف؟! وكيف تُتّهم الشريعة بالظلم، وهي التي قيّدت الولاية بالمصلحة، ومنعت التعسّف، وفتحت للمرأة باب القضاء إذا ظُلمت، وقررت أن «لا ضرر ولا ضرار» أصلٌ حاكمٌ على كل تصرّف؟
ثم إن الواقع يكشف زيف هذه الدعوى؛ فالمجتمعات التي ألغت مفهوم الولاية باسم التحرير لم تحرّر المرأة، بل حمّلتها أعباءً مضاعفة: تعمل بلا حماية، وتسافر بلا سند، وتُستغل باسم الاستقلال، وتُترك وحدها عند الخطر، بينما أعادت المجتمعات نفسها –تحت مسميات قانونية– أشكالًا أخرى من الوصاية والمؤسسات الحامية، اعترافًا ضمنيًا بأن الإنسان لا يستغني عن نظام رعايةٍ وضبط.
والحق أن الولاية لا تُقاس بسوء التطبيق، كما لا يُقاس الطب بأخطاء الأطباء، ولا القضاء بانحراف القضاة، فمن مارس الولاية قهرًا فقد خالف الإسلام ولم يمثّله، ومن جعلها أداة إذلال فقد انقلب عليها، أما الشريعة، فقد قدّمت نموذجًا فريدًا: ولايةٌ بلا حجر، وطاعةٌ بلا عبودية، وحفظٌ بلا إلغاء، ومن الإنصاف أن تُناقَش الأحكام كما شُرعت، لا كما شوّهها الهوى أو شوّشها الخطاب التغريبي.
فالولاية في الإسلام ليست قيدًا على المرأة، بل قيدٌ على الفوضى، وليست أداة قمع، بل صمّام أمان، ومن جعلها خصمًا للكرامة فقد أساء فهم الكرامة نفسها، لأن الكرامة الحقيقية لا تكون في ترك الإنسان بلا حماية، بل في صيانته ضمن ميزان العدل والرحمة والمسؤولية.
هذه دعوى تجتزئ النصوص وتغفل المقاصد، فالإسلام لم يمنح الرجل سلطةً بلا ضوابط؛ بل قيَّدها بالمعروف، وجعل الظلمَ محرَّمًا، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
2- دعوى المساواة المطلقة:
دعوى المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ليست مطلبَ عدلٍ كما تُسوَّق، بل شعارٌ أيديولوجيّ يقوم على إنكار الفطرة، ومصادمة الواقع، وتسوية المختلفين تسويةً تُفضي إلى الظلم لا إلى الإنصاف. فالإسلام لم يأتِ ليُذيب الفوارق الخَلقية، ولا ليُساوي بين المتغايرين في التكوين والوظيفة، وإنما جاء بميزانٍ أدقّ وأعمق: العدل، والعدل غير المساواة، لأن المساواة تعطي الجميع الشيء نفسه، أمّا العدل فيعطي كلَّ واحدٍ ما يناسبه ويقوم به.
إن دعوى المساواة المطلقة تفترض –ضمنًا– أن الرجل والمرأة صورتان متماثلتان، مع أن النصّ والواقع والفطرة تشهد بأنهما متكاملان لا متطابقان؛ قال تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى} [آل عمران: 36]، وهذه ليست آيةَ انتقاص، بل آيةُ تقريرٍ للتمايز الذي تُبنى عليه الوظائف وتُقسَّم به المسؤوليات، فحين يساوي الخطاب التغريبي بينهما في كل شيء: في الأدوار، والأعباء، والقيادة، والواجبات، فإنه لا يُنصف المرأة، بل يُحمّلها ما لم تُهيّأ له، ويُجرّد الرجل مما كُلّف به، فيختلّ البناء الأسري والاجتماعي معًا.
وقد قرّر الإسلام مساواةً حقيقية حيث تكون المساواة عدلًا: في الإنسانية، والتكليف، والكرامة، والثواب والعقاب؛ قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]، لكنه فرّق حيث تكون المساواة ظلمًا: فجعل القوامة على من أُلزم بالنفقة والحماية، وجعل الحمل والولادة والرضاع أعباءً مُقابلة بحقوق، لا فراغًا تشريعيًا يُسدّ بالشعارات.
ثم إن دعوى المساواة المطلقة تنهار عند أول اختبار واقعي؛ فحتى القوانين الوضعية التي ترفع شعارها عادت ففرّقت في الخدمة العسكرية، والعمل الشاق، وساعات العمل، والحماية القانونية، اعترافًا بأن الاختلاف واقع لا يُلغى بالهتاف، لكن الخطاب النسوي يرفض هذا الاعتراف حين يتعلّق بالأحكام الشرعية، ويقبله حين تفرضه الضرورة، في ازدواجيةٍ فكريةٍ مكشوفة.
والأخطر أن هذه الدعوى تُعيد تعريف الظلم والعدل تعريفًا مقلوبًا؛ فتجعل التكامل تمييزًا، والوظيفة قهرًا، والرعاية وصاية، بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تستقيم بالتطابق، بل بالتكامل، ولا تُبنى الأسرة بتنازع الأدوار؛ بل بتوزيعها توزيعًا عادلًا، ولهذا فإن الإسلام حين رفض المساواة المطلقة لم يُنقص المرأة، بل حماها من أن تُسحق تحت عبء لا يناسبها، وحمى الرجل من أن يُعفى من مسؤولية فُطر عليها.
فدعوى المساواة المطلقة ليست تحريرًا، بل تسويةٌ ظالمة، وليست عدلًا؛ بل إنكارٌ للحكمة الإلهية في الخلق والتشريع، أمّا الإسلام، فطريقه أوضح وأقوم: مساواةٌ في الكرامة، وعدلٌ في التكليف، وتكاملٌ في الأدوار، وبهذا وحده تُحفظ إنسانية الرجل والمرأة معًا، دون أن يُظلم أحدهما باسم الآخر.
المساواة في الإسلام عدالةٌ لا تماثل؛ فاختلاف الأدوار لا يعني تفاضلَ القيم. فقوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى} [آل عمران: 36]، وهذا الاختلاف تكاملٌ يُثمر أسرةً مستقرة، لا صراعَ أدوارٍ يبدِّد الطاقات.
3- واقع التجربة الغربية:
واقعُ التجربة الغربية في قضايا المرأة والأسرة يُعدّ شاهدًا عمليًا على أن الشعارات اللامعة لا تُنتج بالضرورة واقعًا عادلًا ولا إنسانيًا، فبعد عقودٍ من رفع راية “التحرّر” و“المساواة المطلقة”، انتهت المجتمعات الغربية إلى أزمةٍ بنيوية في الأسرة، وتفكّكٍ اجتماعيٍّ غير مسبوق، وارتباكٍ عميق في مفهوم الهوية والوظيفة والدور.
أُلغيت القوامة باسم الشراكة، وتفككت الولاية باسم الاستقلال، فانتهت المرأة إلى تحمّل أعباءٍ مضاعفة: تعمل كالرجل في سوقٍ لا يرحم، وتُنفق أحيانًا بلا سند، وتُطالَب بالاستقلال الكامل، ثم تُترك وحيدةً عند المرض، والحمل، والشيخوخة، وتُقدَّم لها الدولة بدائل باردة محلّ الأسرة، لا تُغني عن السكن النفسي ولا عن الأمان الإنساني.
وفي ظل هذا النموذج، لم تختفِ معاناة المرأة كما وُعِدت، بل تغيّر شكلها؛ فبدل القهر الأسري المحدود، وُضعت في قبضة الاستغلال الاقتصادي، والجسدي، والإعلامي، وصارت جسدًا مُستهلكًا في الإعلانات، وسلعةً في سوق المتعة، وضحيةً للعلاقات العابرة التي لا مسؤولية فيها ولا التزام، ثم لما تهاوى البناء الأسري، ارتفعت نسب الاكتئاب، والانتحار، والأمومة المنفردة، وتفكك الروابط بين الأجيال، حتى عاد الخطاب الغربي نفسه يتساءل: أين أخطأنا؟ وكيف فقد الإنسان معنى الأسرة والاستقرار؟
إن التجربة الغربية لم تفشل لأن المرأة أُعطيت حقوقًا؛ بل لأنها نزعت عنها منظومة الحفظ والرعاية باسم التحرير، وخلطت بين الحرية والانفلات، وبين الاستقلال والوحدة، فبدل أن تُكمَّل المرأة بالرجل، وُضِعت في مواجهته، وبدل أن تُبنى الأسرة على التكامل، أُقيمت على التنافس والصراع، وهنا تتجلّى حكمة الشريعة الإسلامية التي لم تُسلِّم المرأة لشعارات مجرّدة، ولم تُلقِ بها في فراغٍ اجتماعي، بل جعلتها في قلب منظومة متوازنة: حقوقٌ مصونة، وكرامةٌ محفوظة، ورعايةٌ مسؤولة، لا تُلغيها ولا تستعبدها.
فواقع التجربة الغربية ليس نموذجًا يُحتذى، بل درسٌ يُتّعظ به: أن القوانين بلا فطرة عمياء، وأن المساواة بلا عدل ظالمة، وأن تحرير المرأة من الأسرة لا يعني إلا تحرير المجتمع من الاستقرار، ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين تشريعٍ ربانيٍّ يعلم خَلْقه، ونموذجٍ بشريٍّ يُجَرِّب ثم يُصلح بعد الخراب.
الولاية الشرعية وبناء المجتمع
الولاية في الإسلام ليست إجراءً فرديًا داخل الأسرة فحسب؛ بل لبنةٌ بنائية في صرح المجتمع كلّه، فحين قرّر الإسلام مبدأ الولاية، إنما أراد به تنظيم المسؤوليات، وضبط الأدوار، ومنع الفوضى، لا صناعة طبقةٍ متسلّطة ولا تكريس تبعيةٍ مهينة، إذ المجتمع لا يُبنى على أفرادٍ متنازعين؛ بل على أسرٍ مستقرة، ولا تستقرّ الأسرة إلا بمرجعيةٍ واضحة تُحتكم إليها عند الاختلاف، وتتحمّل عبء القرار عند التنازع، فجاءت الولاية الشرعية لتملأ هذا الفراغ بحكمةٍ وعدل.
فالولاية الشرعية تُحوّل القوة إلى مسؤوليةٍ محاسَبة، لا إلى امتيازٍ مطلق؛ تجعل الرجل مسؤولًا عن النفقة والحماية والرعاية، وتجعله مُسؤولًا أمام الله والمجتمع إن قصّر أو ظلم، وبذلك تُخرِج السلطة من دائرة الهوى إلى دائرة التكليف، وحين تُحمَّل المسؤولية لطرفٍ بعينه، يُعفى الطرف الآخر من صراع القرار، ويُصان من الاستنزاف النفسي والاجتماعي، فيتحقق التوازن الذي هو شرطُ العمران، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}، فجعل القوامة قيامًا بالأعباء، لا قيامًا على الرقاب.
وبغياب الولاية الشرعية تضيع المرجعيات، وتكثر الصراعات، ويتحوّل كل خلافٍ أسري إلى صراع نفوذ، وكل اختلافٍ إلى معركة كسر إرادة، فتتفكك الأسرة، ثم ينعكس ذلك مباشرة على المجتمع: ارتفاع نسب الطلاق، ضياع الأبناء، ضعف الانتماء، وتآكل منظومة القيم. أما حين تُفعَّل الولاية بضوابطها الشرعية، فإنها تُنتج أسرةً منضبطة بلا قهر، ومتماسكة بلا صراع، وقادرة على تربية جيلٍ يعرف الحدود كما يعرف الحقوق.
ثم إن الولاية الشرعية لا تقف عند حدود البيت، بل تُسهم في بناء الإنسان المتوازن؛ فالطفل الذي ينشأ في كنف أسرةٍ لها قائدٌ عادل، ومرجعيةٌ واضحة، يتعلّم احترام النظام، وفهم المسؤولية، وقبول التدرّج في القرار، فينشأ مواطنًا صالحًا، لا متمرّدًا فوضويًا ولا خاضعًا ذليلًا، وهكذا تنتقل الولاية من كونها حكمًا فقهيًا إلى كونها قيمةً حضارية تحفظ المجتمع من التفكك، وتمنع تحوّل الحرية إلى فوضى، والحقوق إلى صراع.
- الأسرةُ لبنةُ المجتمع، واستقرارها مرهونٌ بنظامٍ واضحٍ للمسؤوليات، والولاية الشرعية تُنتج:
- أسرةً متماسكةً تقوم على التعاون لا التنازع.
- امرأةً مصونةً مكرَّمة، لا مُستَغلَّة.
- رجلًا مسؤولًا، لا عابثًا.
قال تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72].
إن الولاية الشرعية ليست قيدًا يُكبِّل المرأة، بل سياجُ أمانٍ يحفظ كرامتها، وليست امتيازًا ذكوريًّا؛ بل مسؤوليةٌ يُسأل عنها الرجل بين يدي الله، وأما الدعوات التغريبية، فإنها تُخاصم الفطرة، وتُناقض الواقع، وتُلبس الإفسادَ ثوبَ الإصلاح.
فالواجب على الأمة أن تستمسك بشرع ربها، وأن تُدرك أن كرامة المرأة الحقيقية إنما تُصان في ظل شريعةٍ ربانيةٍ عادلة، لا في شعاراتٍ براقةٍ سرعان ما تنكشف آثارُها المدمِّرة.
