logo

عندما يكون الصمت جريمة


بتاريخ : الثلاثاء ، 10 رجب ، 1447 الموافق 30 ديسمبر 2025
عندما يكون الصمت جريمة

ليس الصمت دائمًا حكمة، كما أنه ليس في كل موطنٍ دليلَ عقلٍ أو فطنة، فكما أن للكلمة موضعًا، فإن للصمت موضعًا، غير أن أخطرَ أنواع الصمت هو ذاك الذي يُغري الباطل بالانتفاش، ويُثبِّطُ الحقَّ عن الظهور، ويجعل أهل الفساد يمرحون في غفلةٍ من أهل الحق الذين آثروا السكوت بحجة الحياد أو الخوف أو المداراة.

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: رب خشيت الناس، قال: فأنا أحق أن تخشى» (1).

إنّ الكلمة الصادقة هي نبض الحق في وجه الزيف، وهي صرخة الضمير حين تتكدّس الغشاوة على العقول، وهي روح الدعوة في وجه الفتنة والضلال، أما الصمت في مواطن الحق، فهو سكونٌ قاتل، يُطفئ نور الهداية ويُمهِّدُ للباطل سبيلًا ليعلو ويستطيل، وفي تاريخ الدعوات مواقفُ لا يُقاس فيها الفضل بكثرة الكلام، بل بصدق الموقف حين يكون الكلام فرضًا والبيان واجبًا والصمت جريمة والكتمان خيانة.

لقد جعل الله تعالى البيانَ أمانةً في أعناق العلماء والدعاة، وحمّلهم مسؤولية الكلمة، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} [البقرة: 159- 160].

فالكتمان هنا ليس مجرد سكوت، بل جريمة في حق الحق، لأنها تسلّم زمام الأمة لأهل الباطل.

والكتم والكتمان: إخفاء الشيء قصدًا مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره.

وكتم ما أنزل الله يتناول إخفاء ما أنزله، وعدم ذكره للناس، وإزالته عن موضعه ووضع شيء آخر موضعه، كما يتناول تحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جريًا مع الأهواء (2).

قال القاضي: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه، وحصول الداعي إلى إظهاره، لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتمانًا، فلما كان ما أنزله الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان، كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان، إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها، وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر، لأن الكتمان مما يشق على النفس.

هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، وقريب منهما قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} [البقرة: 174]، فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيها للناس وزاجرة عن كتمانها، ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] (3).

قال ابن كثير: هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه، التي أنزلها على رسله (4).

قال القشيري: الإشارة في هذه الآية لمن كاشفه الحقّ سبحانه بعلم من آداب السلوك ثم ضنّ بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت في الوقت، ويخشى عليه نزع البركة عن علمه متى قصّر فيه لما أخّر من تعليم المستحق (5).

قال السعدي: هذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب، وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله {مِنَ الْبَيِّنَاتِ} الدالات على الحق المظهرات له، {وَالْهُدَى} وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم، من طريق أهل الجحيم، فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم، بأن يبينوا الناس ما منّ الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه، فمن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين، كتم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، فأولئك {يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته.

{وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} وهم جميع الخليقة، فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة، لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير يصلي الله عليه وملائكته، حتى الحوت في جوف الماء، لسعيه في مصلحة الخلق، وإصلاح أديانهم، وقربهم من رحمة الله، فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزل الله، مضاد لأمر الله، مشاق لله، يبين الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها؛ فهذا عليه هذا الوعيد الشديد (6).

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» (7).

إن العلم أمانة عند العلماء، وهم مكلفون بأدائها لمستحقيها، وليس العلم ملكًا لهم يستغلونه فيكتمونه إن رأوا الكتمان أرفق بمصالحهم الشخصية، وينشرون منه ما لا يصادم أهواء العامة والأمراء، بل يزيدهم جاهًا لديهم، ولا أبخس صفقة ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة.

وإذا كان الكلام في موضعه نورًا، فإنّ السكوت في غير موضعه ظلمة، تُغري الفاسدين، وتخذل الصادقين، وتُميت روح الإصلاح في النفوس، وقال عليه السلام: «ألا لَا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده» (8).

إن الصمت خيانة موازية للظلم وتواطؤ مع القمع، وتغاض عن قضايا تمس شرف الإنسانية، وهو ليس مجرد غياب عن الكلام؛ بل هو غياب وتغييب متعمد للفعل، وعندما يتحول السكوت لموقف مريح في سبيل مواجهة الأوضاع المظلمة، فالحقيقة ستكون أولى ضحاياه، لذلك كيف ينتظر من الإنسانية أن تنهض إذا كانت أصواتها مكتومة؟ وكيف تُفتَح الأفق طالما كل من في المشهد يتراجعون ويسلمون بأمر سلطان السياسة والعادات والتقاليد البالية؟

إذا كان الصمت ملاذًا آمنًا للبعض، فإنه أيضًا خيانة يمارسها من يختبئون خلفه أو يتحصنون به، إنه الخيانة التي لا تُعلَن لكونها نابعة من الإهمال والتجاهل وسامحة للظلم بالتسيد وللجهل بالازدهار، ومن المؤكد أنه لن يتغير أي شيء ما لم نرفع الأصوات في وجه ما هو غير عادل، وما هو خاطئ، وما هو ضار، حينما يُترَك الصمت ليحكم، تقتل الروح ويغتال الحقيقة، وتضيع فرصة الإنسان في تحقيق العدالة والحرية.

إن الصمت والجهل قرينان، فمن يفضل الصمت على الكلام كمن يفضل الجهل على العلم، وكمن يفضل المرض على العافية، وكمن يفضل الظلام على النور والوهم على الحقيقة، ولا شك أن أمانة الكلمة جزء من ضريبة العلم، ووفاء بعهد الله الذي قطعه على العلماء، حيث قال: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا ‌تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187].

أما المفاسد التي تترتب على الصمت في المواقف الحرجة، التي تتعين فيها الكلمة المنصفة، فهي أكثر من أن تحصر، نعد منها:

1- أن الصمت يرسخ الباطل، ويقوي شوكة أهله، ويزينه في عقول الدهماء، الذين ليست لديهم حصانة ضده، ومن السهل أن تخدعهم بوارقه، وهو ما اعتمد عليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، الذي كان بوسعه أن يسكت أمام موجة القائلين بخلق القرآن، والذين ظاهرهم نفر من خلفاء بني العباس، فحملوا الناس على تلك المقالة الباطلة، ولكنه صدع بكلمة الحق، وتعرض للسجن والتعذيب، فقيل له: لو سكت؟ فقال كلمته الخالدة: إذا سكت العالم تقية، وسكت الجاهل لجهله، فمتى يظهر الحق (9).

2- أنه مجلبة للعقاب العام، المتوعد به عند ترك إنكار المنكر، ذلك أن ترك الأخذ على يد الظالم باليد، أو اللسان، مؤذن بعذاب واقع، ليس له دافع، ولن يسلم منه أحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (10).

3- أنه أمارة صريحة من أمارات العجز والذل والهوان، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بالله من العجز والكسل، والصمت دليل على العجز، سواء العجز عن الفعل، أم العجز عن القول، وكلاهما شر مستطير.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم» (11).

والفرق بين العجز والكسل أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله والعجز عدم القدرة (12).

قال ابن بطال: وأما الكسل فهم مجمعون على أنه ضعف النية وإيثار الراحة للبدن على التعب، وإنما أستعيذ منه؛ لأنه يبعد عن الأفعال الصالحة للدنيا والآخرة (13).

وفي مقام العجز عن الفعل، نستحضر مشهد وقوف تميم بن جميل بين يدي الخليفة المعتصم بالله العباسي، بسبب خروجه على الدولة، وتغلبه على شاطئ الفرات، فلما مثّل بين يديه، دعا المعتصم بالنطع والسيف، ثم رأى أن يستنطقه؛ ليرى مدى رباطة جأشه، فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به، أو حجة فادل بها، فخطب خطبة قصيرة، ثم ارتجل قصيدة رائعة، مطلعها:

أرى الموت بين السيف والنطع كامنًا    يلاحظني من حيث ما أتلفت

وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي     وأي امرئٍ مما قضى الله يفلت

وهي قصيدة رائعة بارتجالها وفطريتها وعفويتها، فكانت سببًا في العفو عنه، وشاهدنا فيها قوله متحسرًا على صمته وعجزه:

يعز على الأوس بن تغلب موقف     يسل علي السيف فيه وأسكت

وما جزعي من أن أموت وإنني     لأعلم أن الموت شيء مؤقت

ولكن خلفي صبيةً قد تركتها      وأكبادهم من حسرةٍ تتفتت

فبكى المعتصم ثم قال: إن من البيان لسحرًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال، يا تميم كاد والله يسبق السيف العذل، وقد وهبتك لله تعالى وللصبية، وعفوت عن زلتك، وعقد له ولاية على عمله، وخلع عليه، وأعطاه خمسين ألف دينار (14).

وفي مقام العجز عن القول نستشهد بما روي أن رجلًا سأل زيد بن علي بن الحسين: الصمت خير أم الكلام؟ فقال: أخزى الله ‌المساكتة، فما أفسدها للبيان، وأجلبها للحصر، والله للمراءاة أسرع في هدم العي من النار في يبيس العرفج، ومن السيل في الحدور (15).

فلا جرم أن يكون الصمت من أبرز علامات الموت، فالميت لا يتكلم، ولست أرتاب في أن حالة الصمت المخزي، الذي تعاني منه الأمة دليل قاطع على حالة الموت السريري، التي ليس لها من دون الله كاشفة.

4- أنه انحطاط إلى ما دون الحيوانية؛ ذلك أن الصمت والإغضاء على هذه الجرائم الوحشية، التي تكاد السماوات يتفطرن من فظاعتها، وتشيب الولدان من شناعتها، إنما هو لون من ألوان الانحطاط الأخلاقي، والسقوط الإنساني، إلى درك أسفل من الحيوانية؛ لأن الحيوانات العجماوات تصدر أصواتًا رافضة، إذا ما أحيط بأحد أفراد قطيعها؟

5- أنه دليل على سقوط الكرامة، فما قيمة الإنسان إذا فقد كرامته؛ رغبًا في مكسب دنيوي، أو رهبًا من زوال منصب أو فقدان وظيفة؟ وهنا يميز الله الخبيث من الطيب، فكم من لاعب أو موظف أو مسئول أبى إلا أن ينتصر لإنسانيته، فلم يبال بعواقب موقفه، فخسر شيئًا من متاع الحياة الدنيا، لكنه ربح نفسه وكرامته، ليعيش ما بقي من عمره مرفوع الهامة، موفور الكرامة، وليعيش الأنذال الصامتون عيشة رخيصة، الموت أهون منها:

ذل من يغبط الذليل بعيش    رب عيش أخف منه الحمام

6- أنه في كثير من الأحيان يعد جريمة متكاملة الأركان، فقد قسم الفقهاء الجريمة إلى جريمة بالفعل، وجريمة بالترك، وهو ما يسمى في القانون الوضعي بالجرائم الإيجابية والجرائم السلبية، وقد عد الفقهاء القدماء من ذلك من رأى أعمى سيتردى في حفرة، ولم يقم بتنبيهه، أو الأخذ بيده، أو من رأى صبيًا سيقع في نار، فلم يمنعه، أو من وجدت طفلًا ماتت أمه أو لا يلتقم ثديها، فلم ترضعه وهي ذات لبن، أو من وجد شخصًا يموت جوعًا أو عطشًا، فلم يطعمه أو لم يسقه، وهو قادر على ذلك، وناقشوا مسائل عديدة في هذا المقام، مثل حكم تنبيه المصلي من يراه سيتردى أثناء الصلاة، واتفقوا على الجواز، بل الوجوب إذا تعين لذلك، واختلفوا في بطلان صلاته، فهل يستأنف صلاة جديدة، أو يبني عليها؟ كما ناقشوا مسألة: هل عقوبة الجريمة بالفعل كعقوبة الجريمة بالترك؟ إلى غيرها من المسائل التي تدل على ثراء الفقه الإسلامي من ناحية، والحس الإنساني المرهف الذي تمتع به فقهاؤنا الأوائل في معالجة هذه القضايا القديمة المتجددة.

فليست حكمة الصمت في السكوت الدائم، وإنما في اختيار الموضع؛ فالصمت المحمود هو الذي يُنقذ من الشر، أما المذموم فهو الذي يُعطّل الخير ويُميت صوت الحق.

فالسكوت عن الفتنة حكمة، لكن السكوت عن الظلم خيانة.

والصمت عند الجهل تواضع، أما الصمت عند تزييف الدين فهو كتمان.

الصمت الذي يتحول إلى جريمة:

حين يَظهر الباطل في ثوب الحق، ويُرفع الظالم فوق المظلوم، ويُنتهكُ حرمة الدين، ويُستباحُ الحلال باسم الحرية أو المصلحة، ثم يصمت أهل العلم والدعوة، فإنّ هذا الصمت لا يكون حيادًا، بل مشاركة ضمنية في الجريمة.

قال تعالى محذرًا من ذلك: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [المائدة: 78- 79].

لم يقل الله إنهم فعلوا المنكر، بل قال: {لَا يَتَنَاهَوْنَ} أي سكتوا، فكان صمتهم سبب اللعنة والعقاب، فالصمت عن المنكر جريمة، لأنه يُبقيه حيًّا، ويمنحه شرعية الصمود في وجه الحق، وإنّ الذين يسكتون عن قول كلمة الحق بحجة الترفّق أو الخوف أو المداراة، إنما يمنحون الباطل فرصةً للتوسع والتمكين.

لما اجتمعت قريش تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال والملك مقابل أن يسكت عن الدعوة، قال قولته الخالدة: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته» (16).

هذه الكلمة لم تكن موقفًا عابرًا، بل كانت ميثاقًا أبديًّا بين الدعوة والحق.

وفي حادثةٍ أخرى، حين رأى رجلًا يُضرب ظلمًا، قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: «تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره» (17).

صمت الداعية بين الخوف والتقصير:

من أعظم البلاء أن يسكت الداعية في موطنٍ يجب فيه البيان، فهو ليس فردًا عاديًا؛ بل هو لسان الدعوة وصوت الحق، وصمته جريمة مضاعفة، لأنه يُضلّ الناس بتركهم بلا توجيه، ويخذل الحق بغيابه عن الميدان.

قال الله تعالى في وصف العلماء الربانيين: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ} [الأحزاب: 39].

فلا يحسبون للخلق حسابًا فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة، ولا يخشون أحدًا إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ (18).

فالعالم أو الداعية الذي يخاف من غضب الناس أو من بطش السلطان فيسكت، قد أخلّ بالأمانة التي حملها.

إن صمت الداعية اليوم في مواجهة حملات التضليل، وتبرير الفساد، وتسويغ الانحراف، لا يُسمّى حيادًا، بل تواطؤًا بالصمت، وجريمة في حق رسالته.

الآثار المدمرة لصمت أهل الحق:

- تمكين الباطل وتثبيطه للحق، فحين يغيب صوت الإصلاح، يعلو صوت الفساد بلا رقيب، إن الباطل لا ينتصر بقوته، بل بضعف خصومه وصمتهم.

- ضياع الوعي العام للأمة، حين يسكت العلماء والمصلحون، يملأ أهل الهوى الساحة، وتُزيَّف الحقائق، فيختلط الحلال بالحرام، والصحيح بالباطل.

- تجرؤ الظالمين وانتشار المنكرات، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (19).

- فقدان الثقة بالدعاة والعلماء، فحين يصمتون في أوقات الفتنة، يشعر الناس أن الدين نفسه ساكت عن قضاياهم، فيفقدون الثقة بالمنابر.

- زوال البركة عن الأمة، فالله تعالى لا ينصر أمةً ركنت إلى الصمت والجبن، قال سبحانه: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) كانُوا لَا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [المائدة: 78- 79]، أي أن عدم الإنكار سبب اللعنة والزوال.

مسؤولية الأمة في مواجهة الباطل:

إنّ الأمة كلها، بعلمائها ومثقفيها وشبابها، مسؤولة عن رفع كلمة الحق في وجه الباط.ل قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (20).

فالإنكار باللسان واجب على القادرين، لأن السكوت لا يُغيّر واقعًا ولا يُصلح أمة.

وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

ولقد كان السلف الصالح يرون أن الكلمة الصادقة جهادٌ في سبيل الله، فهذا سعيد بن جبير وقف أمام الحجاج الثقفي، ولم يخشَ بطشه، فاستُشهد سعيد، وبقيت كلمته حية.

وهذا العز بن عبد السلام وقف في وجه السلطان حين باع السلاح لأعداء الأمة، فأُخرج من مصر، لكنه صار يُلقَّب بـ "سلطان العلماء"، وهكذا، لا يخلد في ذاكرة الأمة من صمت، بل من تكلم حين وجب الكلام.

خاتمة

إنّ الكلمة ليست مجرد صوت، بل هي روحٌ تُحرك التاريخ، وإنّ الصمت ليس دائمًا أدبًا، بل قد يكون خطيئةً إذا خذل الحق أو أيّد الباطل بسكوته.

لقد علّمنا القرآن أن الذين كتموا الحق استحقوا اللعنة، وأن الذين بلّغوه نالوا البركة والذكر الحسن.

وعلّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن كلمة الحق عند سلطان جائر هي أعظم الجهاد، وأن أمةً تخاف من قول "يا ظالم" قد فقدت عزتها.

فلْيتذكّر الداعية والعالم والمفكر والمصلح أن سكوتَه في موطن البيان جريمة، وأنّ الله سائله عمّا علم، لا عمّا سكت.

فالكلمة الصادقة قد تكلّف صاحبها غاليًا، لكنها وحدها التي تُنقذ أمة، وتُحيي ضميرًا، وتُطفئ نار الفتنة.

ولنعلم أن الصمت في زمن الفتنة ليس حيادًا، بل اختيارٌ بين أن تكون مع الحق أو ضده، وأنّ الله تعالى قال في محكم التنزيل: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24].

فمسؤولية الكلمة باقية، وحساب الصمت آتٍ لا محالة، فطوبى لمن نطق بالحق فكان لسان صدقٍ في الدنيا والآخرة، وويلٌ لمن صمت فكان شاهد زورٍ على الحق المهدور.

جزى الله الشدائد كل خير    عرفت بها عدوي من صديقي

***

------------

(1) أخرجه أحمد (11441).

(2) التفسير الوسيط لطنطاوي (1/ 324).

(3) مفاتيح الغيب (4/ 140).

(4) تفسير ابن كثير (1/ 472).

(5) لطائف الإشارات (1/ 142).

(6) تيسير الكريم الرحمن (ص: 77).

(7) أخرجه أبو داود (3658).

(8) أخرجه أحمد (11474).

(9) أرشيف ملتقى أهل الحديث - 5 (98/ 117).

(10) أخرجه أبو داود (4338).

(11) أخرجه البخاري (2823).

(12) فتح الباري لابن حجر (6/ 36).

(13) شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/ 36).

(14) تهذيب الرياسة وترتيب السياسة (ص: 380).

(15) البيان والتبيين (1/ 256).

(16) سيرة ابن هشام (1/ 266).

(17) أخرجه البخاري (6952).

(18) في ظلال القرآن (5/ 2870).

(19) أخرجه أبو داود (4338).

(20) أخرجه مسلم (49).