logo

كيف نصنع جيلًا صالحًا؟


بتاريخ : الاثنين ، 7 شعبان ، 1447 الموافق 26 يناير 2026
كيف نصنع جيلًا صالحًا؟

قواعد في تربية الأبناء

الأبناء زينة الحياة الدنيا، وامتداد العمر بعد الرحيل، وهم الأمانة الثقيلة التي أودعها الله في أعناق الآباء والأمهات، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46].

ولكن هذه الزينة ليست للتفاخر والمباهاة فحسب، وإنما هي أمانة ومسؤولية عظيمة، إذ سيُسأل الوالد عن ولده: هل رباه على طاعة الله؟ وهل علمه الخير وأبعده عن مواطن الشر؟ جاء في الحديث الشريف: «كلكم راع ومسئول عن رعيته» (1).

فصلاح الأبناء ليس أمرًا عرضيًا؛ بل هو صناعة متقنة وجهد متواصل، يبدأ منذ اللحظة الأولى لميلاد الطفل، بل قبل ميلاده، حين يختار المرء شريك حياته الصالح، لذلك قال بعض السلف: أول ما يُبرّ الرجل ولده أن يختار له أمًّا صالحة، فصلاح الجيل يبدأ من صلاح الأسرة.

إنّ الجيل الصالح لا يصنع بالصدفة، بل بتربية واعية، تقوم على أسس إيمانية راسخة، وتربية أخلاقية متينة، وتوجيه تربوي حكيم، ومتى ما نجحنا في تربية أبنائنا فقد أسهمنا في صناعة مستقبل الأمة؛ لأن الأبناء هم رجال الغد وحملة الأمانة من بعدنا.

القدوة الصالحة أساس التربية:

التربية بالقدوة هي الركيزة الأولى لصناعة جيل صالح، فالطفل يتعلّم بالعين أكثر مما يتعلّم بالأذن، ويقلّد أفعال والديه قبل أن يحفظ وصاياهم، إنّ الأبناء يرون في آبائهم وأمهاتهم النموذج العملي، فإذا وجدوا الصدق في سلوكهم، والأمانة في تعاملهم، وحسن الخلق في كلامهم، تربّوا على ذلك من غير تكلف.

لقد جعل الإسلام القدوة وسيلة للتربية منذ البداية، فقال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21].

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرّد واعظ بالكلمات، بل كان قدوة حية، يعيش ما يقول، ويطبق ما يدعو إليه، وحين رأى الصحابة أمانته وصدقه ورحمته، أحبّوه واتبعوه، وهكذا يقتدي الأبناء بوالديهم.

إنّ الوالد الذي يأمر ابنه بالصلاة ولا يصلي، أو يوصيه بترك الكذب ثم يكذب أمامه، أو يعلّمه الصبر ثم يثور عند كل موقف، لا يمكن أن يصنع جيلًا صالحًا، بل سيكون ذلك سببًا في ازدواجية شخصية الابن واضطراب سلوكه.

وقد جاء في الأثر: "استقيموا يستقم بكم"، أي أن استقامة الآباء طريق لاستقامة الأبناء، فالقدوة ليست مجرد أسلوب تربوي، بل هي مفتاح صناعة القيم في نفوس الصغار، وهي أقصر طريق لغرس الفضائل في القلوب.

القاعدة الأولى: التربية الإيمانية– غرس العقيدة والعبادة في قلوب الأبناء:

التربية الصالحة تبدأ من أعماق الإيمان، فمن نشأ قلبه على التوحيد، وامتلأ وجدانه بحب الله، واستقامت جوارحه على العبادة، كان أقرب إلى الصلاح والاستقامة، ولهذا اعتنى الإسلام بتربية العقيدة منذ نعومة الأظفار، فهي الحصن الحصين أمام الفتن، والأساس المتين لكل خُلق وسلوك.

أولًا: غرس التوحيد منذ الصغر:

أول ما يزرع في قلب الطفل هو التوحيد؛ أن يعرف أن الله هو الخالق الرازق، وأنه يراه ويسمعه، فالتربية الإيمانية تبدأ من كلمة "الله"، ومن غرس معاني الرقابة الإلهية، كما قال لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} [لقمان: 16]. أي يا ولدي، إن الحسنة والسيئة أو المظلمة والخطيئة، لو كانت تساوي وزن أو مثقال حبة خردل، ولو كانت في أخفى مكان كجوف صخرة، أو في أعلى مكان كالسموات، أو في أسفل موضع كباطن الأرض، لأحضرها الله يوم القيامة حين الحساب، ووزن الأعمال، والمجازاة عليها خيرًا أو شرًا، كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47]، وقال سبحانه:

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 7- 8]. وقوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} يراد به المبالغة والانتهاء في التفهيم.

والمقصود من الآية بيان سعة علم الله، فهو يعلم الغيب والشهادة، ويطلع على جميع أعمال عباده، لموافاتهم بجزائها يوم القيامة.

بهذه الكلمات العظيمة غرس لقمان في ابنه مراقبة الله واليقين بعلمه وقدرته.

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس وهو غلام صغير بكلمات عظيمة فقال: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (2).

هذه الكلمات البسيطة تختصر منهج التربية الإيمانية، وتغرس في قلب الناشئة الثقة بالله، والاعتماد عليه، واليقين بقدرته.

ثانيًا: تعويدهم على الصلاة والعبادات:

الصلاة هي عمود الدين، وهي الصلة اليومية بين العبد وربه، ولا صلاح لجيل لا يعرف الصلاة، لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعويد الأبناء على الصلاة منذ السابعة، فقال: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» (3).

وهذا ليس عنفًا، بل هو تدريب تدريجي، يبدأ بالتشجيع والتحبيب، ثم بالمتابعة، حتى تصبح الصلاة عادة محببة في حياة الطفل.

الصلاة هي أعظم وسيلة لتربية الأبناء على الإيمان، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].

فالوالدان مأموران بالصبر في تعليم أبنائهما الصلاة، لا مجرد الأمر بها، بل بالقدوة العملية: أن يروا أباهم وأمهم يحافظان على الصلاة بخشوع وطمأنينة، فينشئون محبين لها.

أما الصيام، فهو أيضًا مدرسة للتربية، ويستحب تعويد الأطفال عليه بالتدرّج، حتى ينشؤوا على حب العبادة والشعور بروحانية الشهر الفضيل.

عن الربيع بنت معوذ، قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا، فليتم بقية يومه ومن أصبح صائمًا، فليصم»، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار (4).

ثالثًا: ربطهم بالقرآن منذ الطفولة:

القرآن هو دستور الحياة، ونور القلوب، وكلما اعتاد الطفل سماعه وتلاوته منذ الصغر، كان ذلك أرسخ في قلبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (5)، أي خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن لا في غيره، إذ خير الكلام كلام الله، فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر على نفسه، أو المراد خيرية خاصة من هذه الجهة أي جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط (6).

فالوالدان مسؤولان عن غرس حب القرآن في أولادهم، ليس بمجرد إلزامهم بالحفظ، بل بجعل القرآن جزءًا من الجو الأسري اليومي: تلاوة عند الفجر، أو قبل النوم، أو مجلس عائلي أسبوعي.

لبناء علاقة قوية مع القرآن الكريم، يجب تلاوته بتدبر، وفهم معانيه، وتطبيق أحكامه في الحياة اليومية، والالتزام بآدابه، والخشية من الله لفتح أسرار الكتاب، مع تخصيص برنامج يومي لتلاوته وتكرار ما تم حفظه، والاستعانة بالدعاء والمسابقات لتعزيز حب القرآن.

رابعًا: التربية على مراقبة الله:

ذكر الله تعالى من تربية لقمان لابنه أنه قال له: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16] وفي هذا لفتة كريمة للآباء والمربين عند زجر الأبناء وتخويفهم: أن يكون التخويف بالله، والدعوة لمراقبته واستحضار علمه واطلاعه جل شأنه.

من أعظم ما يزكّي نفس الطفل أن يُربّى على أن الله مطّلع عليه، يرى أفعاله ويسمع كلماته، فالمربي الذكي لا يراقب طفله بعينه دائمًا، بل يعلّمه أن هناك رقيبًا أعظم: الله جل جلاله، وهذه التربية هي التي تصنع الضمير الحيّ الذي يردع الابن حين يغيب الوالدان.

وفي تراجم السلف: قال سهل التستري: كان خالي محمد بن سوار يقول لي وأنا ابن ثلاث سنين، قل: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهد علي، ويأمرني أن أكرر ذلك (7).

وتزداد الحاجة إلى هذه القيم خاصةً هذه الأيام التي انتشرت فيها وسائل الغواية والضلال دون رقيبٍ أو حسيب، “قيمة المراقبة”، مراقبة الله عزّ وجل في كلِّ وقت وفي كلِّ حين، وهذا الخلق كفيل بأن يحفظ أبناءنا من الوقوع في المهلكات، وجديرٌ بأن يعصمهم من الوقوع في الزلل والخطايا، إن أحسنا غرسه في نفوسهم.

وللوالدين دور رئيس في غرس هذه المعاني في نفوس أطفالهم، التي لها أكبر الأثر في استقامتهم ونجاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

خامسًا: الدعاء سلاح المربين:

لا تكفي الجهود البشرية وحدها، فالهداية بيد الله. لذلك كان الأنبياء يكثرون من الدعاء لأولادهم: قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40].

وقال زكريا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38].

فينبغي على الوالدين أن يكثروا من الدعاء لأولادهم بالهداية والصلاح، وأن يتوسلوا إلى الله بدموع الرجاء أن يحفظهم من الفتن.

 

القاعدة الثانية: التربية بالحب والرحمة:

لا تنجح أي تربية قائمة على القسوة وحدها، ولا تنمو نفس الطفل في بيئة جافة تخلو من الحنان، فالحب هو التربة الخصبة التي تنبت فيها بذور القيم، والرحمة هي الهواء النقي الذي تتنفسه أرواح الأبناء، ومن دون الحب تصبح التربية قهرًا، وتتحوّل النصائح إلى أوامر ثقيلة يهرب منها الأبناء بدل أن يتقبّلوها.

التربية بالحب والرحمة هي نهج تربوي يعتمد على إظهار المشاعر الودودة وتقديم الدعم العاطفي للطفل بدلًا من العقاب الجسدي أو النفسي، يقوم هذا النهج على فهم مشاعر الطفل، وتعزيز استجاباته الصحية، ووضع حدود واضحة مع الحفاظ على الاحترام لشخصيته، وذلك لتعزيز الوعي الذاتي لديه وتطوير شخصيته الإيجابية.

أولًا: النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا في الرحمة مع الأطفال:

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالصغار، يقبّلهم ويحتضنهم، ويجلسهم على حجره، جاء في الحديث الشريف أن الأقرع بن حابس رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبّل الحسن أو الحسين، فقال متعجبًا: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت واحدًا منهم! فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «من لا يَرحم لا يُرحم» (8).

وهذا يبيّن أن الحب والرحمة أساس التربية النبوية، وأن القسوة ليست دليل رجولة ولا هيبة، بل علامة على قسوة القلب.

أيها الآباء إن القبلة للابن هي واحد من تعابير الرحمة، نعم الرحمة التي ركّز عليها القرآن، وقال الله عنها سرٌ لجذب الناس إلى المعتقد، وحينما تُفقد هذه الرحمة من سلوكنا مع أبنائنا فنحن أبعدنا أبناءنا عنا سواءً أكنا أفرادًا أو دعاة لمعتقد وهو الإسلام.

ثانيًا: الحب مصدر الثقة بالنفس:

الطفل الذي يغمره والده ووالدته بالمحبة يشعر بالأمان، ويكتسب ثقة بالنفس تجعله قادرًا على مواجهة التحديات، بينما الطفل الذي ينشأ في بيئة باردة عاطفيًا، غالبًا ما يكبر وهو يبحث عن الحب في أماكن خاطئة، وقد ينجرف وراء صحبة سيئة أو سلوكيات منحرفة.

الحب لا يعني الدلال الزائد، بل يعني أن نُشعر أبناءنا بقيمتهم، وأن نُظهر لهم الاهتمام بكلمات بسيطة: "أحبك"، "أنا فخور بك"، "أنت نعمة من الله".

ثالثًا: التوازن بين الحب والحزم:

الحب لا يُلغي الحزم، بل يكمله، فالتربية الناجحة تقوم على جناحين: جناح العاطفة وجناح الانضباط، فإذا زاد الحزم بلا حب تحوّل إلى قسوة، وإذا زاد الحب بلا انضباط تحوّل إلى دلال مفسد.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الاثنين: رحمة عظيمة، لكن مع ذلك كان يوجّه وينصح ويصحّح، فقد جاءه غلام يستأذنه في الزنا، فلم يعنفه ولم يوبّخه أمام الناس، بل قرّبه وقال له: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟» حتى اقتنع الغلام وخرج وهو يقول: دخلت على رسول الله وما من شيء أحب إليّ من الزنا، وخرجت من عنده وما من شيء أبغض إليّ منه (9).

رابعًا: التواصل العاطفي اليومي:

إن التربية بالحب تعني القدرة على التواصل مع أطفالنا بطريقة يشعرون بها بصدق المحبة، والقرب منهم، وإرادة الخير لهم، واحترام كرامتهم وتقدير ذاتهم، دون ازدراء أو تحقير، وترجمة هذا الحب عن طريق الحوار والتواصل بصورة إيجابية، وتعزيز الاحترام المتبادل، وتشجيع السلوك الجيد الذي يرغب الوالد بظهوره عند طفله بدل التركيز فقط على معاقبة السلوك المذموم إذا ما صدر منه.

والتربية بالحب تعني أن تكون صديقًا لابنك أو ابنتك عندما يحتاجان إلى النصيحة، أو يرغبان في السؤال، أو يقعان في مشكلة، أو يقترفان خطأ، أو يبديان رأيًا، أو يتمنيان أمرًا، فتستطيع من خلال ذلك تربيتهم وتزكية نفوسهم وكسب قلوبهم، وانظروا- رعاكم الله- إلى هذا الحب والقرب من الأبناء، الذي جعل من يوسف الطفل الصغير يقص على أبيه حتى أحلامه وهو في هذه السن الصغيرة، قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].

الحب لا يقتصر على المناسبات، بل يجب أن يكون عادة يومية، نظرة حانية، ابتسامة، كلمة لطيفة، مشاركة في اللعب أو في وجبة طعام، كلها وسائل بسيطة لكنها عميقة الأثر في نفوس الأبناء.

القاعدة الثالثة: التربية بالعلم والمعرفة:

إذا كان الإيمان يزكّي القلب، والحب يروي الروح، فإن العلم ينير العقل، وبدون العلم لا يمكن أن يكتمل بناء الجيل الصالح، فالأبناء أمانة، وتزويدهم بالعلم والمعرفة هو السبيل لجعلهم قادرين على مواجهة تحديات الحياة، وحمل رسالة الأمة من بعدنا.

أولًا: طلب العلم عبادة:

الإسلام جعل طلب العلم عبادة، بل قرنه بالعبادات الكبرى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» (10).

فالعلم ليس رفاهية، بل هو عبادة تؤجر عليها الأسرة التي تحفّز أبناءها على التعلّم، وتغرس فيهم حب القراءة والتفكير.

ثانيًا: غرس حب القراءة منذ الصغر:

الطفل الذي ينشأ في بيت فيه كتب، وتُسمع فيه القصص النافعة، وتُحكى فيه السيرة النبوية، يكبر وعقله عامر بالمعاني العميقة. والقراءة ليست مجرد ترف ثقافي، بل هي وسيلة لتوسيع مدارك الأبناء، وتعليمهم لغة الحوار، وتحصينهم ضد الجهل والشبهات.

ولهذا كان أول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ} [العلق: 1]، كأنما أراد الله أن يضع القراءة على رأس منهج بناء الأمة.

ثالثًا: التربية على التفكير والنقد:

جيل اليوم يواجه سيلًا من الأفكار والمعلومات عبر الإنترنت ووسائل الإعلام. لذلك لا يكفي أن نزوّد أبناءنا بالمعلومات، بل ينبغي أن نعلّمهم كيف يفكّرون، أن ندرّبهم على التمييز بين الصواب والخطأ، وعلى السؤال الواعي، وعلى استخدام عقولهم قبل التقليد الأعمى.

وهذا ما أشار إليه القرآن مرارًا: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} {أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ}، فالإيمان الحقّ لا يناقض العقل، بل يوجّهه ويهديه.

رابعًا: العلم النافع لا العلم المجرّد:

المقصود بالتربية بالعلم ليس مجرد تحصيل الدرجات والشهادات، بل أن نوجّه أبناءنا إلى العلم النافع الذي يبني الإنسان والمجتمع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» (11).

أي علم لا أعمل به ولا أعلمه ولا يبدل أخلاقي وأقوالي وأفعالي أو علم لا يحتاج إليه في الدين ولا في تعلمه إذن شرعي (12).

وهو ما لم يؤذن في تعلمه شرعًا، أو ما لا يصحبه عمل، أو ما لا يهذب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة ويفوز بها إلى الثواب الآجل (13).

فالعلم النافع هو الذي يقود إلى العمل، ويثمر أخلاقًا راقية، ويجعل صاحبه نافعًا لأمته.

خامسًا: دور الوالدين في متابعة التعليم:

مسؤولية التربية بالعلم لا تقتصر على المدرسة، بل تبدأ من البيت، على الآباء أن يتابعوا أبناءهم، ويهتموا بدروسهم، ويشجّعوهم عند التفوق، ويعينوهم عند التعثر، فالتشجيع والدعم النفسي قد يكون أهم من الدروس الخصوصية أحيانًا.

ويتضمن ذلك تهيئة بيئة تعليمية داعمة في المنزل، والمساعدة في الواجبات المدرسية، والتواصل المنتظم مع المدرسة والمعلمين، وتشجيع الطفل وتحفيزه، والمشاركة الفعالة في الأنشطة المدرسية، وتعزيز الاستقلالية والثقة بالنفس لدى الطالب.

القاعدة الرابعة: التربية بالمسؤولية والانضباط:

من أكبر الأخطاء التربوية أن ينشأ الطفل مدلّلًا لا يعرف معنى المسؤولية، أو أن يعيش في فوضى بلا نظام يضبط وقته وسلوكه، فالتربية الحقيقية لا تقتصر على إشباع رغبات الأبناء، بل تهدف إلى إعدادهم ليكونوا رجالًا ونساءً قادرين على تحمّل أمانة الحياة.

أولًا: غرس روح المسؤولية منذ الصغر:

المسؤولية لا تُكتسب فجأة عند البلوغ، بل تُغرس في سنين الطفولة الأولى، حين نطلب من الطفل أن يرتّب سريره بنفسه، أو أن يساعد في إعداد المائدة، أو أن يذاكر دروسه في وقت محدّد، فإننا نزرع فيه بذور المسؤولية.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (14).

فالمسؤولية سمة المؤمن، وإذا نشأ الطفل عليها صار في شبابه رجلًا يعرف واجباته قبل أن يطالب بحقوقه.

ثانيًا: التربية بالعمل والمشاركة:

التربية بالعمل والمشاركة هما منهجان تربويان يعتمدان على الخبرة العملية وتفاعل الأفراد في بيئة تعليمية لتنمية مهاراتهم وتطوير شخصياتهم، تهدف التربية العملية إلى ربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، بينما تعني المشاركة توسيع دور الأفراد في العملية التربوية من خلال التعاون بين المدرسة والمنزل والمجتمع، مما يعزز نجاح الطفل ويحقق التنشئة المتوازنة.

التربية بالمسؤولية تعني أن يكون للأبناء دور عملي في حياتهم اليومية، فمن الخطأ أن يعيش الابن أو البنت معتمدًا كليًا على الوالدين في كل صغيرة وكبيرة.

يمكن إشراكهم في أعمال البيت، وفي خدمة الآخرين، وفي المشاركة في الأنشطة الجماعية، فهذا يعوّدهم على العمل الجماعي، وعلى الشعور بأن لهم دورًا في المجتمع.

ثالثًا: الانضباط في الوقت:

الوقت هو الحياة، وضياعه ضياع للإنسان. لذلك ينبغي أن نعلّم أبناءنا منذ الصغر قيمة الوقت، وأن لكل نشاط وقتًا محددًا: وقت للنوم، وقت للدراسة، وقت للعب، وقت للعبادة.

وقد أقسم الله تعالى بالزمن في قوله: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} [العصر: 1- 2].

وكأن الله ينبهنا إلى أن أعظم ما نخسره هو ضياع أعمارنا، فإذا شبّ الابن منضبطًا في وقته، نشأ منظمًا في حياته كلها.

لتربية الأطفال على الانضباط في الوقت، يجب على الوالدين وضع جداول زمنية واضحة، وضع قواعد وتوقعات محددة، تعزيز المهارات الذاتية مثل إدارة الوقت، استخدام تعزيز إيجابي للسلوكيات الجيدة، وتوفير بيئة منظمة، بالإضافة إلى التحلي بالصبر والقدوة الحسنة، مع التركيز على تعليم قيمة الوقت منذ الصغر في جو من الثقة والاحترام المتبادل.

رابعًا: التوازن بين الحرية والضبط:

ليس المقصود بالمسؤولية أن نحاصر الأبناء بقيود صارمة، بل أن نمنحهم قدرًا من الحرية المراقَبة التي تعوّدهم على الاختيار السليم، فإذا أخطأوا نتدرج معهم في التوجيه، ونبيّن لهم عواقب قراراتهم، حتى يتعلموا من تجاربهم.

خامسًا: القدوة العملية في الانضباط:

الأب الذي يحافظ على مواعيده، والأم التي تنظّم وقتها، يغرسون في أبنائهم معنى الانضباط من غير أن يتكلموا، أما إذا كان البيت قائمًا على الفوضى، فلن تفلح الكلمات مهما كانت عظيمة.

القاعدة الخامسة: حماية الأبناء من الفتن:

لقد أصبح الأبناء اليوم يعيشون في عالم مليء بالفتن، فتنة الشبهات التي تفسد العقول، وفتنة الشهوات التي تفسد القلوب، وفتنة الإعلام المفتوح الذي غزا البيوت والهواتف، وفتنة الأصدقاء الذين قد يجرّونهم إلى طرق مظلمة، ومن هنا تأتي مسؤولية الوالدين في أن يقيَا أبناءهما هذه الفتن، مستضيئين بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].

فالأبناء ليسوا أحرارًا يواجهون وحدهم أمواج الفتن، بل هم أمانة تحتاج إلى حراسة ومتابعة.

أولًا: التربية على الوعي الديني والفكري:

الفتن تبدأ غالبًا بضعف الوعي. فإذا غرسنا في الأبناء إيمانًا قويًا وفهمًا صحيحًا لدينهم، صاروا قادرين على تمييز الحق من الباطل. فالطفل الذي يحفظ القرآن ويعرف سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم، لن تنطلي عليه الشبهات بسهولة.

ثانيًا: الرقابة الواعية لا القمعية:

الأبناء يحتاجون إلى متابعة، لكن المتابعة يجب أن تكون ذكية، تقوم على الحوار والإقناع، لا على التجسس والقمع، فإذا شعر الابن أن والديه يثقون به، صار صادقًا معهم وأخبرهم بما يواجهه، أما إذا عاش في خوف وكبت، فسوف يخفي عنهم حياته الحقيقية، وقد يسقط في الفتن من حيث لا يعلمون.

ثالثًا: ترشيد استخدام التقنية:

أخطر ما يواجه الأبناء اليوم هو الانفتاح غير المنضبط عبر الإنترنت، لذلك لا بد من توجيههم إلى الاستخدام السليم، وتحديد أوقات للشاشات، وتوفير بدائل نافعة: كالمطالعة، والأنشطة الرياضية، والمجالس العائلية، والرحلات التربوية.

ترشيد استخدام التقنية يعني الاستخدام الأمثل والفعال لها لخفض الهدر وتحقيق الكفاءة، وهو ما يشمل ترشيد استهلاك الطاقة من خلال مبادرات مثل استخدام تقنيات الطاقة المتجددة والموفرة، وكذلك ترشيد استخدام التطبيقات والبرامج لتقليل التكاليف وتحسين الأداء، بالإضافة إلى توجيه استخدام الأطفال للتكنولوجيا لضمان توازن صحي بينها وبين الأنشطة الواقعية.

رابعًا: اختيار الصحبة الصالحة:

الصحبة باب واسع من أبواب الفتن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (15)، أي فليتأمل أحدكم بعين بصيرته إلى امرئ يريد صداقته فمن رضي دينه وخلقه صادقه وإلا تجنبه.

وقال الغزالي: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا، لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري (16).

فلا بد للوالدين من متابعة أصدقاء الأبناء، وتشجيعهم على مجالسة الأخيار، وحضور حلقات العلم، والانخراط في أنشطة نافعة تحيطهم بأجواء صالحة.

خامسًا: التربية على الصمود أمام الضغوط:

ليس الحل أن نعزل الأبناء عن العالم، فهذا غير ممكن، بل الحل أن نزرع فيهم مناعة داخلية تجعلهم يقاومون الفتن، نعلّمهم أن يقولوا "لا" لما يخالف قيمهم، وأن يتحلّوا بالشجاعة في مواجهة السوء، وأن يستشعروا رقابة الله قبل رقابة البشر.

إن صناعة جيل صالح ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة، هي تحتاج إلى صبر، ومجاهدة، ووعي بأن أبناءنا ليسوا ملكًا لنا وحدنا، بل هم أمانة لله تعالى بين أيدينا.

***

---------------

(1) أخرجه البخاري (2409)، ومسلم (1829).

(2) أخرجه الترمذي (2516).

(3) أخرجه أبو داود (495).

(4) أخرجه البخاري (1960).

(5) أخرجه البخاري (5027).

(6) فيض القدير (3/ 499).

(7) إحياء علوم الدين (3/ 74).

(8) أخرجه البخاري (5997)، ومسلم (2318).

(9) أخرجه أحمد (22211).

(10) أخرجه مسلم (2699).

(11) أخرجه مسلم (2722).

(12) فيض القدير (2/ 154).

(13) فيض القدير (2/ 102).

(14) سبق تخريجه.

(15) أخرجه الترمذي (4833).

(16) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3142).