المرأة المسلمة بين تحديات الهوية وضغط الواقع

المرأة المسلمة ليست مجرد عنصر تابع؛ بل أساس في نهضة الأمة وصلاحها، ومع تسارع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في عالم اليوم، وجدت المرأة المسلمة نفسها في مواجهة قضايا معقدة تتعلق بالهوية والدين، وبالحقوق والواجبات، وبالأدوار الأسرية والمهنية، فضلًا عن ضغوط الإعلام والعولمة التي تحاول إعادة تشكيل صورتها ودورها.
المرأة في الرؤية الإسلامية:
1- تكريم الإسلام للمرأة: الإسلام أعطاها حقوقها كاملة في العقيدة والعبادة، وفي المال والتعليم والعمل، وأكد مساواتها في الإنسانية مع الرجل: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، أي أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة، وأنهما متماثلان في أن كل واحد منهما عليه أن يؤدى نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف، أي بما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما في شريعته (1).
2- الأدوار المتوازنة: الإسلام لم يحصر المرأة في البيت فقط، ولم يذُب بها في المجتمع ذوبانًا يُفقدها خصوصيتها، بل منحها حرية الحركة ضمن إطار يضمن كرامتها وصيانة قيمتها.
هذا هو القانون العادل الشامل، نطق به القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنًا، وقد شرعه الإسلام في وقت لم يعترف أي قانون من قوانين العالم بأن للمرأة أي حق من حقوق، وفرضت عليها القوانين في العصور الغابرة كل الواجبات، فجاء الإسلام ووضع تلك القاعدة العادلة، وهي أن الحقوق يجب أن تكون متكافئة مع الواجبات، فما على الإنسان من واجبات يكافئ ماله من حقوق، وما من حق إلا تعلق به واجب، فإذا كان للرجل سلطان في البيت وعلى المرأة واجب الطاعة، فلها حق، وهو العدل.. وإذا كانت المرأة قارة في البيت قائمة بشئونه، وفرض عليها ذلك الواجب فلها حق الإنفاق.. وإذا كان عليها أن تعد البيت إعدادًا حسنًا بمقتضى العرف فلها حق المهر.. وإذا كان عليها أن تؤنس زوجها، فعليه ألا يوحشها، وقد أدرك ذلك المعنى الجليل، وهو التساوي بين الحقوق والواجبات الصحابة الأولون، حتى أن ابن عباس كان يقول: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي (2).
فالمرأة المسلمة عنصر أساسي في بناء الأمة، فهي الأم المربية، والزوجة السكن، والابنة البارة، والأخت الحانية، وفي الوقت نفسه شريكة الرجل في تحمل مسؤوليات النهضة والعمل والإصلاح، غير أن التوازن بين هذه الأدوار يحتاج إلى وعي بالثوابت الشرعية من جهة، وفهم لمتطلبات الواقع من جهة أخرى، حتى لا تُهمل المرأة جانبًا على حساب جانب آخر.
الأدوار المتوازنة للمرأة المسلمة ليست سجنًا ولا انفلاتًا، بل هي رحلة وعي تجمع بين الثبات على القيم والمرونة في الواقع، فإذا أدركت المرأة رسالتها المتعددة ووازنت بينها بحكمة، صارت عنصر قوة في بناء أسرة متماسكة ومجتمع مزدهر، وامتدت آثارها لتسهم في نهضة الأمة كلها.
3- نماذج رائدة: منذ فجر الإسلام والمرأة المسلمة تشارك في صناعة الحضارة، وتقدم نماذج مضيئة في ميادين الإيمان والعلم والتربية والجهاد والعمل الاقتصادي والاجتماعي، هذه النماذج تمثل قدوة عملية للأجيال، وتثبت أن المرأة في الإسلام ليست مهمشة، بل صاحبة رسالة ومكانة رفيعة.
خديجة بنت خويلد التاجرة، فاطمة الزهراء العابدة الزاهدة، عائشة بنت أبي بكر العالمة، نسيبة بنت كعب المجاهدة، وغيرهن كثيرات كنّ قدوة في ميدان العمل والعلم والجهاد.
هذه النماذج النسائية عبر التاريخ الإسلامي تُظهر بوضوح أن المرأة المسلمة ليست محصورة في زاوية ضيقة، بل أسهمت في كل مجالات الحياة: الدعوة، العلم، الاقتصاد، التربية، والجهاد، كل واحدة منهن قدمت رسالة للأجيال بأن الالتزام بالدين لا يتعارض مع الريادة في أي مجال، بل هو سر القوة والنجاح.
تحديات الهوية:
أخطر ما تواجهه المرأة المسلمة اليوم هو أزمة الهوية، والمتمثلة في:
* ازدواجية المعايير: من أبرز التحديات التي تواجه المرأة المسلمة في عصرنا الحديث ما يُسمّى بـ "ازدواجية المعايير"؛ وهي حالة من التضارب في الخطاب والممارسات التي تتعامل بها المجتمعات أو المؤسسات أو حتى الأفراد مع المرأة، فتُطالب بشيء وتُحاسَب على نقيضه، ويُرفع لها شعار في العلن بينما تُواجه واقعًا مختلفًا في الخفاء؛ هذه الازدواجية تُحدث اضطرابًا في الهوية، وتؤدي إلى ضغوط نفسية واجتماعية، وتُربك مسيرتها نحو التوازن والنجاح.
* الضغط الإعلامي:
يُعتبر الإعلام اليوم القوة الأكثر تأثيرًا في تشكيل العقول وصناعة القيم والتوجهات، ومع اتساع الفضاء الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المرأة المسلمة في مواجهة سيل جارف من الرسائل الإعلامية التي تحاول أن تُعيد صياغة صورتها، وتحدد معايير نجاحها وجمالها، بل وحتى دورها الاجتماعي والأسري، وهذا ما يُسمّى بالضغط الإعلامي؛ أي تلك القوة الخفية التي تُمارَس على المرأة لتغيير قناعاتها أو سلوكها بما يتماشى مع أجندات ثقافية أو تجارية أو سياسية.
الإعلام يصوّر "المرأة المثالية" في قوالب جمالية أو استهلاكية أو مهنية منفصلة عن القيم.
ومواجهة هذا الضغط لا تكون بالانسحاب الكامل ولا بالانقياد الأعمى، بل ببناء وعي متين يجعلها قادرة على الانتقاء، متمسكة بهويتها، ومشاركة في صناعة إعلام بديل يُبرز قيمتها الحقيقية.
فالمرأة المسلمة ليست صورة على شاشة؛ بل هي عقل وقلب ورسالة، ودورها أعمق وأسمى من أن يُختزل في قوالب إعلامية عابرة.
* التشويش الفكري:
تتعرض المرأة يوميًا لفيض من الأفكار المتناقضة القادمة من الإعلام، والمناهج التعليمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وحتى من بعض الخطابات الدينية غير المنضبطة؛ هذا التشويش يجعلها في حيرة بين الثوابت والمتغيرات، ويؤثر في استقرارها النفسي وهويتها الإسلامية.
حالة من الخلط والارتباك الذهني الناتج عن تضارب الرسائل والأفكار حول القيم والدين والهوية، يحدث عندما تتلقى المرأة معلومات متناقضة: بعضها يدعوها للتمسك بدينها، وبعضها الآخر يشجعها على التخلي عنه باسم الحرية أو الحداثة.
موجات الفكر النسوي المتطرف تحاول اقتلاع المرأة من أصولها الدينية والثقافية، وتقديم الحرية بمعناها الفرداني المنفصل عن الأسرة والمجتمع.
* الإحباط الداخلي:
الإحباط الداخلي من أخطر ما يواجه المرأة المسلمة في حياتها المعاصرة، فهو شعور متراكم بالعجز أو الفشل أو عدم القدرة على التوفيق بين ما تُؤمن به من قيم ومبادئ، وما يُفرض عليها من تحديات وضغوط واقعية، هذا الإحباط قد لا يكون ظاهرًا للآخرين، لكنه ينهش في نفس المرأة ويضعف عزيمتها، ويؤثر على استقرارها الأسري والاجتماعي، بل وحتى على إيمانها وهويتها.
إن شعور المرأة أحيانًا أن تمسكها بدينها يجعلها "أقل حداثة" أو "أقل مسايرة للعصر"، ما يولّد توترًا نفسيًا بين الإيمان والانتماء الاجتماعي.
الضغوط الاجتماعية والاقتصادية:
1- التعليم والعمل: كثير من النساء يواجهن صعوبة في الجمع بين متابعة التعليم العالي والعمل من جهة، ورعاية الأسرة من جهة أخرى، ومن أبرز التحديات أمام التعليم والعمل بالنسبة للمرأة المسلمة، ما يلي:
- الضغوط الأسرية: فالمرأة قد تتحمل مسؤوليات مضاعفة بين التعليم أو الوظيفة ورعاية الأسرة.
- التحرش والاستغلال: مشكلات تواجهها بعض النساء في بيئات العمل المختلطة.
- صورة الإعلام: تصوير المرأة العاملة وكأنها لا تصلح أسريًا، أو تصوير ربة البيت وكأنها بلا قيمة.
2- الأعباء الأسرية: مسؤوليات المرأة داخل الأسرة كثيرًا ما تتحول من رسالة سامية إلى عبء ثقيل حين تتعدد الأدوار وتتراكم الواجبات دون توازن أو دعم، ومع تغير أنماط الحياة الحديثة، ازدادت الأعباء الأسرية على المرأة المسلمة حتى أصبحت قضية ملحّة تستحق التأمل والمعالجة.
3- تأخر سن الزواج:
تأخر سن الزواج ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية، ولا يمكن حلها باللوم على طرف واحد، بل عبر تعاون الأسرة والمجتمع والمؤسسات، والمرأة المسلمة أمامها خياران: إما أن تنظر إلى التأخر كإحباط يعيق حياتها، أو كمرحلة تمهيدية تستثمرها في بناء نفسها روحيًا وفكريًا ومهنيًا حتى تكون أكثر استعدادًا لرسالة الزواج حين يقدّره الله؛ وهكذا يبقى الأمل حيًا، ويبقى الإيمان بأن كل رزق مؤجل له حكمة، وأن الزواج حين يأتي في وقته سيكون سكينة ورحمة.
ومن الآثار المترتبة على تأخر الزواج، ما يلي:
- آثار نفسية: شعور المرأة بالوحدة والفراغ العاطفي، وربما الإحباط والاكتئاب.
- آثار اجتماعية: فقدان بعض الفرص لتكوين أسرة، وتراجع نسب المواليد.
- آثار دينية: حرمان النفس من الإعفاف بالزواج الشرعي، مما قد يفتح أبواب الفتن.
- آثار اقتصادية: ارتفاع عدد النساء المعيلات أو المعتمدات على أسرهن.
- آثار ثقافية: انتشار أنماط تفكير تقلل من قيمة الزواج وتروّج للاستقلال الفردي المطلق.
4- العنف الأسري والتمييز:
الأسرة في الإسلام وُضعت لتكون سكنًا ومصدر مودة ورحمة، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، لكن الواقع يكشف أحيانًا عن صور مؤلمة من العنف الأسري والتمييز ضد المرأة، وهما مشكلتان تهددان استقرار البيوت وتضعفان مكانة المرأة ودورها في المجتمع، بل وتتناقضان مع القيم الإسلامية التي قامت على العدل والإحسان.
لا تزال بعض المجتمعات تمارس أنماطًا من العنف النفسي والجسدي أو التمييز ضد المرأة، رغم مخالفة ذلك لتعاليم الإسلام.
العنف الأسري والتمييز ضد المرأة ليسا من الإسلام في شيء، بل هما انحراف عن روح الشريعة التي قامت على العدل والرحمة، ومعالجة هذه الظاهرة تحتاج إلى تكامل بين الوعي الديني، والإصلاح المجتمعي، والدعم القانوني، والمرأة المسلمة التي تُمنح حقها في الاحترام والكرامة، تكون أكثر قدرة على أداء رسالتها في بناء الأسرة والمجتمع، فتظل الأسرة بيت سكن ورحمة، كما أرادها الله.
صورة المرأة في الإعلام والفضاء الرقمي:
الإعلام والفضاء الرقمي أصبحا في عصرنا الحالي من أقوى الأدوات في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام؛ بل وفي إعادة صياغة القيم والمعايير الاجتماعية، ومن بين أكثر القضايا التي تتأثر بهذا الفضاء، صورة المرأة، فالإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي لا يكتفون بعرض المرأة كما هي، بل يصنعون لها صورة قد تكون أحيانًا مشوهة أو بعيدة عن حقيقتها وهويتها الإسلامية.
* التسليع:
تحويل المرأة من كيان إنساني كريم له حقوق وواجبات ورسالة، إلى مجرد سلعة استهلاكية أو أداة جذب وتسويق، هذه الظاهرة تتناقض كليًا مع الرؤية الإسلامية التي كرّمت المرأة ورفعت شأنها، لكنها للأسف أصبحت واقعًا تُفرض صوره عبر الإعلانات والأفلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
خاصة مع ازدياد ظاهرة عرض الجسد أو الحياة الخاصة لجذب المتابعين والربح.
* الشبهات:
الشبهات من أخطر ما يواجه العقل المسلم اليوم، إذ تثير الحيرة وتضعف اليقين وتزرع الاضطراب في النفوس، والمرأة المسلمة– بما لها من دور محوري في التربية والأسرة والمجتمع– تُعد هدفًا رئيسيًا لهذه الشبهات، سواء عبر الإعلام، أو الفضاء الرقمي، أو الخطابات الفكرية المغلوطة.
ومن أبرز الشبهات الموجهة للمرأة المسلمة:
- شبهة المساواة المطلقة: الادعاء بأن الإسلام ظلم المرأة لعدم مساواتها بالرجل في كل شيء، مع إغفال الفروق الطبيعية والوظيفية بين الجنسين.
- شبهة الحجاب: تصويره على أنه قيد على حرية المرأة، بينما هو في الحقيقة تكريم وصون لها.
- شبهة تعدد الزوجات: الطعن في حكم شرعي واضح دون النظر إلى ضوابطه وحِكمه.
- شبهة الميراث: الادعاء بأن الإسلام ظلم المرأة في الميراث، مع أن الشريعة وزّعت الأنصبة بالعدل وفقًا للأعباء والمسؤوليات.
- شبهة ولاية المرأة: تصوير الإسلام وكأنه يحرم المرأة من المشاركة في الحياة العامة، رغم وجود نماذج تاريخية لنساء شاركن في السياسة والاقتصاد والتعليم.
- شبهة العنف ضد المرأة: اتهام الإسلام بأنه يقرّ ظلم المرأة، بينما الحقيقة أن الإسلام جاء ليحرم وأد البنات ويكفل الكرامة والعدل.
والشبهات ستظل موجودة ما دام هناك حق وباطل، لكن الخطر ليس في وجودها بل في ضعف مناعة المسلم أمامها، والمرأة المسلمة قادرة– إذا امتلكت العلم والإيمان– على التمييز بين الحق والباطل، وعلى أن تتحول من ضحية للشبهات إلى حصن واقٍ يحمي أبناءها وأسرتها ومجتمعها من الانجراف وراء الدعاوى الباطلة، وهكذا، تبقى يقظة العقل مع صفاء الإيمان السلاح الأقوى في مواجهة رياح الشبهات.
* التأثير النفسي:
المرأة المسلمة في عالم اليوم لا تواجه تحديات فكرية واجتماعية فقط، بل تعيش أيضًا ضغوطًا نفسية متزايدة نتيجة تعدد الأدوار والانتقادات والشبهات المفروضة عليها، هذه الضغوط تُلقي بظلالها على استقرارها الداخلي، وتوازنها العاطفي، وقدرتها على القيام بدورها في الأسرة والمجتمع.
التحديات التي تواجه المرأة المسلمة ليست مجرد قضايا اجتماعية أو فكرية، بل تترك بصمات عميقة على وجدانها وصحتها النفسية، والتعامل مع هذه الآثار يتطلب وعيًا متكاملًا: إيمانيًا، أسريًا، مجتمعيًا. فالمرأة التي تتمتع بنَفْس مطمئنة قادرة على أن تكون أمًا أكثر عطاءً، وزوجة أكثر توازنًا، وعضوًا فاعلًا في نهضة الأمة، ومن هنا تأتي أهمية رعاية الجانب النفسي للمرأة كجزء لا يتجزأ من رعاية هويتها وكرامتها.
صورة المرأة في الإعلام والفضاء الرقمي ليست مجرد مسألة فنية أو جمالية، بل هي قضية حضارية تمس الهوية والثقافة. فإذا تركنا الإعلام يشكل الصورة بلا وعي، فإن الأجيال القادمة ستنشأ على صورة مشوهة بعيدة عن حقيقة المرأة المسلمة، أما إذا وعينا المسؤولية، وأعدنا تقديم المرأة المسلمة بصورتها الحقيقية: مؤمنة، مثقفة، فاعلة في المجتمع، فسيكون للإعلام دور إيجابي في بناء وعي الأمة وحماية هويتها.
المرأة بين العمل والأسرة:
* التوازن الصعب:
من أكثر القضايا حساسية في حياة المرأة المسلمة اليوم هي قضية التوازن بين أدوارها المختلفة: كابنة، وزوجة، وأم، وطالبة، وعاملة، وفاعلة في المجتمع. هذا التوازن يبدو في كثير من الأحيان صعبًا أو حتى مستحيلًا بسبب كثرة التوقعات والضغوط، سواء من داخل الأسرة أو من المجتمع أو من الإعلام الذي يفرض صورًا مثالية بعيدة عن الواقع، وهنا يصبح التحدي الأكبر: كيف تحافظ المرأة على هويتها ورسالتها، وتنجح في أدوارها، دون أن تنهار نفسيًا أو تُستنزف طاقتها؟
التوازن الصعب ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج وعيًا وإرادة وتعاونًا، والمرأة المسلمة حين تعي أن دورها ليس منافسة الرجل، ولا الانغماس في دور واحد على حساب الآخر، وإنما السعي لتحقيق الوسطية التي هي جوهر الإسلام، تستطيع أن تحيا حياة متوازنة سعيدة، وأن تكون ركيزة حقيقية في بناء مجتمع متماسك.
* النظرة المجتمعية:
لا تعيش المرأة المسلمة في فراغ، بل تتحرك داخل مجتمع يملك منظومة من القيم والعادات والتصورات التي تؤثر بشكل مباشر على مكانتها وأدوارها، هذه النظرة المجتمعية قد تكون عامل دعم وتمكين، وقد تتحول في أحيان كثيرة إلى عائق وضغط نفسي واجتماعي.
مع العلم بأن النظرة المجتمعية للمرأة المسلمة ليست ثابتة، بل تتغير مع الزمن والتحديات، والمطلوب اليوم أن يُبنى وعي مجتمعي جديد يحرر المرأة من الصور النمطية، ويعيد تقديمها وفق ما أراده الإسلام: إنسانة كاملة الكرامة، لها حقوق وواجبات، تسهم في الأسرة كما تسهم في المجتمع، وبهذا فقط نستطيع أن نحقق التوازن بين قيم الدين ومتطلبات العصر.
* الحل الإسلامي:
حين نتحدث عن التوازن الصعب في حياة المرأة المسلمة بين أدوارها المتعددة، فإننا نجد أن الإسلام قد سبق كل الفلسفات الحديثة في وضع حل متكامل يراعي طبيعة المرأة الإنسانية، ويوازن بين حقوقها وواجباتها، ويحقق العدل دون إفراط أو تفريط، فالإسلام ليس مجرد أحكام فردية، بل منظومة قيمية وتشريعية تحفظ للمرأة مكانتها وتعينها على أداء أدوارها بكرامة وسكينة
الحل الإسلامي لمعادلة "التوازن الصعب" هو أن يدرك المجتمع أن المرأة ليست كائنًا مثاليًا يجب أن يُرضي الجميع، بل هي إنسانة مكرمة، تتدرج أدوارها بحسب طاقتها وظروفها. الإسلام قدم للمرأة مظلة رحمة وعدل، وأعطاها مفاتيح التوازن: بالإيمان، والوسطية، والتكامل الأسري، والعدل التشريعي، فإذا استعاد المسلمون هذه الرؤية القرآنية والنبويّة، تحقّق للمرأة الاستقرار.
المرأة المسلمة اليوم تقف في مفترق طرق: إما أن تنساق وراء ضغوط الواقع والتقليد الأعمى، فتنفصل عن هويتها الإسلامية وتفقد توازنها، أو أن تتمسك بدينها وتتعامل مع تحديات العصر بوعي وبصيرة، فتكون نموذجًا للنجاح المتوازن بين الأصالة والمعاصرة.
الرهان على المرأة المسلمة ليس رهانًا ثانويًا، بل هو رهان على نهضة الأمة بأكملها، فإذا استطعنا أن نمكّنها بالعلم، ونحميها بالوعي، ونوفر لها بيئة عادلة، فإنها ستظل صمام الأمان للأسرة، وحصن الهوية، وركيزة المستقبل.
***
---------------
(1) التفسير الوسيط لطنطاوي (1/ 511).
(2) زهرة التفاسير (2/ 768).
