logo

خسوف القلب


بتاريخ : الخميس ، 19 رجب ، 1447 الموافق 08 يناير 2026
خسوف القلب

كما أنّ القمر يشرق في الليالي فينير الظلام، فإذا وقع الخسوف غاب ضياؤه وغطّته العتمة، كذلك القلب؛ يسطع بنور الإيمان، فإذا غلبته الشهوات، وغشته الغفلة، وتراكمت عليه الذنوب، خَسف نوره، وغاب إشراقه، وصار مظلمًا تتخبطه الأهواء.

قال الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ} [الزمر: 22].

وهذه الآية تصور حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشرح له وتندى به، وتصور حالها مع الله، حال الانشراح والتفتح والنداوة والبشاشة، والإشراق والاستنارة، كما تصور حقيقة القلوب الأخرى في قساوتها وغلظتها وموتها وجفافها، وعتمتها وظلامها، ومن يشرح الله صدره للإسلام ويمد له من نوره، ليس قطعًا كالقاسية قلوبهم من ذكر الله، وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء (1).

قال ابن القيم رحمه الله: متى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه، وحل فيه حب المخلوق، والرضا بالحياة الدنيا، والطمأنينة بها، فاعلم أنه قد خُسف به (2).

ومِن أبلغ ما وُصف به هذا الداء قولُ الإمام الجيلاني: القلبُ يصدأ، فإن تداركه صاحبه بما وصف النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا انتقل إلى السواد؛ يسودُّ لبُعْده عن النور، يسودُّ لحبه الدنيا والتحويز عليها مِن غير ورع؛ لأنه من تمكَّن مِن قلبه حبُّ الدنيا، زال وَرَعُه، وزال حياؤه من ربه عز وجل (3).

أسباب خسوف القلب:

الغفلة عن ذكر الله: فالقلوب لا تحيا إلا بالذكر، فإذا هجرت القرآن وابتعدت عن التسبيح والدعاء، خيمت عليها الظلمة، وطمست عليها العتمة، وغاب عنها نور الإيمان.

قال الله عز وجل: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فالإنسان قد يملك أسباب الراحة المادية كلها، ومع ذلك يعيش في قلق وضيق، لأن قلبه بعيد عن الله، وقد يكون فقيرًا قليل المال، ولكنه عامر بالذكر، منشرح الصدر، مطمئن البال.

وليس أشقى على وجه هذه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون، لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون، ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني ما يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيء خيفة لأنه لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا الوجود.

ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريدًا وحيدًا شاردًا في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.

وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكنًا إلى الله، مطمئنًا إلى حماه، مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد، ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله، فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله (4).

الحياة الطيبة هي الحياة الراضية القانعة الشاكرة الصابرة ولا يكون ذلك إلا لمؤمن، وإن هذه الحياة الطيبة جزاء عاجل للإيمان والصالح من الذكور والإناث، فلا سعادة خير من سعادة الرضا بالعمل الصالح، واطمئنان القلب بذكر الله والتوكل عليه في الشديدة والكريهة بعد أخذ الأسباب والاتجاه إلى اللَّه، أما الجزاء الآجل المؤكد الذي لَا مرية فيه، فهو في الآخرة، وقد قال تعالى فيه: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ}، ولم يذكر في الحياة الطيبة أنها أجر، بل ذكرها على أنها ملازمة للعمل الصالح الصادر من قلب سليم، فهي ثمرة للصالح كثمرة الشجرة، وكإنتاج الزرع، وحيثما وجد العمل الصالح كانت الحياة الطيبة ولو كانت جهادًا مستمرًا، ومع ذلك له أجر هو ثواب الآخرة يجزيهم اللَّه تعالى بأحسن ما يعملون، وقد ذكر أنه سبحانه يجازي {بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فجعل سبحانه وتعالى عملهم الصالح أو أحسنه هو الجزاء، لأنه يماثله أو يساويه كأنه هو، وهو سبحانه وتعالى مانح النعم ومجريها (5).

قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124]، أي: ومن أدبر عن ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه، فإن له في هذه الدنيا عيشًا ضيقًا، ومعيشة شديدة منغصة، إما بشح المادة وإما بالقلق والهموم والأمراض (6).

ارتكاب المعاصي: الذنوب تخطّ على القلب خطوطًا سوداء، حتى يطبع عليه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله» {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] (7).

والمعنى: نظف وصفى مرآة قلبه؛ لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقيًا أو تمثيليًا، وإن عاد أي العبد في الذنب والخطيئة زيد فيها أي في النكتة السوداء حتى تعلو -أي للنكت- قلبه أي تطفئ نور قلبه فتعمي بصيرته، وهو الأثر المستقبح المستعلي الران الذي ذكر الله أي في كتابه (8).

المعصية ليست لذّة عابرة فحسب، بل تترك أثرًا عميقًا في حياة العبد: تغيّر ملامحه، وتظلم قلبه، وتضيّق رزقه، وتحرمه من البركة.

قال ابن عباس: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.

وقال عثمان بن عفان: ما عمل رجل عملًا إلا ألبسه الله تعالى رداءه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر (9).

وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال أمر مشهود في العالم، لا ينكره ذو عقل سليم، بل يعرفه المؤمن والكافر والبر والفاجر، وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره، وتألمه ومطالعته مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل، وبالثواب والعقاب، فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالم (10).

الانغماس في الدنيا: الانشغال بالمال والشهوات والمناصب حتى يصير القلب عبدًا لها.

الانشغال الزائد بالدنيا يجعل القلب لا يتأثر بالموعظة ولا يخشع للقرآن، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ} [الزمر: 22].

الدنيا إذا ملأت القلب شغلت العبد عن الذكر والطاعة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} [المنافقون: 9].

والأموال والأولاد ملهاة ومشغلة إذا لم يستيقظ القلب، ويدرك غاية وجوده، ويشعر أن له هدفا أعلى يليق بالمخلوق الذي نفخ الله فيه من روحه، فأودع روحه الشوق إلى تحقيق بعض صفاته الإلهية في حدود طاقته البشرية، وقد منحه الأموال والأولاد ليقوم بالخلافة في الأرض لا لتلهيه عن ذكر الله والاتصال بالمصدر الذي تلقى منه ما هو به إنسان، ومن يغفل عن الاتصال بذلك المصدر، ويلهه عن ذكر الله ليتم له هذا الاتصال {فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ}.. وأول ما يخسرونه هو هذه السمة- سمة الإنسان- فهي موقوفة على الاتصال بالمصدر الذي صار به الإنسان إنسانًا، ومن يخسر نفسه فقد خسر كل شيء، مهما يملك من مال ومن أولاد (11).

قال أبو حيان: أي لا تشغلكم أموالكم بالسعي في نمائها، والتلذذ بجمعها، ولا أولادكم بسروركم بهم، وبالنظر في مصالحهم، عن ذكر الله وهو عام في الصلاة، والتسبيح، والتحميد، وسائر الطاعات {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولئك هُمُ الخاسرون} أي ومن تشغله الدنيا عن طاعة الله وعبادته، فأولئك هم الكاملون في الخسران، حيث آثروا الحقير الفاني على العظيم الباقي، وفضلوا العاجل على الآجل (12).

لا تغترّوا بسلامة أوقاتكم، وترقّبوا بغتات آجالكم، وتأهّبوا لما بين أيديكم من الرحيل، ولا تعرّجوا في أوطان التسويف (13).

سوء الصحبة: فالقلب يتأثر بمجالسة الغافلين وأهل الهوى، فالغافل يذكّرك بالدنيا، ويُنسيك الآخرة، حتى تصير مثلَه، ومجالسهم تضيع فيها الساعات بلا ذكر ولا فائدة.

القلب كالمرآة، فإن جاور أهل الغفلة علقت به غبار الغفلة، وإن صاحب أهل الذكر انطبع فيه نور الطاعة، فاختر لنفسك جليسًا يرفعك إلى الله، ولا تختَر جليسًا يقطعك عنه.

قال تعالى: {الأَخِلَاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل، فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] (14).

قال علي رضي الله عنه: قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله، فقال: اللهم، إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له: اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرًا وبكيت قليلًا، قال: ثم يموت الآخر، فتجتمع أرواحهما، فيقال: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعم الخليل.

وإذا مات أحد الكافرين، وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي فلانًا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت علي، قال: فيموت الكافر الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل (15).

علامات خسوف القلب:

قسوة القلب: لا يتأثر بآيات القرآن ولا بالمواعظ، يسمع كأن لم يسمع، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} [البقرة: 74]، قال القرطبي رحمه الله: القسوةُ: الصلابة والشدة واليبس، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى (16).

قسوة القلب هي حالة نفسية تتسم بالغلظة، الفظاظة، وعدم اللين، وتنتج عن أسباب متعددة مثل كثرة الذنوب، الإعراض عن ذكر الله، الانشغال بالدنيا، الظلم، واحتقار الآخرين.

وقال عز وجل: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]؛ قال الشيخ السعدي رحمه الله: أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر بآياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي مُعرِضة عن ربها، مُلتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشرُّ الكبير (17).

الضيق والهمّ رغم وفرة النعم: فلا يجد راحة ولا طمأنينة، لأن الطمأنينة لا تُشترى، بل تنزل من السماء، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124].

من حكمة العزيز الحكيم أن سلَّط هذين الجندين على القلوب المعرِضة عنه، الفارغة من محبته وخوفه، ورجائه والإنابة إليه، والتوكل عليه، والأنس به، والفرار إليه، ليردها بما يبتليها من الهموم والأحزان والآلام القلبية عن كثير من معاصيها وشهواتها.

ولا شك أن القلوب تتفاوت في الهموم بحسب ما فيها من الإيمان أو الفسوق والعصيان، فهي على قلبين:

قلب هو عرش الرحمن، ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير، وقلب هو عرش الشيطان، فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم.

فمن الهموم هموم سامية ذات دلالات طيبة، كهموم العلماء في حل المعضلات، وهموم أمراء المسلمين بمشكلات رعاياهم، ألم تر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحمل هم تعثر الدابة بالعراق، أما عمر بن عبد العزيز فكان يقول: إني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره.

ثِقَل في الطاعة وكسل في العبادة:

فتجد الإنسان تتعسر عليه الطاعة، وتشق عليه العبادة، وإذا همَّ بعبادة توالت عليه العوائق من كل جانب، وأجلب الشيطان عليه كل طالب، وإن فعل مرة ترك مرات، وإن واظب ساعة فاتته كرات.

الاستئناس بالمعصية:

الاستئناس بالمعصية علامة دقيقة من علامات ضعف الإيمان وخسوف القلب، وهي أخطر من مجرد الوقوع في الذنب، لأن العبد قد يذنب ثم يندم ويتوب، فيُرجى له الخير، لكن الخطر أن يصل إلى مرحلة الاعتياد حتى يأنس بالمعصية ويزول من قلبه ألمها.

وعلامة ذلك: أن يجد العبد لذة وطمأنينة في الحرام أكثر من طمأنينته بالطاعة.

أن يفتقد الشعور بالذنب والحياء من الله عند الوقوع في المعصية.

أن تصبح المعصية عادة مألوفة لا يتحرك لها قلبه.

الوحشة من الصالحين:

قال الله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الزمر: 45]، فالقلوب المريضة تضيق من ذكر الله، بينما القلوب الحية تطمئن به.

فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى الله وحده إلها، وإلى شريعة الله وحدها قانونًا، وإلى منهج الله وحده نظامًا، حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث، وفتحوا صدورهم للأخذ والرد، هؤلاء هم بعينهم الذين يصور الله نموذجًا منهم في هذه الآية، وهم بذاتهم في كل زمان ومكان، هم الممسوخو الفطرة، المنحرفو الطبيعة، الضالون المضلون، مهما تنوعت البيئات والأزمنة، ومهما تنوعت الأجناس والأقوام (18).

يميل إلى مجالسة الغافلين وأهل اللهو، وينفر من أهل الطاعة:

المؤمن إذا جلس مع الصالحين شعر بالأنس والراحة، لأن القلوب تتعارف على طاعة الله، أما القلب المظلم بالذنوب فيستوحش منهم، كما تستوحش البومة من النهار.

فقدان الغيرة على الدين والمعاصي:

الغيرة هي حرارة الإيمان في القلب، فإذا انطفأت دلّ ذلك على بلادة الروح وقسوة الفؤاد.

الغيرة حياة القلب، فإذا فقدها صار كالبدن بلا روح. والمؤمن الحق يغار إذا انتهكت حرمات الله، كما يغار على أهله وعرضه، لأنه يعلم أن أعظم ما يجب حمايته هو دين الله.

نسيان الآخرة والانغماس في الدنيا:

أخطر ما يصيب القلب أن ينسى آخرته، ويغرق في دنياه، فيعيش وكأنه خُلق للهو والمتاع، وينسى أنه موقوف غدًا بين يدي الملك الديان.

قال الله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، أي تركوا طاعته وأعرضوا عن ذكره، فجازاهم بتركه لهم في العذاب والهوان.

وقال سبحانه: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3].

فالذي يعيش دنياه غافلًا ناسيًا للآخرة كمن يلهو على شفا حفرة من النار، لا يدري متى ينقضّ عليه الموت، يصير حديثه وهمّه كله في جمع المال والجاه، ويغيب عن قلبه ذكر الموت والقبر والبعث.

انشراح للمعاصي، واستمراء للذنوب:

وهذا أخطر من مجرد الوقوع في الذنب، لأن المؤمن قد يذنب ثم يندم فيتوب، أما إذا انشرح صدره بالمعصية فهذا موت للإحساس الإيماني.

علاج خسوف القلب:

وكما أن القمر لا يظل في خسوفه، بل ينجلي ويعود مضيئًا، فإن القلب إذا رجع إلى الله عاد مشرقًا مطمئنًا، تفيض منه أنوار الإيمان، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

فباب الشفاء مفتوح، والقلوب وإن خَسفت يمكن أن تستعيد نورها، ومن أعظم أسباب ذلك:

التوبة الصادقة: رجوع إلى الله بدموع الندم، وصدق العزم على ترك الذنوب.

الإكثار من ذكر الله: قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

صحبة الصالحين: الذين يذكّرون بالله، ويعينون على الطاعة.

الإقبال على القرآن: فهو النور الذي يبدد ظلمات القلب.

الدعاء: وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك» (19).

***

---------

(1) في ظلال القرآن (5/ 3048).

(2) بدائع الفوائد (3/ ‍743).

(3) الزهد؛ لابن أبي حاتم (ص: 8).

(4) في ظلال القرآن (4/ 2060).

(5) زهرة التفاسير (8/ 4265).

(6) التفسير المنير للزحيلي (16/ 298).

(7) أخرجه الترمذي (3334).

(8) تحفة الأحوذي (9/ 178).

(9) مواقف حلف فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ص: 106).

(10) مدارج السالكين (1/ 424).

(11) في ظلال القرآن (6/ 3580).

(12) صفوة التفاسير (3/ 365).

(13) لطائف الإشارات (3/ 591).

(14) تفسير ابن كثير (7/ 237).

(15) تفسير ابن كثير (7/ 238).

(16) تفسير القرطبي (1/ 462).

(17) تفسير السعدي (1/ 722).

(18) في ظلال القرآن (5/ 3055).

(19) أخرجه الترمذي (2140).