logo

الفتور في حياة الدعاة


بتاريخ : الأحد ، 6 شعبان ، 1447 الموافق 25 يناير 2026
الفتور في حياة الدعاة

الفتور داء يصيب بعض الدعاة إلى الله عز وجل يتراوح بين الكسل والتراخي والتباطؤ والتقاعس، وقد يصل بهم إلى الانقطاع والسكون التام بعد النشاط الدؤوب، قال تعالى: {ولَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)} [الأنبياء: 19- 20]، أي أن الملائكة في عبادة دائمة ينزهون الله عما لا يليق به سبحانه، ويواصلون الليل والنهار بالعبادة والذكر لا يضعفون ولا يسأمون ولا ينقطعون عن ذلك.

وللفتور مظاهر كثيرة تبدأ بكثرة الاعتذارات عن التكاليف الدعوية، والتماس الأعذار من أجل الفكاك منها، وكثرة تأجيل المهام والأمور الدعوية، ومنها عدم الإتقان في أداء هذه الوظيفة الدعوية، والتكاسل والتباطؤ في التنفيذ، فما يمكن إنجازه في يوم ينجز في أسبوع أو أكثر، ومنها كثرة الاختلافات مع الأقران بسبب ضعف الأداء الدعوي والتقصير في التكاليف؛ مما يؤدي لنشوب خلافات مع رفقاء الطريق، ومنها الانغماس في الأمور الدنيوية، حيث يعطي الدنيا الوقت الذي كان يعطيه للدعوة، وغير ذلك كثير من العوارض التي نستطيع أن نردها لتسرب هذا المرض الضار إلى نفوس وقلوب بعض الدعاة.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (1)، والشاهد من الحديث أن لكل عمل فترة نشاطٍ "شرة" وفترة كسل أو فتور "فترة"، وبالتالي فهذا الفتور أمر طبيعي مجبول عليه الإنسان، فلا يصيبنا هذا الأمر بالخوف والرعب الشديد، ولكن علينا أن نفكر في وسائل علاجه.

ولنبدأ أساسًا في مظاهره، والتي غالبًا ما تكون أحد أمرين الأول: عدم إحساس الداعية باستجابة المدعوين له الاستجابة المرجوة، مما يفقده الحماسة ويشعره باليأس والإحباط، وبالتأكيد بالفتور.

الأمر الثاني للفتور: هو "التقادم" إن صح التعبير، أن يتعود الإنسان أمر الدعوة، فتفقد جدتها في نفسه، وبالتالي تفقد النفس المتعة التي كانت تلقاها فيها.

وإذا أمعنا النظر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد أنه قد تحقَّق بقول ربه سبحانه: {وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 46]، بل نجد أنه سار في طريق الدعوة بعزيمة عالية منذ أن نزل عليه الوحي إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، إذا لم نقُل: إنه كان في ازدياد في عزيمته وإصراره على تبليغ دعوة ربه سبحانه.

فمن الأيام الأولى أراد منه ربُّه عز وجل أن يقوم بهذا الواجب بجدٍّ وعزيمة: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} [المدَّثر: 1- 2]، {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]، فسار صلى الله عليه وسلم على هذا المنوال طوال حياته، وسار على نهجه الراشدون من هذه الأمة كذلك.

وننظر اليوم فنجد مرض الفتور قد غزا نفوس كثير من الدعاة، فظهر فيهم التراخي والضعف وقلة الاكتراث.

وكثيرًا ما يلتحق بركب الدعوة الإسلامية أناسٌ نشطاء متحمسون، يقدِّمون الجهد والوقت، ويستعدُّون لتقديم الأرواح، والتضحية بكل شيء في سبيل الله تعالى، وبعد فترة تطول أو تقصُر يصيبهم الفتور الذي يقضي على الأحلام، ويفتُّ في العزائم، ويوهن من القوى، فإذا اليأسُ أخذ منهم كل مأخذ، وإذا هم يراجعون حساباتهم فيُؤْثِرون الفاني على الباقي، وينقلب إقدامهم إلى قعود، وعطاؤهم إلى حِرْص، بل قد ينقلب بعضهم إلى مشكِّك ومثبِّط.

لنتذَّكر أولًا أن الدعاة الذين تملأ الدعوة عليهم أنفسهم، وتكاد تظهر في كل حركة من حركاتهم، وكل كلمة من كلماتهم؛ هم الذين يقوم عليهم العمل الدعوي، وأما أصحاب الهمم الباردة فإنهم إن لم يضرُّوا في هذا المجال لم ينفعوا، فلنصارح أنفسنا، ولنُقْبِل على الطريق بقوّة وعزيمة {خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]، ولنراجع هواجسنا وأفكارنا وأساليبنا، لنكشف الخلل والضعف، ولنستعِنْ بالله، ولنجعل الأفعال مقدَّمة على الأقوال، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصَّف: 2].

ورحم الله ابن عطاء الله السكَنْدري إذ يقول: من علامات النجاح في النهايات، الاعتماد على الله في البدايات.

إن من عوامل نجاح الدعوة: الفهم الدقيق، والإيمان العميق، والحب الوثيق، والوعي الكامل، والعمل المتواصل، ونسأل الله أن يجعلنا ممن تحقق بذلك كله، وجعل عمله خالصًا له سبحانه.

خطورة الفتور:

- أن الله ذم المنافقين؛ لتثاقلهم عن الصلاة، وكسلهم فيها، والذين لا يخرجون الزكاة إلا وهم كارهون، وهذه أسوأ أنواع الفتور وأقسامه، قال سبحانه: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: 142]، {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54]، هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روي عن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله تعالى، وإن الله أمامه يغفر له ويجيبه إذا دعاه (2).

- أن الله دعا إلى نبذ الفتور والكسل؛ وذلك بالمسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها، وأثنى على المؤمنين الذين يسارعون في الخيرات، قال سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، فالمسابقة والمسارعة من لوازمهما وآثارهما نبذ الفتور والكسل والتراخي.

- استعاذة الرسول صلى الله عليه وسلم منه، كما ورد في عدة أحاديث صحيحة، منها؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من البخل» (3).

عن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل» (4)، وهو الفتور عن الشيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحة البدن على التعب (5).

قال الطيبي: الكسل التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ويكون ذلك بعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة (6).

- خطورة الفتور: حيث يؤدي بكثير من الناس إلى الانحراف، حيث إن الفتور مرحلة وسطية بين الالتزام وبين الانحراف، ولا أدل على خطورته من كثرة استعاذة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه في الصباح والمساء، وتعليمه لأصحابه أن يتعوذوا بالله منه، كما سبق.

- أن الكسل والفتور لا يختص بطائفة معينة من الناس، بل إنه يسري في الناس على مختلف طبقاتهم وأعمارهم وأحوالهم، ولا يكاد ينجو منه أحد إلا من سلم الله- وقليل ما هم- فهو يصيب العلماء والعباد والجهال، والشيوخ والشباب، والرجال والنساء، والأغنياء والفقراء، والأصحاء والمرضى، والمتقين والفساق، ولكن تختلف الإصابة قوة وضعفًا؛ لأسباب وعوامل يأتي ذكرها.

والمصابون بهذا الداء ثالثة أقسام:

 - قسم يؤدي بهم الفتور إلى الانقطاع كلية، وهم كثير.

- وقسم يستمر في حالة الضعف والتراخي دون انقطاع، وهم الأكثر.

- قسم يعود إلى قرب حالته الأولى، وهم قليل.

ونحن هنا لا نتكلم عن الكسل والفتور العارض الذي يشعر به الإنسان بين حين وآخر، والذي لا يستمر معه، ولا تطول مدته، ولا يوقع في معصية، ولا يخرج عن طاعة؛ فهذا لا يسلم منه أحد، إلا أن الناس يتفاوتون فيه أيضًا، وسببه- غالبًا- أمر عارض، كتعب أو انشغال أو مرض ونحوها.

وهذا الذي ذكر في الحديث عن حنظلة الأسيدي- وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وما ذاك؟» قلت: يا رسول الله نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات (7).

أسباب الفتور:

1- التصور الخاطئ لطبيعة هذا الدين:

إن الفهم الموضوعي لما جاء في الكتاب والسنّة عن الحياة الدنيا والحياة الأخرى، وعن طبيعة الدعوة وطريقها، وما في ذلك من ابتلاء بالسرّاء والضرّاء، وصبر على طول الطريق، وقلة النصير، وانتفاش الباطل، ومعرفةٍ بواقع الإنسان من حيث ضعفُه وشهواته، ومن حيث استعداده للسّمُو والنهوض، ومن حيث الظروف التي تنهض بهمّة الإنسان أو تقعد بها.

إن فهم ذلك كله يمكّن المسلم من اتخاذ الموقف الصحيح، ومعالجة كل طارئ يمرّ به، ويحفظه من الجنوح ومن الهمود معًا.

الغلو والتطرف والتعلق بالمثالية المجنَّحة، فيها الخير الظاهر، وفيها الشر المستطير، فصاحب هذه الاتجاهات إذ تدفعه حماسته إلى الشدّة في أخذ الأمور تعرِّضه إلى خطرين اثنين:

الأول: أنه ينظر إلى إخوانه الذين لا يجارونه في اتجاهه، نظرة ازدراء أو نظرة تفسيق، وتجعله يقع في محظور «غَمْط الناس» الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم وجعله من الكِبْر.

والثاني: أنه يُحسُّ بالإجهاد بعد فترة قصيرة، وهذا الإجهاد قد يجعله يفقُد وينكُص، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (8)، «يشاد الدين» يكلف نفسه من العبادة فوق طاقته والمشادة المغالبة، ومعنى الحديث: النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة مالا يحتمله إلا بكلفة شديدة (9).

 قال ابن حجر: ووضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تعظيمه والإنكار على من يشاده، أي: لن يبالغ في تشديد الدين الميسور أحد يستقر على وصف من الأوصاف إلا على وصف كونه قد غلبه ذلك الدين حيث كثره مع يسره، وقصد أن يغلب عليه بالزيادة فيه على ما شرع له تهورًا، ورهبانية ابتدعها ما كتبت عليه مع أن مآل أمره إلى أن يفتر ويعجز عنها ويعود ملومًا مقصرًا، ومن ثم كان أشد إنكاره عليه الصلاة والسلام على قوم أرادوا التشديد على أنفسهم (10).

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين، فأوغِلْ فيه برفق، فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى» (11).

الداعية من جملة البشر مركب من جسد وروح ولكل منهما حاجاته ورغباته وحقوقه، والغلو والتشدد من أكثر الأمور التي تدفع إلى الفتور والتوقف، فعندما يشدد الداعية على نفسه في الدعوة والعبادة ويأخذ نفسه بالعزائم كلها، ويحرم بدنه حقه من الراحة والطيبات فإن ذلك حتمًا ولا بد سيقوده إلى الضعف أو السأم والملل من ثم الفتور والانقطاع، لذلك جاء الإسلام بأشد عبارات النهي عن الغلو والتشدد والتنطع، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (12)، وقال أيضًا: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا (13)، وقال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات» (14)، وقال صلى الله عليه وسلم: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» (15).

والخير كل الخير في الاعتدال والتوسط {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، وعلى الدعاة أن يراجعوا أنفسهم وفق ميزان الاعتدال، ويتواصَوا بذلك ليكون كل منهم عونًا لأخيه على المضيّ في الطريق الصحيح.

2- المفارقة بين الواقع والمثالية:

قد يُقبل الداعية على العمل لدينه ودعوته بعزيمة وقّادة، ويستشعر الأنس بإخوان سبقوه في ميدان العمل، ويسمع خطبهم، ويقرأ كتاباتهم، ويتصوّر تفانيهم في سبيل هذه الدعوة، وتمرُّ الأيام، وتتعمق معرفته بهم، ويرى المسافة بين واقعهم وبين الصورة المثالية التي رسمها لهم في ذهنه، فيصاب بالصدمة، وتكون الفاجعة، ويفقد الثقة بالدعاة والدعوة، مع أن هذا الذي رآه لا يعدو غالبًا أن يكون من مظاهر الضعف البشري الذي ينزل بصاحبه عن مراتب الكمال، وليس مما يفجأ ويفجع.

إن الأَوْلى بالمسلم أن يعلم منذ بداية الطريق أنه يتعامل مع بشر، مهما بلغوا من السموّ فإن الضعف يعتريهم، وإذا لم يكن مقبولًا منه أن يسوِّغ أخطاءهم، فليس مقبولًا منه كذلك أن ينسى فضائلهم أمام نقطة ضعف أو نقاط ضعف ظهرت فيهم.

بل عليه فوق ذلك أن يتوقع وجود واحد أو أكثر في صفوف الدعاة، وهو ليس منهم وإن تزيّى بزيِّهم، فاندساس العنصر الغريب، أو انتكاس عنصر إلى الوراء بعد أن كان يتقدّم الصفوف، ليس شيئًا غريبًا في الدعوات عامةً، وفي دعوة الإسلام نفسها، ألم يندسّ بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منافقون قال فيهم رب العزِّة: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30].

3- بروق المطامع ونفاد الصبر:

لا تخلو الحياة الدنيا من صنوف البلاء {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، وطريق الدعوات بشكل خاص حافلٌ بألوان البلاء، {لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [الأنفال: 37]، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].

فإذا تتابع البلاء، وتكاثرت المصائب وطال الطريق، ولم تظهر بوارق الأمل بنصر قريب، فإن كثيرًا من النفوس تضطرب وتتراجع، فإذا لمعت مع ذلك بوارق المطامع بمكاسب عاجلة في مال، وفرصة عمل فريدة، وجاه ومنصب، فإن بعض النفوس تنسحق، ولا نجاة من ذينك الاضطراب والانسحاق إلا بكثرة ذكر الله، واللجوء إلى حماه، والإقبال على كتابه، وتذكُّر سننه في الصبر والشكر، والبلاء والنصر.

4- الركون إلى أمجاد الماضي، والعجز عن مواجهة مشكلات الحاضر:

من الجميل أن نقرأ تاريخ السلف ونَسْتلْهم منه الدروس، ونشد العزائم بما حققوا من فتوح، بل أن يذكر أحدنا تجاربه الناجحة، وإنجازاته الطيبة، ليجدد الثقة بقدرته على مواصلة الطريق، أما أن يجعل ذلك تعويضًا عن عجزه اليوم وعن ضعْف همته، وتعثر خطواته فهذا تعثّرٌ وهرب ونكوص.

إذا كان السلف الصالح قد حققوا الأمجاد فلأنهم أخذوا بعُدّة النصر من إيمان وتربية وعلم وجهاد واستعانة بالله، فلتكن قراءتنا لتاريخهم حافزًا لنا لأن نسلك مسلكهم لنحقق أمجادًا كأمجادهم.

وإذا كان أحدنا قد حقق نجاحات في أيامه الخوالي، فلينظر في تحقيق نجاحات جديدة تناسب ظروفه من حيث السن والخبرة والوضع الاجتماعي، ولا ينبغي أن يكتفي بتعداد تلك النجاحات فإن ذكر الأمجاد السابقة التي لا تتلوها أمجاد لاحقة قد تغدو مجال تندّر الآخرين.

5- الإسراف والترف:

فكما أن مجاوزة الحد في الطاعات والعبادات مذموم يقود إلى التنطع والغلو، ومن ثم إلى الملل والفتور، فكذلك إن الإسراف والترف ومجاوزة الحد في التنعم والمباح من شأنه إلى يؤدي إلى البطنة والسمنة وسيطرة الشهوات؛ وهذا يؤدي حتمًا إلى الكسل والتثاقل ثم الانقطاع، قال تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه» (16).

والصحابة رضوان الله عليهم كانوا مدركين لهذه الحقيقة لذلك نجد عباراتهم مليئة بالتحذير من هذه الآفة، فها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشّبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم (17).

وها هو أمير المؤمنين سيف الحق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إياكم والبطنة في الطعام والشراب، فإنها مفسدة للجسد، موروثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه (18)، وقال أبو سليمان الداراني من أئمة السلف: من شبع دخل عليه ست آفات: فَقَدَ حلاوة المناجاة، وتَعذر حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات، وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد، والشّباع حول المزابل (19).

6- رفقة الضعفاء:

فصحبة ذوي الإرادات الضعيفة والهمم الدنية ممن يرون أن أقصى طموحاتهم لا يجاوز تحت أقدامهم، ويقتصرون دائمًا على الدون من العمل والقليل من البذل والنذر من العطاء، صحبة هؤلاء كصحبة الأجرب؛ معدية ممرضة تورث السقم وتنقل من النشاط إلى العدم، وكما قالت العرب قديمًا "الصاحب ساحب" أي يسحب إلى نفس خصاله وأخلاقه وأفعاله، والطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري، ولذلك جاء التنبيه النبوي على ضرورة انتقاء الصحبة الصالحة والرفقة الخيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (20)، أي: فليتأمل أحدكم بعين بصيرته إلى امرئ يريد صداقته؛ فمن رضي دينه وخلقه صادقه وإلا تجنبه (21).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثة» (22).

وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق، والورع والعلم والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس، أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة (23).

وأنشد بعضهم:

تجنب قرين السوء واصرم حباله     فإن لم تجد منه محيصًا فداره

والزم حبيب الصدق واترك مراءه     تنل منه صفو الود ما لم تماره

 7- العشوائية والعفوية:

من أهم أسباب نجاح أي عمل بعد الاعتماد والتوكل على الله؛ حسن التنظيم والترتيب والتخطيط، والناظر لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجدها كلها خير مثال على هذا الأمر، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يخطو خطوة واحدة إلا وهو يعلم أين يضعها؟ ولماذا يضعها؟ وماذا يرجو بعدها، ولعل حادثة الهجرة إلى المدينة خير شاهد على هذا الكلام، وربى صلى الله عليه وسلم أصحابه وعماله على النظام والترتيب وحسن التخطيط، فها هو صلى الله عليه وسلم يرسل عامله معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن معلمًا ومرشدًا، فيضع له منهجية وخطة العمل وترتيبه ودقته، فقال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإيّاك وكرائم أموالهم» (24).

والداعية إذا لم ينطلق من هذه الأصول الدعوية من الترتيب والتنظيم والتخطيط، واعتمد على العشوائية والعفوية والارتجالية في عمله، بحيث يقدم الثانوي على الأساسي والمستحب على الواجب، عندها يطول عليه الطريق، وتضطرب عنده الرؤية، ويضاعف من الجهود والتضحيات ليصل إلى أهدافه، ولكن في المقابل تضعف عنده النتائج، وعندها يصيبه الحزن والفتور وربما التوقف والانقطاع.

وقد يكون من صور العفوية والعشوائية في العمل الاقتصار في الدعوة على جانب واحد من العمل ملغيًا غيره من الأعمال من حسابه، مثل أن يجعل همه التركيز على الشعائر التعبدية، أو التركيز على العمل الخيري مثل كفالة الأيتام والأرامل، أو التركيز على العمل الاجتماعي، ولا شك أن كلها أعمال عظيمة رائعة ولكن الاقتصار على واحدة منها دون غيرها حتمًا ولا بد أن ينتهي بالداعية إلى الفتور.

8- استطالة الطريق:

بعض الدعاة يرسم لطريقه غايات محددة، إن لم يبلغها خارت عزيمته، وربما أصابته كآبة اعتزل بها الناس من حوله، لكن من تصدى لدعوة الناس وجعل وجه الله غايته، فلا تخور له عزيمة أبدًا، يقول ابن القيم: مطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين؛ هو الجنة، ومهربهم من النار (25)، فالجنة هي تمام غاية المرء، وفي سبيل طلبها والسعي في إدراكها يبقى عمله وسعيه هو المحدّد الأول لصدق مطلبه، فمن ربط دعوته وعمله بمرضاة الله فإن عزيمته تتصل ولا تنفصم مهما ألمّ به، ففي يوم أحد انتهى أنس بن النضر إلى جماعة من الصحابة قد ألقوا بأيديهم بعد لحوق الهزيمة، فقال لهم: ما يجلسكم؟! قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله (26)، وهكذا أثار الصحابي همتهم بربطهم بمبدأ يموتون دونه، والمبادئ لا تموت، حتى ولو مات حملتها المؤسسون لها.

9- الانشغال بالناس والحرص على الظفر بثنائهم:

بعض العباد والدعاة تشغله قضية متابعة الناس له، وتحدثهم في مجالسهم عن نشاطه وجهده، وحين لا يجد لهذا أثرًا تخور همَّته، وتصاب نفسه بالفتور، فربما أصيب بالكسل، وربما انقطع بالكلية، وملاحظة الناس مدخل من مداخل الشيطان على الإنسان، قد تحبط عمله بالكلية. عن شيبة بن نعامة قال: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يقوت مئة أهل بيت بالمدينة (27)، لم يعبأ رضي الله عنه بقول الناس فيه، والبخل ليس من شيم ذوي الأحساب، فكيف إذا كان سليل بيت النبوة! لكن لما كانت مرضاة الله مبتغاه، تجرع اتهام الناس صبراً لله حتى مات، فانكشف للعالمين عطاؤه.

10- دخول المرء فيما لا يحسن:

بعض الدعاة يظن أن مواهبه تصلح لكل ميدان، فهو يريد أن يناظر، ويكتب، ويؤلف، ويخطب فيجد في ذلك كله إقبال الناس وتهافتهم على ما يصنع، فإذا اقتحم ميدانًا من ذلك وأخفق أو لم يتحصّل على ما يريد فترت همته، وكلّت نفسه، فهو لا يدرك أن النجاح والتميز في ميدان لا يعني بالضرورة تحقيق الشيء نفسه في الميادين الأخرى، بل قد ينجح المرء في مكان ولا يستطع في مكانٍ مغاير تحقيق النجاح ذاته، لقد طلب أهل المدينة من رسول الله معلِّمًا، فأرسل لهم الصحابي الجليل مصعب بن عمير، وكان في أصحابه من هم أسن منه أو أكثر قراءة، لكن كان لمصعب خصائص ربما لم تكن في الآخرين من أصحابه، استطاع مصعب بحسن عرضه لقضيته أن يدخل فيها أهم رجلين بالمدينة، وبهما أسلم أكثر أهل المدينة (28)، وكان صلى الله عليه وسلم يختار لقيادة السرايا أشخاصًا دون آخرين، ثم لا يعاود اختيارهم مرة أخرى، ربما لأنَّهم كانوا يصلحون هنا كقادة ولا يصلحون هناك إلا أفرادًا ضمن النافرين (29).

علاج ظاهرة الفتور لدى الدعاة:

استشعار المسئولية:

عن جابر بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة ذات الرقاع، فأصاب رجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر، حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، دمًا، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، فقال: «من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟» فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار قالا: نحن يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «فكونا بفم الشعب»، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نزلوا إلى شعب من الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيك أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، قال: فاضطجع المهاجري، فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى زوج المرأة، فلما رأى شخص الرجل، عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه، فنزعه، فوضعه، وثبت قائمًا يصلي، ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه، وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد له الثالثة، فوضعه فيه، فنزعه، فوضعه ثم ركع فسجد، ثم أهب صاحبه، وقال: اجلس، فقد أتيت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أنه قد نذر به، هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك!؟ قال: كنت في سورة أقرأها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع علي الرمي، ركعت فآذنتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (30).

انظر كيف يشعرون بالمسئولية، بعض الناس إذا حدثته بهم الدعوة، قال: وما شأني؟ تخبره بأمور المسلمين، فيقول: ماذا أفعل؟ تقول له: تضيع أوقاتك الثمينة، يا من كنت تحفظ بعض آيات في القرآن، يا من كنت تقرأ السنة، يا من كنت تحضر الدروس، ما فعلك اليوم في أمة الإسلام؟ ما دورك؟ ما نصيبك في نصر المسلمين؟ هل أنت من الذين يتفرجون، وينتظرون الساعة تلو الأخرى، لا هم له إلا أن يقرأ الأخبار، انتصر المسلمون، أو لم ينتصروا؟

إن حدثته بمصيبة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، أما أن يقوم ويتحرك فهذا لا هم له، ولا يبالي بهذا، يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38].

نعم، إنه يفتح محلًا تجاريًا بعد أن كان داعية إلى الله، أصبح الآن مشغولًا بالتجارة، نهاره تجارة، ليله تجارة، كلامه تجارة، همه الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن منع سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» (31)، إذا سألته أن يضحي بشيء في سبيل الله قال: أبنائي وزوجتي، البيت يحتاج، أريد أن أشتري سيارة فلان، أريد أن ألبس كفلان، أريد أن أسكن كفلان.

صهيب يخرج من مكة وكان غنيًا ثريًا، فلا يسمح له كفار قريش أن يهاجر إلى المدينة، فيقول لهم: ماذا تريدون؟ يقولون: لا نسمح لك أن تجمع المال منا ثم تهاجر بمالك إلى المدينة وتأخذ أموالنا، قال: ماذا تريدون؟ إذا كنتم تريدون أموالي فهي مدفونة في مكان كذا وكذا، خذوها واتركوني أهاجر إلى رسول الله، باع دنياه، وضحى واشترى نفسه في سبيل الله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111].

إزالة الغل من القلب:

أنصحك يا عبد الله أن تصفي قلبك من الغل، وأن ترفع يديك وتقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10]، ارجع إلى إخوانك، وضع يدك في أيديهم، وابدأ معهم مرة أخرى، طريقك في الدعوة إلى الله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

أزل ما في قلبك من الغل، من الحقد، من الحسد على إخوانك، والخلاف شر، قيل للبخاري: إن أقوامًا يقولون فيك كذا وكذا، فقال رحمه الله: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76]، ثم قرأ قوله تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]، فقالوا له: ألا تدعو عليهم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» (32).

الإمام أحمد يبكي طوال ليله، فيقال له في الصباح: مالك رحمك الله تبكي طوال الليل؟ قال: مر علي في الدرس، قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ} [الشورى:40] فتذكرت المعتصم، من هو المعتصم؟ الذي كان يأمر بجلد الإمام أحمد وضربه، قال: فتذكرته، قال: فسجدت في الليل أبكي أطلب من الله عز وجل أن يحله مني، يبكي طوال ليله أن يحله الله عز وجل ممن أمر بضربه، ومن أعان على جلده، هكذا كان الأوائل، وهكذا نحن يا عباد الله.

تنظيم الوقت:

وهكذا أنصحك بأن تنظم وقتك وتحاسب نفسك، أن تجعل جزءًا من وقتك في طاعة الله، وفي الدعوة إلى الله، فتجعل جزءًا من وقتك تدعو إلى الله، وتذكر الناس، إن مجالات الدعوة كثيرة؛ سواء بالمال، أو بالوقت، أو باللسان، أو بالكتابة، أو باليد، أو بما تستطيع، فرِّغ لنفسك جزءًا من وقتك تدعو إلى الله، وتنصر دين الله.

دراسة سير الصالحين والأنبياء:

وأنصحك أن تدرس سير الأولين، وتقرأ قصص الأنبياء والصالحين، قصة قوم نوح مع نوح عليه السلام، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، أتعرف ماذا كان يفعل؟ كان يدعو إلى الله، وكان يذكر بالله، وكان ينصح في الله، حتى استغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا، ماذا فعل؟ قال: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)} [نوح: 8- 10].

أما يوسف عليه السلام، فيؤخذ صغيرًا من أبيه وأمه، ويكاد يقتل، ثم يباع بثمن زهيد في الناس، عبد يباع ويشترى، ثم يتعرض للفتن، ثم يتلوث عرضه وسمعته في الناس، ثم يرمى في السجن وحيدًا، فيجلس مع صاحبي السجن فماذا يقول: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] يدعو إلى الله في السجن.

ما بالنا لا ندعو إلى الله في الدوام والوظيفة والسيارة والعمل، في البيت والشارع والمجالس، ما بالنا لا نقول: يا قوم! اتقوا الله، يا قوم! اعبدوا الله، يا قوم! صلوا، يا قوم! استغفروا الله، يا قوم! كفوا عن المعاصي، ما بالنا لا نتكلم لله.

عقبة بن نافع، يقف على المحيط الأطلسي وعمره خمس وعشرون سنة، رافعًا سيفه، وقد تبللت أقدام فرسه في البحر، فيقول: والله! لو أعلم أن خلف هذا البحر أرضًا وقومًا لخضته بفرسي هذا، يدعو إلى الله، وينشر كلمة الله.

أما جعفر الطيار، وما أدراك ما جعفر الطيار؟! يرفع لواء الدعوة والجهاد في سبيل الله، فتقطع يمينه، فيمسكها بشماله، فتقطع، فيمسكها بعضديه، ثم تكسر الرماح في ظهره وتفيض روحه وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها      طيبة وبارد شاربها

والروم روم قد دنا عذابها      عليّ إن لاقيتها ضرابها (33).

فيموت ويطير في الجنة.

العظة من خاتمة من أصابه الفتور:

تجد بعض من يصاب بالفتور ينتكس، وتكون خاتمته سيئة، فعلى المسلم أن يتعظ بهؤلاء، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25].

التفكر في يوم القيامة:

فالتفكر في اليوم الآخر، وما أعده الله لعباده، الممتثلين لأوامره؛ من النعيم، وما أعدَّه للكفار والعاصين، من العذاب، يحرك في قلب صاحبه العزيمة الفاترة، فيقبل على الله بقلبه، ليكون من المنيبين إليه (34).

***

-----------------

(1) أخرجه أحمد (23474)، وابن خزيمة (2105).

(2) تفسير ابن كثير (2/ 438).

(3) أخرجه البخاري (6371).

(4) أخرجه مسلم (2723).

(5) شرح القسطلاني (9/ 210).

(6) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1651).

(7) أخرجه مسلم (2750).

(8) أخرجه البخاري (39).

(9) فتح الباري لابن رجب (1/ 149).

(10) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 934).

(11) أخرجه البيهقي (4743).

(12) أخرجه ابن ماجه (3029).

(13) أخرجه مسلم (2670).

(14) أخرجه أبو يعلى (3694).

(15) أخرجه أحمد (26038).

(16) أخرجه الحاكم (7945).

(17) الترغيب والترهيب للمنذري (3/ 100).

(18) كشف الخفاء (1/ 282).

(19) إحياء علوم الدين (3/ 87).

(20) أخرجه أبو داود (4833).

(21) فيض القدير (4/ 52).)

(22) أخرجه البخاري (2101)، ومسلم (2628).

(23) شرح النووي على مسلم (16/ 178).

(24) أخرجه مسلم (19).

(25) مدارج السالكين (2/ 81).

(26) الدرر في اختصار المغازي والسير (ص: 149).

(27) صفة الصفوة (2/ 96).

(28) البداية والنهاية (3/ 185).

(29) الفتور مظاهر وأسباب/ مجلة البيان (العدد: 370).

(30) أخرجه ابن حبان (1096).

(31) أخرجه الطبراني (2595).

(32) أخرجه البخاري (3163).

(33) حلية الأولياء (1/ 118).

(34) الفتور مظاهر وأسباب/ مجلة البيان (العدد: 370).