logo

الوصفة النبوية لإحياء المودة والرحمة بين الزوجين


بتاريخ : السبت ، 26 محرّم ، 1448 الموافق 11 يوليو 2026
الوصفة النبوية لإحياء المودة والرحمة بين الزوجين

إن من أعظم مقاصد النكاح في شرع الله المطهر أن تسود المودة والرحمة بين الزوجين، وعلى هذا الأساس ينبغي أن تبنى الحياة الزوجية، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .

قال الحافظ ابن كثير: من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك (1).

وقال أيضًا: فلا ألفة بين زوجين أعظم مما بين الزوجين؛ ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه (2).

وورد في السنة ذكر المودة والرحمة بين المؤمنين عمومًا، فعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (3).

التراحم والتواد والتعاطف: كلها من باب التفاعل الذي يستدعي اشتراك الجماعة في أصل الفعل، وهي وإن تقاربت في المعنى بينها فرق لطيف، فالتراحم: رحمة بعضهم بعضًا بأخوة الإيمان لا بسبب آخر، والتواد: التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي والتعاطف: إعانة بعضهم بعضًا كما يعطف الثوب على الثوب تقوية له (4).

وورد في السنة أيضًا الرحمة بين الناس في قوله عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (5).

الرحمة بالناس؛ بل بالحيوان، عاطفة شريفة وخليقة محمودة، ولقد مدح الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، وضدها القسوة التي عاقب الله بها اليهود، لما نقضوا العهود؛ إذ يقول: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً} [المائدة: 13].

فالرحمة فضيلة، والقسوة رذيلة، والرحمة تكون بالأبناء، وأثرها تقبيل ومعانقة كما صنع الرسول صلى الله عليه وسلم بالحسن، وتأديب وتربية وإجابة رغائب- ما دامت في سبيل المصلحة- وإبعاد من الشر.

وتكون بالآباء والأمهات وأثرها قول كريم، وصنع جميل، وطاعة في غير معصية وخدمة صادقة {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وتكون بالأقرباء، وأثرها بر وصلة، وزيارة ومودة، وسعي في مصلحة، ودفع لمضرة، وتكون بين الزوج وزوجة، وأثرها عشرة بالمعروف، وإخلاص متبادل، وألا ترهقه بالطلبات، ولا يكلفها بالمرهقات؛ بل يعاونها على شؤون المنزل وتربية الأولاد بالخدم ما دام في المال سعة أو بنفسه إن كان في وقته فضل.

وتكون بأهل دينك، ترشدهم إلي الخير، وتعلمهم ما تعلمت. وتأخذ بهم عن اللمم إلي السبيل الأهم وتعمل لعزهم، ودفع المذلة عنهم، وتكون بالناس جميعًا، فتحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لها، وتكون بالحيوان فتقدم له أكله وشربه، وتداوي جرحه، ولا تكلفه عسيرًا، ولا تحمله ثقيلًا (6).

والمودة والرحمة ليستا مجرد مشاعر عابرة؛ بل هما منحة ربانية وأمر شرعي ومسؤولية عملية، وقد جعل الله تعالى قيام الأسرة والمجتمع على هاتين القاعدتين، فقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

والمتأمل في السنة النبوية يجد أنها قدّمت وصفة متكاملة لإحياء المودة والرحمة: تبدأ من إصلاح القلب، وتمر بحسن الكلمة، وتُترجم إلى سلوك يومي من الرحمة، والتهادي، والعدل، والتغافل، والصبر، والتواصل، والإحسان، وهذه الوصفة ليست خاصة بالعلاقة الزوجية فقط؛ بل تشمل الأسرة، والأرحام، والجيران، والمجتمع كله.

مصادر المودة والرحمة:

تتعدد المصادر التي تمد العلاقات الزوجية بالمودة والرحمة نختار منها:

أولًا: حسن المعاشرة أساس المودة:

لقد أمر الله تعالى الأزواج بقوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، والمعروف كلمة جامعة لكل خلق حسن، وكل معاملة طيبة، وكل قول جميل.

أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (7)، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يتودد إليها بذلك.

ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] (8).

كم من بيت فقد سعادته بسبب كلمة جارحة، أو أسلوب قاسٍ، أو تجاهل للمشاعر، وكم من مشكلة كبيرة انتهت بابتسامة صادقة أو كلمة لطيفة.

إن الزوجة لا تحتاج إلى الطعام والشراب واللباس فقط؛ بل تحتاج إلى الكلمة الطيبة والاهتمام والتقدير، كما أن الزوج يحتاج إلى الاحترام وحسن الاستقبال والتشجيع، والاهتمام.

ثانيًا: إظهار الحب وعدم كتمانه:

من جمال الهدي النبوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخجل من التعبير عن مشاعره، فعندما سُئل: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» (9)، وإنما بدأ بذكر محبته عائشة لأنها محبة جبلية ودينية وغيرها دينية لا جبلية فسبق الأصل على الطارئ (10).

وكان يناديها بأحب الأسماء إليها، ويقول لها: «يا عائش» (11).

وكان يشرب من الموضع الذي شربت منه، ويأكل من المكان الذي أكلت منه، تعبيرًا عن القرب والمودة، عن عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في، فيشرب، وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في» (12).

وفيه إشارة إلى كمال تواضعه وطيب نفسه صلى الله عليه وسلم، فإن كثيرًا من الأزواج يحبون ولكنهم لا يعبرون عن حبهم، فتذبل المشاعر بسبب الصمت الطويل، إن كلمة: "أحبك"، أو "جزاك الله خيرًا"، أو "أنا أقدرك"، قد تعيد إلى البيت حياة جديدة، وتزرع في القلوب من السعادة ما لا تصنعه الأموال.

وعن الإخبار عن الحب، يقول المناوي: وهذا أبقى للألفة وأثبت للمودة، وبه يتزايد الحب ويتضاعف وتجتمع الكلمة وينتظم الشمل، وتزول المفاسد والضغائن (13).

ثالثًا: التغافل عن الزلات:

لا يوجد زوج كامل، ولا زوجة كاملة، وكل بني آدم خطاء، ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى منهج عظيم فقال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (14)، أي لا يبغضها بسبب عيب واحد وينسى محاسنها الكثيرة.

هذا الإرشاد من النبي صلّى الله عليه وسلم، للزوج في معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العشرة بالمعروف، فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته، والنهي عن الشيء أمر بضده، وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة، والأمور التي تناسبه، وأن يجعلها في مقابلة ما كره من أخلاقها؛ فإن الزوج إذا تأمل ما في زوجته من الأخلاق الجميلة، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها، رآه شيئاً واحداً أو اثنين مثلاً، وما فيها مما يحب أكثر. فإذا كان منصفاً غض عن مساوئها لاضمحلالها في محاسنها.

وبهذا: تدوم الصحبة، وتؤدّى الحقوق الواجبة والمستحبة وربما أن ما كره منها تسعى بتعديله أو تبديله.

وأما من غض عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة، فهذا من عدم الإنصاف، ولا يكاد يصفو مع زوجته (15).

فمن أسباب استمرار المودة التركيز على الإيجابيات قبل السلبيات، والنظر إلى الفضائل قبل العيوب.

إن بعض البيوت تهدمها أمور صغيرة؛ لأن أحد الزوجين يفتش عن الأخطاء، ويحصي الزلات، ويستحضر الماضي في كل خلاف.

أما المؤمن الحكيم فيتغافل، ويعفو، ويتجاوز، طلبًا للأجر وحفاظًا على الأسرة.

إذا أساءت مثلًا في ردها عليك مرة، لكنها أحسنت إليك مرات، أساءت ليلة لكنها أحسنت ليالي، أساءت في معاملة الأولاد مرة، لكن أحسنت كثيرًا.. وهكذا.

رابعًا: الرحمة عند الخطأ والخلاف:

الخلاف بين الزوجين أمر طبيعي، لكن المشكلة ليست في وجود الخلاف؛ بل في طريقة التعامل معه.

لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الحلم والصبر والرحمة، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت (16).

فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة (17).      

فعندما غضبت بعض زوجاته لم يقابل الغضب بغضب أشد، ولم يعالج الخطأ بالعنف والقسوة؛ بل كان يتعامل بالحكمة والرفق.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (18)، فالبيت الذي يسوده الرفق بيت تسكنه الرحمة، أما القسوة والعناد ورفع الأصوات فلا تزيد المشكلات إلا تعقيدًا.

خامسًا: التعاون على الطاعة:

ومن أعظم أسباب دوام المودة والرحمة بين الزوجين أن يتعاونا على طاعة الله تعالى؛ فالحياة الزوجية في الإسلام ليست علاقةً دنيويةً مجردة، وإنما هي شراكة في السير إلى الله والفوز برضوانه.

فإذا أيقظ أحدهما الآخر للصلاة، وشجعه على قراءة القرآن، وذكَّره بالأذكار، وحثَّه على فعل الخير وترك المعصية، ازدادت الألفة بينهما وقويت رابطة الإيمان في قلبيهما.

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة للزوجين اللذين يعين أحدهما الآخر على قيام الليل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت، نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء» (19).

وقال ابن الملك: وهذا يدل على أن إكراه أحد على الخير يجوز؛ بل يستحب (20).

فالطاعة تجمع القلوب بعد تفرقها، وتطفئ نار الخلافات، وتجعل البيت عامرًا بالسكينة والبركة؛ لأن القلوب إذا اجتمعت على محبة الله سهل عليها أن تتحاب فيما بينها وتتجاوز عن الزلات والأخطاء.

وكلما اقترب الزوجان من الله اقترب أحدهما من الآخر.

سادسًا: تبادل الهدايا وإدخال السرور:

ومن الوسائل النبوية العظيمة لإحياء المودة بين الزوجين تبادلُ الهدايا وإدخالُ السرور على القلب؛ فالهدية تُعبِّر عن المحبة والاهتمام، وتُجدد مشاعر الألفة بين الزوجين مهما طالت سنوات العشرة.

وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أثرها المبارك فقال: «تهادوا تحابوا» (21)، وليس المقصود بالهدية قيمتها المادية أو ثمنها المرتفع، وإنما ما تحمله من معاني الود والتقدير وحسن العشرة، فربما كانت هدية يسيرة أو كلمة رقيقة أو موقفًا جميلًا سببًا في إزالة جفوة، وتجديد محبة، وإدخال فرحة إلى قلب الزوج أو الزوجة.

وإن من حسن العشرة أن يحرص كل من الزوجين على إسعاد الآخر بما يستطيع، فإن النفوس جُبلت على محبة من يُحسن إليها، والبيت الذي يتبادل أهله مشاعر الاهتمام والتقدير تظل المودة فيه متجددة، والرحمة فيه حاضرة، والسعادة أقرب إلى قلوب ساكنيه.

وليس المقصود بالهدية قيمتها المادية، بل ما تحمله من رسالة اهتمام ومحبة.

وربما كانت وردة بسيطة، أو كتابًا نافعًا، أو كلمة مكتوبة بخط جميل، سببًا في إزالة جفوة استمرت أيامًا أو أسابيع.

سابعًا: حفظ الأسرار وصيانة الحقوق:

ومن أعظم ما يُرسِّخ دعائم المودة ويُحكم بناء الأسرة حفظُ الأسرار وصيانةُ الحقوق؛ فإن الحياة الزوجية ميثاقٌ غليظ، يقوم على الثقة والأمان والستر، ولا شيء أقدر على هدمه من إفشاء الخفايا وهتك الأستار.

وقد جعل الإسلام ما يدور بين الزوجين أمانةً لا يجوز التفريط فيها، وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من كشف أسرار الحياة الزوجية، وعدَّ ذلك من أقبح الخصال وأشنعها عند الله تعالى.

وإن من كمال الوفاء أن يكون كلُّ واحدٍ من الزوجين سترًا لصاحبه، يحفظ سره، ويصون كرامته، ويذكر محاسنه، ويتغافل عن زلاته، فلا يُخرِج خلافات البيت إلى الناس، ولا يجعل لحظات الغضب سببًا في انتهاك الحقوق أو النيل من المقامات.

فإذا شعر الزوجان أن كلًا منهما حصنٌ أمينٌ للآخر، وموضعُ ثقةٍ لا يخشى معه فضيحةً ولا خيانةً، استقرت النفوس، واطمأنت القلوب، ونمت شجرة المودة في ظلال الثقة والاحترام، فازدادت الأسرة تماسكًا، ودامت بين أفرادها الرحمة والوئام.

من أخطر ما يقتل المودة إفشاء الأسرار الزوجية ونقل الخلافات إلى الناس.

وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها» (22).

بأن يتكلم للناس ما جرى بينه وبينها قولًا وفعلًا، أو يفشي عيبًا من عيوبها، أو يذكر من محاسنها ما يجب شرعًا أو عرفًا سترها.

قال ابن الملك: أي أفعال كل من الزوجين وأقوالهما أمانة مودعة عند الآخر فمن أفشى منهما ما كرهه الآخر وأشاعه فقد خانه، قال بعض الأدباء: أريد طلاق امرأتي فقيل له لم؟ فقال: كيف أذكر عيب زوجتي؟! فلما طلقها قيل له: لم طلقتها؟ قال كيف أذكر عيب امرأة أجنبية.

ثم قيل: يكره هذا إذ لم يترتب عليه فائدة، أما إذا ترتب بأن تدعي عليه العجز عن الجماع أو إعراضه عنها أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره قال تعالى: {لَا يُحِبُ اللهُ الْجَهَرَ بِالسُوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ} [النساء: 148] (23).

فالثقة أساس الحياة الزوجية، وإذا انهدمت الثقة تزعزعت أركان الأسرة، لذلك يجب على كل من الزوجين أن يكون أمينًا على أسرار الآخر، حافظًا لكرامته، ساترًا لعيوبه.

ثامنًا: الدعاء المتبادل:

ومن أعظم ما يُحيي المودة في القلوب، ويُنمِّي الرحمة بين الزوجين، الدعاءُ المتبادل بظهر الغيب؛ فهو دليل صدق المحبة، وعنوان الإخلاص والوفاء.

فحين يرفع الزوج كفَّيه إلى السماء سائلًا الله الخير لزوجته، أو تلهج الزوجة بالدعاء لزوجها بالصلاح والتوفيق والبركة، فإن ذلك يزرع في القلوب من الألفة ما لا تصنعه الكلمات، ويُشيع في البيت سكينةً تتنزل من عند الله تعالى.

والدعاء عبادةٌ تجمع بين محبة الخالق والإحسان إلى المخلوق، ولذلك كان من أجمل صور العشرة بالمعروف أن يحمل كلُّ واحدٍ من الزوجين همَّ صاحبه إلى أبواب السماء، سائلًا له الهداية والعافية والسعادة والتوفيق.

وما أحوج الأزواج إلى أن يجعلوا الدعاء منهجًا دائمًا في حياتهم؛ إذ كم أصلح الله به من قلوب، وجمع به من متفرق، وأزال به من خلاف، وبدَّل به الجفاء مودةً، والخصام صفاءً.

فإذا تواصى الزوجان بالدعاء، واستمدَّا من الله العون والتوفيق، أحاطت بهما عناية الله، وحلَّت البركة في بيتهما، وكانا أقرب إلى تحقيق قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}.

تاسعًا: المؤانسة:

مما يحقق الود بين الزوجين أن تكون المؤانسة أحد الأهداف التي يسعيان إليها من خلال البر والإحسان إلى بعضهما على تعدد صوره وأشكاله، ففي دروب الحياة التي ينشغل فيها الإنسان عن نفسه وحاجاته الأصلية يبدأ الفتور بين الزوجين بهذا الصمت الذي يقتل العواطف، ولتحقيق المؤانسة هناك أدوات عدة منها:

- الحوار الراقي الذي يتلمس الأحاسيس والمشاعر والآلآم والآمال، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل  للأزواج  في حسن إيناسه لأزواجه؛ ومن ذلك ما جاء في كتب السنة من روايات تذكر محادثاته صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، ومع شدة استغراق النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إلا أنه يعود إلى وظيفته كزوج محب ما إن ينتهي من الصلاة،  قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ينتهي من صلاة الليل: فإذا قضى صلاته نظر: فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع (24)، انظر إلى حرصه صلى الله عليه وسلم على عدم إزعاج السيدة عائشة، فيتلمس يقظتها لكي يتحدث معها أو يتركها حتى يحين وقت الصلاة.

نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أهله قبل أن يرقد ولنا فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فالحديث في مثل هذه الأوقات –وبعد يوم مليء بالعناء والأعمال– وإيناس المرأة بالكلمة الطيبة والعبارة اللطيفة يداوي ما عسى أن يكون وقع من جراح، ويلطف ما يمكن أن يكون وقع من عنف، وليخلد الجسد إلى الراحة والذهن صاف إلا من ذكريات سعيدة تداعب خيالها الروح، فيستيقظ المرء وقد استعاد بدنه العافية والنشاط ليواصل سيره إلى الله تعالى، وقد تزود بالهمة والرجاء في الله تعالى وفي غد خير من اليوم، هذه الكلمات التي يؤنس بها الإنسان أهله تقوي حبال الود وتوثق روابط المحبة.

ويشكل الحوار بين الزوجين الحبل السري الذي تتغذى منه السعادة الزوجية، وهو مهم ليس لحل المشكلات ولكن لمنع وقوعها، ويمثل الحوار في نظر المرأة لمسة حنان تنتظرها من زوجها، ولهذا كله فالمهم أن يتحادث الزوجان ويتسامرا ويشكو كل واحد منهما للآخر ويطلب مشورته في بعض ما يعنيه (25)، ومناقشة الأمور التي تخص الأسرة ومستقبلها بطريقة تقدم مصلحة الأسرة واستقرارها مما يعمق الروابط الأسرية، ويجعل من الجميع شركاء في اتخاذ القرار بعد أن يتعلموا طريقة التفكير الصحيح.

- ومن المؤانسة مداعبة الرجل أهله بكلمات الغزل التي لا يصح أن تسمعها من غيره، عن عائشة، قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا يا عائشة وا رأساه» ثم قال: «ما ضرك لو مت قبلي، فقمت عليك، فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك»، قلت: لكأني بك أن لو فعلت ذلك قد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم (26).

- ومما يؤنس النفس ويديم المحبة والمودة بين الزوجين إتاحة الفرصة لكي تنال النفوس حظها من الترويح المباح، والشباب بحاجة ماسة لذلك على أن تلبى بالقدر المعقول، عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: «تشتهين تنظرين؟» فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة» حتى إذا مللت، قال: «حسبك؟» قلت: نعم، قال: «فاذهبي» (27).

نرى هذه الصورة التي تظهر  فيها العاطفة الصادقة «فأقامني وراءه خدي على خده».

عاشرًا: تعاون يثمر محبة وألفة:

على امتداد التاريخ رأينا صورًا عديدة من معاونة المرأة لزوجها على أعباء الحياة بالعمل الذي يناسب طبيعتها، وبصبرها على ضيق العيش، وبحسن اقتصادها في النفقات، والمشاركة في تحقيق  الأهداف الكبيرة التي تستغرق وقتًا وتطلب جهدًا مضاعفًا، ويبدأ التعاون من العمل معا في المنزل، وهذه المشاركة ليست زيادة لأعباء الرجل فوق ما يتحمل من أعباء العمل والحياة بل هي نوع من إتاحة الفرصة للتقارب والتفاهم.

وقد تكون مساهمة الرجل في أعمال البيت ورعاية الأولاد بمفهومها الشامل محدودة؛ نظرًا لطبيعته الشخصية أو لطبيعة عمله؛ لكن كل وقت يتشارك فيه الزوجان في عمل ما حتى لو استطاعت الزوجة أن تقوم به وحدها يوفر فرصة لتثبيت المودة وإمداد الحب برافد جديد، وليس من الرجولة في شيء أن يمتنع الرجل عن أعمال البيت فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الرجال ومع ذلك تقول عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما سئلت، عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» (28).

وتفصل السيدة عائشة رضي الله عنها بعض الأعمال التي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم داخل البيت فتقول: «ما كان إلا بشرًا من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه» (29).

حادي عشر: اختيار الكلمة الطيبة:

مما يستديم الود اختيار الألفاظ المناسبة  في أحلك اللحظات شدة وعسرًا، ومن ذلك حالة الإخبار بخبر مؤلم كوفاة الولد، وقد ضربت أم سليم رضي الله عنها المثل في ذلك عندما توفي صغيرها تصبرت فصبرها الله واختارت أدق الألفاظ وأرقها، «فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام، قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح» (30)، وكم من كلمة لم يحسب الرجل أو المرأة حسابها تركت جروحًا غائرة في نفس الطرف الآخر.

ثاني عشر: التغافل والتجاوز:

من الرحمة التغافل عن الزلات والتجاوز عن العقوبة أو التأنيب، وهذا يكون في الصغائر التي لا يسلم منها أحد وإن كان طول العشرة يدفع الزوجين إلى التنبه إلى ما يرضي الطرف الآخر وما يؤذيه ومحاولة كل طرف أن يتخلص من عيوبه، وهذا يتم بسبب الحب وإذا قدره الطرف الآخر تقديرًا صحيحا يزيد من رصيد المحبة (31).