logo

فَدْرَلَة العراق ما بعد معركة الموصل


قسم : تنمية بشرية
بتاريخ : الاثنين ، 23 شوّال ، 1438 الموافق 17 يوليو 2017
بقلم : تيار الإصلاح
فَدْرَلَة العراق ما بعد معركة الموصل

النفوذ الأمريكي:

تسعى أمريكا من خلال تدخّلها في إدارة المعارك لتنويع وتكثير مصادرها في العراق، فلا تنحصر داخل الحكومة المركزية فحسب؛ بل لتُمْسِك بأكبر قدر من النفوذ الطائفي على مستوى جميع الشرائح الموجودة في العراق.

وتقوم أمريكا بتحريك مختلف الأطراف بطريقة تحقق مصالحها الاستراتيجية في العراق والمنطقة، فتستغلّ معركة استعادة الموصل من «تنظيم الدولة» لِتُحْكِمَ قبضتها في العراق، ولِتُمِسك بجميع الخيوط المؤثرة في صياغة المشهد العراقي، فتُجبر حكومة العبادي على التعامل مع قوات البشمركة الكردية في عملية استرجاع الموصل، وتُحَدّد لكل طرفٍ دوره في المعركة؛ فقبيل وصول رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني إلى بغداد في أول زيارةٍ له للعاصمة العراقية منذ أربع سنوات، مهّدت أمريكا لتلك الزيارة من خلال تصريح قائد القيادة الوسطى للقوات الأمريكية الجنرال جوزيف دانفورد الذي قال فيه: «إنّ خطط تحرير الموصل لن تكون ناجحة من دون مشاركة البارزاني وقوات البشمركة».

وبعد لقاء العبادي والبارزاني ذكر بيان الحكومة العراقية أنّهما «عقدا اجتماعًا مغلقًا»، وقال العبادي عقب الاجتماع إنّ «معركة الموصل حاسمة ومهمة وبهمّة المقاتلين من الجيش العراقي والشرطة والحشد الشعبي والعشائري والبشمركة سنحقّق النصر كما حققناه في الشرقاط والقيارة والفلوجة»، وهذا يعني أنّ أمريكا تُريد استخدام كل الأطراف في العراق في هذه المعركة بمن فيهم مجموعة إيران في العراق (الحشد الشعبي).

وبموازاة ذلك الاجتماع، قالت الإدارة الأمريكية: إنّها ستعمل على تدريب وتسليح 15 ألفا من أبناء (العشائر السنية) لتسلم مهام المدينة بعد (تطهيرها) من التنظيم، بينما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية على لسان جون دوريان المتحدث باسم التحالف الدولي ضد ما يُسمّى بـ(الإرهاب) أنّها نشرت في إطار عمليات التحضير لتحرير الموصل، أكثر من 400 عسكري إضافي في العراق، ليصل بذلك عدد القوات الأمريكية هناك إلى 4460 عسكرياً.

فزيارة بارزاني لبغداد أتَت في سياق هذه العملية، وقد أنيطت بقوات البيشمركة العمليات العسكرية من جهة إقليم كردستان في شرق وشمال الموصل بدعم طيران التحالف الدولي والطيران العراقي، فيما تقوم القوات العراقية بتحرير المناطق التي تقع من جهتي الجنوب والغرب لمدينة الموصل.

الأهداف الأمريكية من عملية الموصل:

أمّا ما هي الاتفاقات والنتائج غير المُعلنة التي ستتمخض عن عملية الموصل بحسب ما تُريد لها أمريكا، فإنّ ما رشح من تصريحات للعبادي نفسه تصبّ في تأكيد فكرة فدْرَلَة العراق، فقال: «إنّ الحكومة الاتحادية تؤيد الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي لإقليم كردستان» وأضاف: «نحن ندعم الحكم اللامركزي بإعطاء هذه الصلاحيات حسب الدستور العراقي والحكومة الاتحادية»، والحكومة الاتحادية هي عينها الحكومة الفدرالية، ولا يُستبعد أنّه عندما يتحدثون اليوم عما يُشبه إعطاء إقليم كردستان الاستقلال، أنهم يتحدّثون غداً عن إقليم آخر، خاصةً وأنّ أمريكا تقول إنّها تعمل على تدريب وتسليح 15 ألفًاً من أبناء (العشائر السنية) لتسلمّها مدينة الموصل بعد استرجاعها من تنظيم الدولة.

إن حرب الولايات المتحدة الأمريكية على ما يسمى «الإرهاب» لا يخرج عن كونه نوعًا من السعي لتكوين إمبراطورية ممتدة؛ فالانتشار الواسع  للفيالق، والفرق العسكرية، والقوات الخاصة، ومضاعفة القواعد العسكرية في كافة أصقاع العالم، تحت ذريعة حرب الإرهاب؛ وما هو إلا ستار لإخفاء الهيمنة والاحتلال.

ففي سياق لعبة «حرب الإرهاب» تعمد أمريكا اليوم إلى توسيع نفوذها وسيطرتها وإعادة احتلالها للعراق بمشروع جديد طموح يصل إلى سوريا، يقوم على تأسيس فضاء جديد، يمتد من الموصل إلى الرقة، ويفرض واقعًا جديدًا وخرائط مبتكرة، تتجاوز حدود «سايكس بيكو».

وذلك لتحقيق جملة من الأهداف، وفي مقدمتها حماية أمن إسرائيل، ومنع قيام أي دولة أو منظمة أو كيان قادر على تهديد أمنها، والحيلولة دون تمدد إيران وزيادة نفوذها من طهران إلى بيروت مرورًا ببغداد ودمشق، ولجم الطموحات التركية بتوسيع نفوذها، ووأد حلم الجهادية العالمية بتأسيس «خلافة إسلامية» تهدد  منطقة الشرق الأوسط والعالم.

ومن السيناريوهات التي توقعها وزير الموارد المائية العراقي حسن الجنابي، أن تحاول الولايات المتحدة الأمريكية «جرّ الأمة العربية إلى متاهات أخرى» على حد وصفه، مؤكدًا أنه لا يعتقد أن واشنطن من مصلحتها استقرار المنطقة العربية في المرحلة القادمة.

خطوات عملية:

لم تعد الخطة التي وضعتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) من أجل الهجوم المُقبِل على الرقة سرية؛ وهي تستند إلى زيادة كبيرة في المشاركة العسكرية الأميركية، بما في ذلك زيادة قوات العمليات الخاصة وطائرات الهليكوبتر الهجومية، والمدفعية، وإمدادات الأسلحة إلى القوات المقاتِلة الرئيسية على الأرض، من الكرد والعرب السوريين في «قوات سوريا الديمقراطية»، وإنشاء قاعدة عسكرية ضخمة في قرية «تل بدر»  في شمال شرق سوريا، ونشر ألف جندي موجودون بالفعل قابلين للزيادة في المستقبل القريب، وتقع القاعدة الأمريكية بالقرب من مدينة الحسكة إلى الشمال الشرقي من سوريا، على بعد 70 كيلومترًا من الحدود مع تركيا، و50 كيلومترًا من الحدود مع العراق.

وعلى الجانب العراقي تواصل الولايات المتحدة الأمريكية بناء قواعد عسكرية جديدة في العراق؛ فبعدما أعلنت في وقت سابق بناء خمس قواعد عسكرية في إقليم كردستان، قاربت اليوم على الانتهاء من إنشاء قاعدتين بمدينة الموصل، قد تكون إحداهما بديلًا عن قاعدة «إنجرليك» التركية؛ حيث أوشكت أمريكا على افتتاح قاعدة لقواتها في مطار القيارة العسكري جنوبي مدينة الموصل، بعد تأهيل المدرج وبناء كانتونات سكنية لعوائل العسكريين المشاركين مع تلك القوات، وكانت وزارة الدفاع العراقية  قد أعلنت عن استعادة كامل مطار ناحية القيارة بعد معارك مع «تنظيم الدولة» في منتصف تموز/ يوليو 2016، وتقع قاعدة القيارة الجوية على مسافة 50 كم جنوبي الموصل، وتعمل القوات الأمريكية  على تشّيد قاعدة أخرى عند سد الموصل، حيث سيرتفع عدد القوات الأميركية المتواجدة في العراق إلى نحو 7000 جندي.

أما من جهة «تنظيم الدولة»، فقد ذكر أحد قادتهم والمدعو باسم أبو البراء الموصلي، أن التنظيم قام بانسحاب تكتيكي في الموصل محولًا مقر الخلافة إلى«تلعفر» مؤقتًا.