يوم عرفة إكمال الدين وإتمام النعمة

يوم عرفة يوم من أيام الله عز وجل، يتجلَّى فيه على عباده، ويُفيض عليهم من رحمته ومغفرته وبركاته، إنه يوم يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين وخواصِّه المقرَّبين، وهو أعظم مجامع الدنيا، وقد ارتبط في الوجدان الإسلامي بتمام هذا الدين وكماله، وذلك لنزول قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
وقفة مع الآية:
فقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
إن هذه الآية تقرر -بما لا مجال للجدال فيه- أنه دين خالد، وشريعة خالدة، وأن هذه الصورة التي رضيها الله للمسلمين دينًا هي الصورة الأخيرة، إنها شريعة ذلك الزمان وشريعة كل زمان وليس لكل زمان شريعة، ولا لكل عصر دين، إنما هي الرسالة الأخيرة للبشر، قد اكتملت وتمت، ورضيها الله للناس دينًا.
فمن شاء أن يبدل، أو يحور أو يغير، أو يطور، إلى آخر هذه التعبيرات التي تلاك في هذا الزمان، فليبتغ غير الإسلام دينًا: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
إن هذا المنهج الإلهي المشتمل على التصور الاعتقادي، والشعائر التعبدية، والشرائع المنظمة لنشاط الحياة كله يحكم ويصرف ويهيمن على نشاط الحياة كله، وهو يسمح للحياة بأن تنمو في إطاره وترتقي وتتطور دون خروج على أصل فيه ولا فرع، لأنه لهذا جاء، ولهذا كان آخر رسالة للبشر أجمعين.
إن تطور الحياة في ظل هذا المنهج لا يعني مجافاتها، أو إهمالها لأصل فيه ولا فرع؛ ولكن يعني أن طبيعة المنهج تحتوي كل الإمكانيات التي تسع ذلك التطور بلا خروج على أصل أو فرع، ويعني أن كل تطور في الحياة كان محسوبًا حسابه في ذلك المنهج؛ لأن الله سبحانه لم يكن يخفى عليه- وهو يضع هذا المنهج في صورته الأخيرة، ويعلن إكماله وارتضاءه للناس دينًا- أن هناك تطورات ستقع، وأن هناك حاجات ستبرز، وأن هناك مقتضيات ستتطلبها هذه التطورات والحاجات، فلا بد إذن أن يكون هذا المنهج قد احتوى هذه المقتضيات جميعًا (1).
وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة «الإنسان» منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان؛ من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات، لكي تستمر، وتنمو، وتتطور، وتتجدد حول هذا المحور وداخل هذا الإطار.. وقال الله سبحانه للذين آمنوا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
فأعلن لهم إكمال العقيدة، وإكمال الشريعة معًا، فهذا هو الدين، ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين- بمعناه هذا- نقصًا يستدعي الإكمال، ولا قصورًا يستدعي الإضافة، ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير، وإلا فما هو بمؤمن وما هو بمقر بصدق الله وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين.
إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن، هي شريعة كل زمان، لأنها- بشهادة الله- شريعة الدين الذي جاء «للإنسان» في كل زمان وفي كل مكان لا لجماعة من بني الإنسان، في جيل من الأجيال، في مكان من الأمكنة، كما كانت تجيء الرسل والرسالات.
الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي، والمبادئ الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان دون أن تخرج عليه، إلا أن تخرج من إطار الإيمان! والله الذي خلق «الإنسان» ويعلم من خلق هو الذي رضي له هذا الدين المحتوي على هذه الشريعة.
فلا يقول: إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم، إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان وبأطوار الإنسان (2).
معنى إكمال الدين:
إكمال الدين يعني أن الله تعالى قد أتمّ لهذا الدين جميع أصوله وفروعه، فلم يترك خيرًا إلا دلّ عليه، ولا شرًا إلا حذّر منه، فلم يعد هناك مجال لزيادة أو نقصان في التشريع، ولهذا قال العلماء: كل بدعة في الدين بعد هذا اليوم فهي مردودة.
ويقف المؤمن ثانيًا: أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين، بإكمال هذا الدين وهي النعمة التامة الضخمة الهائلة.
النعمة التي تمثل مولد «الإنسان» في الحقيقة، كما تمثل نشأته واكتماله، «فالإنسان» لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له، وقبل أن يعرف الوجود الذي يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين، وقبل أن يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته على ربه، كما يعرف ذلك كله من دينه الذي رضيه له ربه (3).
معنى إتمام النعمة:
أما إتمام النعمة، فهو أن الله تعالى جمع للمؤمنين بين نعمة الهداية ونعمة التشريع الكامل، فصار الإسلام دينًا تامًا شاملًا ينظم حياة الإنسان كلها، عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا ومعاملات.
ويقف المؤمن ثالثًا: أمام ارتضاء الله الإسلام دينًا للذين آمنوا.. يقف أمام رعاية الله سبحانه وعنايته بهذه الأمة، حتى ليختار لها دينها ويرتضيه.. وهو تعبير يشي بحب الله لهذه الأمة ورضاه عنها، حتى ليختار لها منهج حياتها..
إن ارتضاء الله الإسلام دينًا لهذه الأمة، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار، ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع واقتدار..
وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل- بله أن يرفض- ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله! وإنها- إذن- لجريمة نكدة لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجيًا أبدًا، وقد رفض ما ارتضاه له الله، ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإسلام دينًا لهم، يرتكبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين، فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه..
واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم الله، فلن يتركهم الله أبدا ولن يمهلهم أبدًا، حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون (4).
خصوصية يوم عرفة:
- يوم إكمال الدين وإتمام النعمة:
في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال أي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم: وهو قائم بعرفة يوم الجمعة (5).
قال ابن رجب: فهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا؛ إنما تكون بالشرع والاتباع، فهذه الآية لما تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدًا لهذه الأمة من وجهين:
أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة.
والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: أنه يوم الحج الأكبر (6).
- يوم عيد لأهل الموقف:
عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» (7).
هذا الحديث النبوي يرسم ملامح الفرح المشروع في الإسلام، ويؤكد أن العبودية لله لا تعني الانقطاع عن مباهج الحياة المباحة، بل تنظيمها وتوجيهها، فقوله صلى الله عليه وسلم: «عيدنا أهل الإسلام» يدل على أن هذه الأيام –يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق– مواسم عبادة وفرح معًا، يجتمع فيها ذكر الله مع إظهار نعمه. ويوم عرفة للحاج هو ذروة التضرع والانكسار، ويوم النحر وأيام التشريق أيام شكرٍ وامتنان، يُظهر فيها المسلم سروره بإتمام النسك، ويُوسّع على نفسه وأهله بالأكل والشرب، دون غفلة عن ذكر الله، كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، وفي هذا توجيه نبوي بديع يوازن بين الروح والجسد، ويغرس في الأمة أن الفرح الحقيقي هو ما كان موصولًا بطاعة الله، وأن الأعياد في الإسلام ليست مجرد مظاهر؛ بل هي شعائر تحمل معاني الشكر والتوحيد والاجتماع على الخير.
- يوم أقسم الله به:
والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3]، فعن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه الله منه» (8).
وهذا قول ابن عباس والأكثرون: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وروي عن ابن عمر: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر، قال سعيد بن المسيب: الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة (9).
قال بعضهم: قد ادخر الله لهذه الأمة يوم الجمعة المؤذن بنهاية الوصل إذ مقام الجمعية هو مقام الوصل الذي هو أكمل المقامات وأعلاها وأغلاها، وجعل لليهود السبت المؤذن بقطيعتهم وحرمانهم، وللنصارى الأحد المؤذن بوحدتهم وتفردهم عن مواطن الخيرات والسعادات، فكان مما خصت به كل أمة من الأيام دليل على أحوالها وما يؤول إليه أمرها (10).
وهو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3]، قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة، وهو قول عكرمة والضحاك (11).
- أن صيامه يكفر سنتين:
فقد ورد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» (12).
ومعنى ذلك أن هذا اليوم المبارك سببٌ لمغفرة ذنوب عامين كاملين: عامٍ مضى، وعامٍ يأتي، وهو من أعظم مواسم الفضل الإلهي التي يُضاعف فيها الأجر وتُمحى بها الخطايا.
لكن ينبغي التنبه إلى أن هذا التكفير محمولٌ عند أهل العلم على صغائر الذنوب، أما الكبائر فتحتاج إلى توبةٍ خاصة صادقة، كما أن هذا الفضل مشروطٌ باجتناب الكبائر وحسن الصيام مع صدق النية.
وفي ذلك حثٌّ عظيم على اغتنام هذا اليوم بالصيام، والذكر، والدعاء، رجاء رحمة الله الواسعة، الذي يفتح لعباده أبواب المغفرة في مواسم الخيرات.
وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
ولم يُشرع هذا الصيام للحاج؛ لأن الحاج في موقفٍ عظيم من الدعاء والذكر بعرفة، فكان ترك الصيام في حقه أقوى على العبادة، أما غير الحاج فباب الخير مفتوح له بالصيام، ليشارك أهل الموقف في شيءٍ من نفحات هذا اليوم المبارك.
إنه يومٌ يُربّي في النفس معنى الرجاء، ويُذكّر العبد بسعة مغفرة الله، وأن لحظاتٍ صادقةً من الطاعة قد تمحو سنواتٍ من التقصير، فطوبى لمن اغتنمه بالصيام والإخلاص، ورجا من الله القبول والتكفير.
- اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان -يعني عرفة- وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)} [الأعراف: 172- 173]، (13)، فما أعظمه من يوم وما أعظمه من ميثاق.
هذا الحديث يشير إلى مشهدٍ عظيم من مشاهد الغيب، يذكّر الإنسان بحقيقته الأولى وعهده القديم مع ربّه، ففيه أن الله سبحانه وتعالى أخذ الميثاق من ذرية آدم عليه السلام في موضعٍ يُقال له “نَعمان” بعرفة، فأخرجهم من ظهره كهيئة الذر، ثم أشهدهم على أنفسهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}، فكان ذلك إقرارًا فطريًا راسخًا في أعماق كل إنسان بتوحيد الله وربوبيته.
وهذا الميثاق هو أصل الفطرة التي يولد عليها البشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» (14)، فهو غرسٌ إلهي في القلوب يدعوها إلى الإيمان، ويجعل الحجة قائمة على العباد، فلا يكون لأحد عذر في إنكار خالقه.
ويأتي تذكير هذا العهد في سياق يوم عرفة ليوقظ القلوب؛ فكأن الحجيج وهم يقفون بعرفة يعيدون تجديد ذلك الميثاق، ويرجعون إلى أصل العبودية الخالصة، معلنين التوحيد، رافعين أكفّ الضراعة، مستحضرين أنهم عبيدٌ لربٍ واحد أخذ عليهم العهد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
فإذا استحضر المسلم هذا المعنى، ازداد يقينه، واستقام على طاعة الله، وعلم أن طريق النجاة هو الوفاء بهذا العهد: توحيدًا، واتباعًا، وإخلاصًا.
- يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار:
ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (15).
وفي هذا اليوم العظيم تتجلّى معاني الرجاء والتوبة، فيغفر الله الذنوب العظام، ويبدّل السيئات حسنات لمن صدق في إنابته، ولذلك شرع صيامه لغير الحاج، وجعل فيه من الفضل ما لا يكون في غيره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (16)، فكان يومًا يجمع بين تكفير الذنوب الماضية، ووقاية العبد من الذنوب الآتية.
قال النووي: معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين، قالوا: والمراد بها الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء، وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات (17).
ومعنى تكفير السنة الآتية أن يحفظه الله من الذنوب أو يعطيه من الرحمة، والثواب بقدر ما يكون كفارة للسنة الماضية والقابلة (18).
إنه يومٌ تُستدرّ فيه الدموع، وتخشع فيه القلوب، ويقبل فيه العبد على ربّه إقبال المذنب الراجِي، لا يركن إلى عمل، ولا يغترّ بطاعة، بل يفرّ إلى الله بقلبٍ منكسر، ولسانٍ ذاكر، ونفسٍ تائبة، طامعًا في أن يُكتب في زمرة المعتوقين، الذين قال الله فيهم: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فمن أدرك هذا اليوم ولم يُغفر له، فقد فاته خيرٌ عظيم، فليغتنمه بالدعاء والاستغفار، لعلّه يُكتب من أهل العتق والرضوان.
يوم يباهي الله فيه ملائكته بأهل الموقف:
يوم عرفة يوم تتجلى فيه منزلة العابدين عند ربهم، حتى إن الله تعالى يُباهي بهم ملائكته، في مشهدٍ عظيم يدلّ على شرف الطاعة وصدق الإقبال، فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا» (19)، أي جاءوا متواضعين متجردين من زينة الدنيا، قاصدين وجه الله وحده.
وفي هذا التباهي الإلهي تكريم عظيم لأهل الموقف، حيث يظهر الله فضلهم وصدق نياتهم أمام ملائكته، مع علمه سبحانه بحالهم، لكنه إظهار لمكانتهم ورفع لقدْرهم، وتحبيبٌ لهذه العبادة الجليلة، وقد جاء في بعض الروايات: «أشهدكم أني قد غفرت لهم» (20)، فيجتمع في هذا اليوم التباهي والمغفرة والعتق، فيا له من فضلٍ لا يُدرك قدره إلا من استشعر عظمة هذا المشهد.
إنه يومٌ يُظهر فيه العبد فقره وذلّه، ويرفع فيه يديه ضارعًا باكيًا، فيُقابله الله بالقبول والرضوان، ويذكره في الملأ الأعلى، كما قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، فمن ذُكر عند الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، فطوبى لمن كان في هذا اليوم من الذاكرين، المخبتين، الذين شملهم هذا التباهي الرباني، فصاروا محل رحمة ورضوان.
خير يوم طلعت عليه الشمس:
يومُ عرفةَ هو خيرُ يومٍ طلعت عليه الشمس، لما اجتمع فيه من عظيم الفضل وكثرة الخير، فهو يومٌ تُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه الزلات، وتتنزّل فيه الرحمات، ويُقبل الله فيه على عباده إقبالَ رحمةٍ وفضل.
وفي هذا اليوم تتضاعف الحسنات، وتُرجى فيه إجابة الدعوات، حتى قال صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة» (21)، فكان يومًا يجمع بين شرف الزمان وعلوّ المكان وعظمة العبادة، حيث يقف الحُجّاج على صعيدٍ واحد، قد تجردوا من الدنيا، رافعين أكفّ الضراعة، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه.
وما كان هذا اليوم خير الأيام إلا لأنه ميدان التوحيد الخالص، ومشهد الانكسار الصادق، وموسم القرب من الله، ففيه تكتمل معاني العبودية، ويظهر صدق الافتقار إلى الله تعالى، فيفيض على عباده من كرمه ما لا يفيض في غيره، فمن أدركه فليعظّم شأنه، وليُكثر فيه من الذكر والدعاء والاستغفار، لعلّه ينال من خيره وبركته، ويُكتب في ديوان الفائزين.
حقيقة العبودية:
بلغ الإسلامُ ذروةَ كماله في أعظم مشهدٍ من مشاهد العبادة يومَ عرفة، حين اجتمع المسلمون على صعيدٍ واحدٍ، قد تجردوا من زخارف الدنيا، ووقفوا بين يدي الله بقلوبٍ خاشعةٍ وألسنةٍ ذاكرة، حيث تتوحد الأمة في عبادةٍ واحدة، وزمانٍ واحد، ومكانٍ واحد، لا فرق بين غنيٍّ وفقير، ولا بين قويٍّ وضعيف، إلا بالتقوى، مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وفي هذا المقام العظيم تظهر حقيقة العبودية في أكمل صورها؛ خضوعٌ تام، وافتقارٌ كامل، وانكسارٌ صادق بين يدي الله، فيجتمع كمال التشريع مع كمال التطبيق، وكمال الظاهر مع كمال الباطن، ليكون يوم عرفة شاهدًا خالدًا على أن هذا الدين قد بلغ الغاية في الكمال، وأنه صالحٌ لهداية البشرية إلى قيام الساعة.
- وحدة المسلمين واجتماعهم من أعظم مظاهر هذا الدين:
إنَّ وحدةَ المسلمين واجتماعَهم من أعظمِ مظاهرِ هذا الدين، بل هي من مقاصده الكبرى التي جاء بها، وجعلها سببًا للقوة والنصر، وعنوانًا على صدق الإيمان، قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، فأمر بالاجتماع ونهى عن الفرقة، لأن في الاجتماع رحمةً وقوة، وفي التفرق ضعفًا ووهنًا.
ويتجلّى هذا المعنى بأبهى صوره في يوم عرفة، حين تقف الأمة على صعيدٍ واحد، بلباسٍ واحد، وشعارٍ واحد، ونداءٍ واحد: لبيك اللهم لبيك، فتذوب الفوارق، وتسقط الحواجز، وتتوحد القلوب قبل الأبدان، في مشهدٍ يُجسّد حقيقة الإسلام الذي جمع بين الناس على التوحيد، وربط بينهم بأخوة الإيمان، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الفرقة، فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (22)، إشارةً إلى أن التنازع والاقتتال يهدم أصل الاجتماع، ويقوّض بنيان الأمة، فالوحدة ليست مجرد شعار؛ بل هي عبادةٌ وطاعة، وسلوكٌ عمليّ يقوم على التراحم والتآلف والتعاون على البر والتقوى.
فإذا اجتمع المسلمون على طاعة الله، وتآلفت قلوبهم على الإيمان، صاروا كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضًا، وحققوا بذلك مقصدًا عظيمًا من مقاصد هذا الدين، الذي أراد لهم أن يكونوا أمةً واحدةً شاهدةً على الناس، تحمل رسالة الحق، وتدعو إلى الخير، وتُجسّد في اجتماعها صورةً من أعظم صور الهداية والرحمة.
- هذا الدين صالح لكل زمان ومكان:
إنَّ من أعظم دلائل كمال هذا الدين أنَّه صالحٌ لكلِّ زمانٍ ومكان، لأنه تنزيلٌ من لدن حكيمٍ خبير، يعلم أحوال الخلق وتقلباتهم، فقال سبحانه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، فجاءت شريعته شاملةً مرِنةً، تجمع بين الثبات في الأصول، والمرونة في الفروع، لتواكب تغيّر الأزمنة واختلاف البيئات دون أن تفقد هويتها أو مقاصدها.
وقد أعلن الله تمام هذا الدين وكماله في أعظم مشهدٍ من مشاهد العبادة يوم عرفة بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فكان هذا الإعلان إيذانًا بأن هذا المنهج الرباني قد بلغ الغاية في الكمال، فلا يحتاج إلى زيادةٍ من البشر، ولا يقبل نقصًا أو تحريفًا؛ بل هو صالحٌ لهداية الناس إلى قيام الساعة.
ومن مظاهر صلاحيته لكل زمان ومكان: أنه جاء بأصولٍ عامةٍ وقواعد كلية، مثل العدل والرحمة ورفع الحرج، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، ففتح بذلك باب الاجتهاد فيما يجدّ من النوازل، ليبقى الدين حيًّا فاعلًا في واقع الناس، يعالج مشكلاتهم ويهدي مسيرتهم.
فهذا الدين ليس حبيس زمنٍ مضى، ولا مقصورًا على بيئةٍ دون أخرى؛ بل هو نورٌ ممتد، ومنهجٌ خالد، يصلح للإنسان في كل عصر، لأنه يخاطب فطرته، وينظّم حياته، ويربطه بربه، فطوبى لمن تمسّك به، واستمسك بعراه، وجعله منهاج حياته في كل حال.
الخلاصة
يوم عرفة هو يوم إعلان اكتمال الرسالة، وتمام النعمة، ورضا الله بالإسلام دينًا للبشرية. لذلك فهو يوم فرح للمؤمنين، ويوم عبادة وخضوع وشكر لله تعالى على هذه النعمة العظيمة.
