الخلافات الأسرية في رمضان

كيف نعالجها؟
يأتي شهر رمضان ضيفًا كريمًا، يحمل معه نفحات الرحمة، وبركات الطاعة، وفرص الإصلاح، ووسائل التغيير، غير أن المفارقة المؤلمة أن بعض البيوت تستقبل هذا الشهر العظيم بمزيد من التوتر والخلافات، فتعلو الأصوات، وتشتد الخصومات، ويغيب السكون الذي شُرع الصيام لأجله، وكأن رمضان عند بعض الأسر موسم تعب نفسيّ لا موسم تزكية وطمأنينة، مع أن الأصل فيه أن يكون شهر تهذيب للنفس، وإصلاح للعلاقات، وتقوية لأواصر المودة داخل الأسرة.
أولًا: أسباب الخلافات الأسرية في رمضان:
على الرغم من أن شهر رمضان شرع ليكون موسمًا للسكينة والرحمة قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، فإن بعض البيوت تشهد فيه تصاعدًا ملحوظًا في الخلافات الأسرية، لا لأن رمضان سبب لها؛ بل لأنه يكشف ما في النفوس ويظهر ما كان خافيًا من ضعف الصبر وسوء التعامل.
فيتحول الشهر المبارك –عند بعض الناس– من فرصة للإصلاح إلى ساحة للاحتكاك والتوتر، مع أن الأولى أن يكون ميدانًا لتزكية النفوس وتقويم السلوك وتهذيب الأخلاق.
ولا يمكن علاج الداء قبل تشخيصه، ومن أبرز أسباب الخلافات الأسرية في رمضان:
1- التوتر الناتج عن تغيّر العادات اليومية:
إن تغير العادات اليومية في رمضان من أبرز أسباب الاحتكاك الأسري، إذ تنتقل النفوس فجأة من نظام مألوف إلى إيقاع مختلف، فتضطرب ساعات النوم، ويتبدل نمط الطعام، ويجتمع الجوع وقلة الراحة على نفس لم تدرب على الصبر، فيقصر حلمها ويسهل غضبها.
عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر» (1).
وأصل الصبر الحبس، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف: 28]، ففي الصوم حبس النفس عن المطاعم، وبعض اللذات (2).
غير أن هذا التحول لم يشرع ليكون امتحانًا للأخلاق؛ بل تهذيبًا لها، ولهذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة الانسياق وراء أثر الجوع والتعب، فقال: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب» (3)، قال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة (4).
فجعل ضبط السلوك جزءًا من حقيقة الصيام، فمتى تحول تغير العادات إلى مبرر لسوء الخلق دل ذلك على خلل في الفهم، لأن الصيام مدرسة لتعويد النفس على الحلم في أوقات الضعف، لا لإطلاق الغضب عند أدنى احتكاك، وفي البيوت تتجلى حقيقة الصائم، إما صبر يرفع الأجر، أو توتر يبدد بركة الشهر.
فينبغي للصائم أن يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله، ويعرف ما لزمه من حرمة الصيام.
2- غياب الفهم الصحيح لمقصد الصيام:
يختزل بعض الناس هذه العبادة العظيمة في مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بينما تبقى الأخلاق والسلوكيات بعيدة عن روح الصيام وحقيقته، وقد بين الشرع أن الصيام عبادة شاملة تهذب النفس وتقوم السلوك، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فالتقوى هي الغاية، لا الجوع والعطش.
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الفهم القاصر فقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (5)، فدل ذلك على أن سوء الخلق يفرغ الصيام من مقصده، ويحول العبادة إلى عادة، وحين يغيب هذا المعنى عن أفراد الأسرة، تصبح العصبية مبررة، وارتفاع الصوت مألوفًا، ويستباح الأذى اللفظي بحجة الصيام، مع أن الصيام في حقيقته تدريب عملي على ضبط النفس، وكف اللسان، وإشاعة السكينة داخل البيت، فمن صام عن الطعام ولم يصم عن الغضب، فقد فوت المقصد، وأضاع ثمرة العبادة، وفتح باب الخلاف في شهر أريد له أن يكون موسمًا للصفاء والإصلاح.
يظن بعض الناس أن الصيام امتناعٌ عن الطعام والشراب فقط، بينما يُطلقون ألسنتهم وأيديهم في الأذى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (6).
فالحديث لم يأت على سبيل الاستحباب؛ بل ليقرر أن ترك الرفث والصخب جزء أصيل من عبادة الصيام، وأن ضبط السلوك ليس أمرًا زائدًا على الصوم؛ بل من صميم مقصده.
وحين يغيب هذا الفهم، يتحول الصيام إلى حالة جسدية خاوية من أثرها التربوي، فيبرر الإنسان غضبه وارتفاع صوته بأنه صائم ومتعب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصيام نفسه سببًا لمزيد من الحلم لا ذريعة للتوتر.
فكل خصام أو إساءة تصدر من صائم إنما تكشف خللًا في إدراكه لحقيقة العبادة، لأن الصيام الذي لا ينهى عن الرفث والصخب، صيام لم يؤد وظيفته في تهذيب النفس وبناء الأخلاق، خاصة داخل البيت حيث تظهر حقيقة الصائم بعيدًا عن أعين الناس.
3- التكليف الزائد داخل البيت:
يعد التكليف الزائد داخل البيت من الأسباب الخفية التي تؤجج الخلافات الأسرية في رمضان، خاصة حين تتركز الأعباء كلها على طرف واحد، فيتحول التعاون المنشود إلى إرهاق صامت يولد الضيق والتوتر، فتكثف الأعمال المنزلية، وتعدد متطلبات الطعام، وضيق الوقت، مع الصيام والتعب، يجعل النفس أثقل حملًا وأقل احتمالًا، ولا سيما إذا غاب التقدير وحسن المعاملة.
وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى نموذج عملي يوازن بين العبادة والقيام بحقوق الأهل، فقد كان في خدمة أهله، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة» (7)، فدل ذلك على أن التعاون داخل البيت عبادة، وأن رفع الحرج عن الأهل من كمال الخلق لا من نقصه.
وحين يغيب هذا الفهم، ويتحول رمضان إلى موسم أوامر وتوقعات فوق الطاقة، تنكسر روح المودة، ويتحول التعب المشروع إلى سبب للنزاع، مع أن المقصد الشرعي من الصيام أن يربي في النفوس الرحمة، ويعمق معاني العدل والاحسان داخل الأسرة، لا أن يزيدها توترًا وضغوطًا.
4- تراكم الخلافات القديمة:
كثيرًا ما تنفجر الخلافات الأسرية في رمضان لا بسبب موقف آني؛ بل نتيجة تراكم طويل من المشكلات المؤجلة، التي لم تجد طريقها إلى الحوار ولا مساحة للمعالجة الهادئة، فحين تدخل النفوس الشهر الكريم وهي مثقلة بعتاب صامت وجراح مفتوحة، يصبح أدنى احتكاك شرارة تشعل نزاعًا قديمًا بثوب جديد، خاصة مع ضعف الصبر الناتج عن الجوع والتعب.
وقد حذر الشرع من إبقاء الشحناء في القلوب، وجعل إصلاح ذات البين من أعظم القربات، قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (8)، فكيف بمن يهجره في بيته وتحت سقفه.
إن دخول رمضان بخلافات غير محسومة يفرغ الشهر من روحه، ويحول فرصة التزكية إلى ساحة استدعاء للماضي، مع أن المقصد الأسمى أن يكون هذا الشهر بداية صفح جديد، لا تكرارًا لأخطاء قديمة.
ثانيًا: خطورة الخلافات الأسرية في رمضان:
ليست الخلافات الأسرية في رمضان مجرد توتر عابر أو اختلاف آراء داخل البيت، بل هي خطر حقيقي يهدد روح الشهر ويستنزف بركته، إذ يتحول البيت الذي يفترض أن يكون موضع سكينة إلى ساحة نزاع، وتضيع مع الخصومة معاني الرحمة التي نزل القرآن لترسيخها.
وقد حذر الشرع من عواقب التنازع، فقال الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [الأنفال: 46]، فالتنازع يورث الفشل، ويقضي على القوة المعنوية للأسرة، ويبدد أثر الطاعة، والأخطر من ذلك أن الشحناء والخصام من موانع قبول الأعمال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا» (9).
وفيه: أن المهاجرة والعداوة والشحناء والبغضاء من الذنوب العظام والسيئات الجسام؛ وإن لم تكن في الكبائر مذكورة، ألا ترى أنه استثنى في هذا الحديث غفرانها وخصها بذلك (10).
فإذا كان هذا الوعيد في سائر الأيام، فكيف في شهر تضاعف فيه الحسنات، وتفتح فيه أبواب الرحمة.
قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 128]،
إن استمرار الخلاف داخل الأسرة في رمضان لا يحرم الأجر فحسب؛ بل يربي الأبناء على صورة مشوهة عن العبادة، ويجعل الصيام عادة خاوية من أثرها التربوي، مع أن المقصد أن يكون الشهر موسمًا لتصفية القلوب، وتقوية الروابط، وبناء بيت تسوده المودة والطمأنينة.
ثالثًا: المنهج الشرعي في علاج الخلافات الأسرية
يقوم المنهج الشرعي في علاج الخلافات الأسرية على إصلاح القلوب قبل معالجة المواقف؛ لأن أصل النزاع غالبًا خلل في النفس لا في الحدث ذاته، وقد ربط الشرع بين العبادة وحسن المعاملة، وجعل استقامة السلوك ثمرة حقيقية للتدين، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90]، فالعدل داخل الأسرة أساس الاستقرار، والإحسان روح العلاقة.
ومن هذا المنطلق دعا الإسلام إلى استحضار عبودية الصيام في لحظات الخلاف، فلا يكون الصوم ذريعة للغضب؛ بل رادعًا عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه» (11)، وجعل التغافل عن الزلات خيرًا من تتبع العثرات، لأن دوام المحاسبة يفسد الود ويؤجج النزاع، وأكد المنهج الشرعي على إصلاح ذات البين، وتقديمه على كثير من النوافل، لما له من أثر في حفظ المودة، وبناء بيت يقوم على العفو والتسامح، لا على الاستعلاء والخصومة، فمتى التزمت الأسرة بهذا المنهج، تحول الخلاف من سبب للقطيعة إلى فرصة للتقويم، وصار رمضان موسما حقيقيا للرحمة والسكن، لا ميدانًا للتوتر والنزاع.
والإسلام لم يترك الأسرة بلا توجيه؛ بل وضع قواعد واضحة للعلاج:
- استحضار عبودية الصيام:
إن استحضار عبودية الصيام يعد الركيزة الأساسية في علاج الخلافات الأسرية في رمضان، لأن الصيام لم يشرع لتجويع الأبدان؛ بل لتربية القلوب على مراقبة الله وضبط النفس عند دواعي الغضب، فالصائم حين يستشعر أنه في عبادة مستمرة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يوقن أن الكلمة الجارحة، وارتفاع الصوت، وسوء الخلق تناقض حقيقة صيامه وإن لم تبطله، ومن هنا فإن البيت هو الميدان الحقيقي لاختبار عبودية الصيام، فإما أن يكون الصيام مدرسة للحلم والصفح، وإما أن يتحول إلى امتناع شكلي لا يثمر تقوى ولا يصلح علاقة، ومتى وعت الأسرة هذا المعنى، تبدلت نظرتها للخلاف، فصار فرصة للاحتساب والصبر، لا سببًا للتوتر والنزاع، وظهرت آثار العبادة في السلوك كما أرادها الله.
فليكن الصيام دافعًا لضبط الغضب، لا ذريعةً له.
- الرفق والحلم داخل الأسرة:
يعد الرفق والحلم داخل الأسرة من أعظم ما يعالج به الخلاف في رمضان، لأن البيوت لا تستقر بكثرة الأوامر ولا بحدة الأسلوب، وإنما تسكن بالكلمة اللينة، والنفس الهادئة، والقلب المتسع للعذر، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الرفق ميزان الخير كله، فقال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» (12)، فدل ذلك على أن غياب الرفق لا يفسد الموقف فحسب؛ بل يشوه العبادة نفسها.
والحلم في أوقات التعب والجوع ليس ضعفًا؛ بل عبودية راقية؛ لأنه كف للنفس عند قدرتها على الرد، وقد قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، وفي رمضان تتأكد هذه المعاني، لأن الصيام تدريب عملي على تهذيب الطباع، لا على إطلاق الغضب، فإذا ساد الرفق داخل البيت، خفت حدة الخلاف، وسهل تجاوز الزلات، وتحول الجو الأسري إلى بيئة تعين على الطاعة بدل أن تصرف عنها، وكان ذلك أدعى لنيل بركة الشهر، وتحقيق مقصده في بناء نفوس مطمئنة وبيوت يسودها السكن والمودة.
والبيت أولى مواضع الرفق، لا ساحات الانفعال.
- التغافل عن الزلات:
يعد التغافل عن الزلات من أنبل الأخلاق وأقوى وسائل علاج الخلافات الأسرية، لأن تتبع الأخطاء الصغيرة يراكم الضيق، ويحول الحياة داخل البيت إلى ساحة محاسبة دائمة، وليس التغافل ضعفًا ولا تنازلًا عن الحق، بل حكمة شرعية تحفظ الود وتمنع تضخم المشكلات، وقد أرشد القرآن إلى هذا الخلق الرفيع، فقال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، فجعل الإعراض عن الزلل بابًا للعفو لا بابًا للقطيعة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أوسع الناس صدرًا، يتجاوز عن الهفوات، ويقابل الخطأ بالحلم، خاصة مع أهله، فكان ذلك سببًا في دوام المودة واستقرار البيت.
عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت (13).
وقالوا فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعًا أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه، قاله في قصة (14).
فليس من الحكمة إحياء كل زلة ولا استدعاء كل تقصير، خاصة في رمضان، فالحاجة إلى التغافل فيه أشد؛ لأن النفوس أضعف احتمالًا، وأسرع تأثرًا بالجوع والتعب.
ومتى تعلم أفراد الأسرة أن بعض الأخطاء تعالج بالصمت الحكيم، لا بالجدال، صفا الجو الأسري، وحفظت القلوب من القسوة، وكان ذلك أقرب إلى روح الصيام التي تقوم على الصفح وكف الأذى.
والتغافل في رمضان عبادة، لأنه كفٌّ للنفس عن الانتقام.
- التعاون الأسري:
الأعباء إذا توزعت خفت، وإذا حملها فرد واحد أثقلت النفس وأورثت الضيق، وقد ربط الإسلام بين حسن العشرة وكمال الإيمان، فجعل القيام بحقوق الأهل جزءًا من العبادة، لا أمرًا ثانويًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم القدوة العملية في ذلك، عن عائشة، قالت: سألها رجل: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ قالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته» (15)، فجمع بين عظمة النبوة وتواضع الخدمة، ليقرر أن التعاون خلق إيماني لا ينتقص من القدر؛ بل يرفعه.
وفي رمضان تتأكد هذه القيمة، لأن الصيام مع كثرة الأعمال قد يضعف الصبر، فإذا حضر التعاون حضر معه التقدير، وزالت أسباب التوتر، وتحول العمل اليومي إلى طاعة يؤجر عليها الجميع، ومتى شاع التعاون داخل الأسرة، شعر كل فرد أنه شريك في الأجر لا مجرد متلقي للتعب، فصفا الجو، وسكنت النفوس، وكان البيت كله مهيأ للطاعة، منسجمًا مع مقصد الصيام في بناء مجتمع متراحم يبدأ من داخل الأسرة.
فالتعاون يخفف التوتر، ويزرع المودة، ويحوّل العبادة إلى عملٍ جماعي.
رابعًا: خطوات عملية لعلاج الخلافات في رمضان:
لا يكفي إدراك أسباب الخلافات الأسرية في رمضان ولا استحضار خطرها، ما لم يتحول الوعي إلى خطوات عملية تضبط السلوك وتوجه التعامل داخل البيت، فالشريعة لم تكتف بتقويم النوايا؛ بل قرنت الإيمان بالعمل، وجعلت الإصلاح منهجًا قابلًا للتطبيق في واقع الحياة اليومية.
وفي رمضان تتأكد الحاجة إلى هذا الجانب العملي، لأن النفوس تتقلب بين ضعف وقوة، وصبر وتعب، فلا بد من إجراءات حكيمة تحول دون تصاعد الخلاف، وتعين على احتوائه عند وقوعه، ومن ذلك:
- الاتفاق المسبق على نظامٍ رمضانيٍّ واضح:
إن الاتفاق المسبق على نظام رمضاني واضح يعد من أنجح الوسائل العملية للحد من الخلافات الأسرية، لأن كثيرًا من النزاع لا ينشأ عن سوء نية؛ بل عن غياب التنظيم وتضارب التوقعات، فحين تدخل الأسرة رمضان بلا تصور مشترك لمواعيد النوم، والعبادة، والعمل المنزلي، تتزاحم المسؤوليات، ويكثر الاحتكاك، وتضعف النفوس عن الاحتمال، وقد حث الشرع على إحكام الأمور وردها إلى النظام، فقال الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، فجعل التشاور أصلًا في تدبير شؤون الحياة، وأولى الناس بذلك أهل البيت.
كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة التوازن وحسن التدبير، فقال: «سدّدوا وقاربوا» (16)، أي الزموا الاعتدال ولا تحملوا أنفسكم فوق طاقتها، والاتفاق المسبق يزرع الطمأنينة، ويخفف المفاجآت، ويجعل كل فرد على بينة من دوره، فيتحول رمضان من موسم ارتباك إلى شهر انتظام وسكينة، ومتى اجتمع وضوح النظام مع حسن النية، صار الالتزام به عبادة، وساهم في تهدئة النفوس، وحفظ المودة، وتهيئة البيت لأجواء تعين على الطاعة، وتحقق المقصد الأسمى من الصيام.
وتنظيم النوم، والعبادات، والأعمال المنزلية يقلل أسباب الاحتكاك.
- تأجيل النقاش وقت الغضب:
يعد تأجيل النقاش وقت الغضب من أنضج صور الحكمة في علاج الخلافات الأسرية، لأن الكلمة في لحظة الانفعال لا تخرج موزونة، ولا تقود غالبًا إلى حل؛ بل تزيد الجرح عمقًا والخلاف اتساعًا، وقد نبه الشرع إلى خطورة الغضب، وجعله مدخلًا لكثير من الشرور، حتى أوصى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا فقال: «لا تغضب»، وكررها مرارًا (17)، إشارة إلى أن كف الغضب أصل في السلامة.
ولأن الصائم أضعف احتمالًا، وأسرع تأثرًا بالجوع والتعب، فكان من الفقه أن يؤجل الحوار حتى تهدأ النفوس، وتستعيد العقول اتزانها، وتأجيل النقاش ليس هروبًا من المشكلة؛ بل حفظ لها من التضخم، وفرصة لإعادة ترتيب الكلمات بنية الإصلاح لا الانتصار للنفس، ومتى التزمت الأسرة بهذا الخلق، تحولت الخلافات من صدام لحظي إلى حوار هادئ مثمر، يحقق المقصود من الصيام في تهذيب السلوك، وبناء علاقات تقوم على العقل والحلم لا على الانفعال والخصام.
ليس كل خلاف يُحل فورًا، وتأجيل الحوار حتى تهدأ النفوس أقرب للحكمة.
- الاعتذار ثقافة لا ضعف:
ليس الاعتذار هزيمة في ميزان الكرامة؛ بل انتصار على هوى النفس، وكسر لحدة الخلاف قبل أن يستفحل. ففي البيوت لا تقاس القوة بعلو الصوت ولا بالتمسك بالرأي، وإنما بالقدرة على الرجوع إلى الحق وتهدئة القلوب بكلمة صادقة، وقد قرر الشرع هذا المعنى حين جعل الصلح خيرًا مطلقًا، فقال تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]، وجعل التواضع سببًا للرفعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه» (18).
وفي رمضان تتجلى قيمة الاعتذار أكثر، لأن الصائم مأمور بحفظ لسانه، وكف أذاه، وطلب الأجر لا المغالبة، وحين تصبح ثقافة الاعتذار سلوكًا مألوفًا داخل الأسرة، تنطفئ كثير من النزاعات قبل ولادتها، وتتحول الزلات العابرة إلى جسور مودة، ويستعيد البيت هدوءه وانسجامه، منسجما مع روح الشهر الذي بني على العفو والصفح قبل أي شيء آخر.
فالاعتذار في رمضان عبادة، وكسرٌ للكبر، وسببٌ لرضا الله.
- الدعاء داخل البيت:
ليس هناك ما يربط القلوب ويطفئ نار الخلاف مثل الدعاء الجماعي داخل البيت، فهو صلاة القلوب قبل الألسنة، ووسيلة لتوحيد النفوس على طاعة الله ومودة بين أفراد الأسرة، ففي لحظة رفع اليدين بالدعاء بعد الإفطار، يشعر الجميع بأن ما بينهم من خلافات مؤقتة قد وُضِع جانبًا، وأن رب البيت حاضر يعينهم ويهديهم.
وقد أمر الله تعالى بالدعاء وبيّن أثره العظيم في جمع القلوب، فقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على دعاء أهله، فجعل البيت موطنًا للسكينة والبركة.
إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين (19).
وفي رمضان يزداد أثر الدعاء، لأنه يذكّر الصائمين بأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب؛ بل تدريب للنفس على الحلم والصفح وكف الأذى، ومتى أصبح الدعاء سلوكًا معتادًا في البيت، تحول الخلاف من صدام محتمل إلى فرصة للصفاء، وعاد الجو الأسري حاضنًا للمودة، متوافقًا مع روح الشهر التي أرادها الله شهر رحمة وسكينة.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» (20).
ختامًا: رمضان ليس شهرَ الجوع والعصبية؛ بل شهرَ الصفح والرحمة، وهو فرصةٌ سنوية لإعادة بناء الأسرة على أساس التقوى والمودة، فطوبى لبيتٍ دخل عليه رمضان فطهّر قلوب أهله قبل موائدهم، وأصلح علاقاتهم قبل أعمالهم، وجعل من الصيام جسرًا للسلام لا ساحةً للنزاع.
***
------------
(1) أخرجه النسائي (2408).
(2) شرح السنة للبغوي (6/ 219).
(3) أخرجه البخاري (1904).
(4) فتح الباري لابن حجر (4/ 104).
(5) أخرجه البخاري (1903).
(6) أخرجه مسلم (1151).
(7) أخرجه البخاري (6039).
(8) أخرجه البخاري (6073).
(9) أخرجه مسلم (2565).
(10) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (21/ 262).
(11) أخرجه ابن حبان (551).
(12) تقدم تخريجه.
(13) أخرجه البخاري (5225).
(14) فتح الباري لابن حجر (9/ 325).
(15) أخرجه ابن حبان (6440).
(16) أخرجه البخاري (6463).
(17) أخرجه البخاري (6116).
(18) أخرجه مسلم (2588).
(19) في ظلال القرآن (1/ 173).
(20) أخرجه أبو داود (2357).
