هؤلاء سرقوا منا رمضان

من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أنه صفَّد الشياطين في هذا الشهر في تهيئة رائعة بديعة للأجواء الإيمانية في هذا الشهر المبارك، لكن أتباع الشيطان وجنده من بني الإنسان أبوا إلا أن يحملوا اللواء لما صفد أسيادهم ولسان حالهم: لئن صُفد الأسياد فنحن بالمرصاد، سنسير على طريقهم ونكمل مشوارهم ونقوم بدورهم على أكمل وجه حتى يأتي وقت الفكاك.
هناك دائمًا مَن يتربَّص بك كي يسرق وقتك، وذهنك، وتركيزك، بل وأحيانًا يسرقك أنت؛ في دوَّامة من إثارة المشاعر، وعرض ما يضعف النفس؛ إنَّهم «لصوص رمضان».
فعلى مدار الشهر الكريم يلاحظ الجميع كثرة المسلسلات والبرامج، والعروض والمسابقات، وغيرها من الملهيات التي تشتت الذهن، وتلهي الطائع عن الطاعة، فتشغل العين عن قراءة القرآن، وتربط اللسان عن ذكر الله، وتثير الجسد إلى ما هو محرم، وتضيع الوقت دون الاستفادة منه؛ فبدلًا من انتظار الأذان للصلاة أصبحنا ننتظر لقطات فاسدة عبر شاشات مزينة، ومسامع محرمة، عبر أفواهٍ لا تنادي إلَّا لما حرَّم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ يا صديقي، إنهم «لصوص رمضان».
مضى من رمضان ثلثه، وشمر فيه المشمرون، ووفق فيه الموفقون، فاستغلوا نهاره بالصيام، وبقراءة القرآن وبالمحافظة على فرائض الله، وقطعوا لياليه بالقيام والدعاءِ والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى، وفي مقابل هؤلاء أقوام سرق منهم رمضان، سرقه منهم قطاع الطريق فأفنوا نهاره بأنواع الملهيات من نوم إلى قبيل المغرب مع تضييع للصلوات المفروضة سواءً من صلاة الفجر أو الظهر أو العصر.
ومنهم من جعلوا من رمضان ميدانًا للمهرجانات والتعليقات، حتى صارت شعارًا على محلاتهم وعلى بيوتاتهم ومنازلهم تقليدًا للعوائد الوافدة علينا، حتى أضحى هذا كالشعار لرمضان في بلدانهم وأرادوا أن ينقلوه إلينا.
ومنهم من جعلوا من رمضان ميدانًا للهو واللعب إما بالمسلسلات والأفلام، وإما بمسابقات القِمار، حتى جعلوا ليالي رمضان ونهاره استعدادًا لذلك، وما هؤلاء إلا من قطاع الطريق عليكم وسراق رمضان من عباد الله، وقد وقع في شباك هؤلاء من وقع، فمضى عليهم اليوم والليلة وقد ضيعوا فرائض الله ولم يستغلوا رمضان فيما استغله به عباده وأولياؤه.
إعلام رمضاني:
في كل عام يقبل علينا شهر الجود والقرآن وتقبل معه الأطعمة الغنية والوجبات الشهية، ولكن هذه المرة ليست الوجبات المغذية، وإنما الوجبات الإعلامية المُشْبَعة بدهون الفساد الأخلاقي لترفع نسبة البعد الديني فتضعف المناعة ولا ننتفع بعدها بأي غذاء روحي يقدمه لنا شهر رمضان المبارك.
للأسف سَمَّوْه «إعلام رمضاني» وادَّعَوْا أنه موجَّه للصائمين، مما يوحي أنه وُضِعَ لمساعدة الصائمين على استقبال الشهر الفضيل وإعداد خطة أعمال لاستثمار الأوقات بالطاعات والابتعاد قدر الإمكان عن اللهو ومضيعة الأوقات.
ولكن إذا وضعنا هذا الإعلام الذي يدّعي أنه رمضاني تحت المجهر، نرى أنه يشحن أوقات الصلاة بالجواذب الإعلامية حتى يترك الناس صلاة التراويح أو يصلوا بأجسادهم والعقل في المسلسلات والبرامج التلفزيونية
وهذا ليس بأمر جديد، فهذه هي عادة الإعلام في شهر رمضان، وأهدافه لا تخفى على كل فَطِن ذكيّ حريص على دينه، ولكن الجديد الذي رأيناه تحت المجهر ولم تره العين المجردة هي «سُوسة» الفساد الجهري والدعوة للفاحشة ولكن هذه المرة بشكل رسمي.
إنه «سُوسة» تنخر في أجساد صائمي هذا الشهر الفضيل لتذيب الحسنات، وبدل أن تخرِّج مَدرسةُ رمضانَ أفرادًا صالحين يمتد أثرهم لما بعد الشهر الكريم، فلا خِرّيجين ولا صالحين.
وظهور هذا النوع الجديد من اللصوص وهم لصوص رمضان الذين سرقوا الصلوات بالمسلسلات، وسرقوا السجدات بالتفكير في الشهوات وسرقوا القيام بما يعرضونه من مُغْرِيات، حتى إنهم سرقوا من أجر الصيام بالمفسدات والنتيجة: تغيير بوصلة الكثير من الصائمين.
رمضان سوق للطاعات قام وسينفَضُّ بعد شهر، ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، فلنفتح نافذة رمضان ثم نردد بصوت مسموع: من فضلك يا مدعي الإعلام الرمضاني لن يسبقني إلى الله أحد، وأنا من سيكون بطل مسلسل رمضان، شهر الفضيلة لا الرذيلة.
تجنَّبوا شاشة التلفاز في شهرٍ سريع النفاد:
يختلف اهتمام المسلمين بالتلفاز في شهر رمضان الكريم؛ فمنهم مَن يستغل هذا الشهر للصيام والقيام والطاعات، والبعض الآخر ينتظر قدومَ رمضان لمتابعة التلفاز وما به مِن مغريات وملهيات؛ وذلك من خلال إعلانات تُذكِّر الناس بالمسلسلات الجديدة والبرامجِ وغيرها؛ مما يثير اهتمامَ ضعفاء النفوس ويجذبهم لمتابعة تلك الهراءات المحملة بحبائل الشياطين؛ لذلك لا بدَّ مِن أن نستغلَّ التلفازَ ليكون مُعينًا لنا على الطاعة مِن خلال متابعة الدروس الرمضانيَّة الوسطيَّة، وسماع القرآن والتفاسير والأحاديث؛ كي نحقِّق معانيَ الصِّيام الصحيحة.
وقد أثبتت بعض الدراسات أنَّ هناك صلة بين الإدمان على التلفاز وقلة الإنتاج والفاعلية والعمل عمومًا، فما بالكم بهذا الإدمان الذي يؤثر على طاعاتنا في شهر رمضان المعظم؟!
فبمجرَّد مشاهدة المسلسلات المشتملة على المحرَّمات -كالتبرُّج والاختلاط ونحو ذلك- في نهار رمضان ينقص مِن أجر الصِّيام؛ بل قد تذهب بأجره كلِّه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع» (1)، فمشاهدة المسلسلات دليل على عدم تحقيق الغاية المرادة من الصيام؛ وهي تقوى الله جل وعلا، فإن الصيام فرض لأجل تحقيق التقوى؛ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
ليتذكَّر الجميع سرعةَ مرور الأيام والأعوام، ولا بدَّ أن نعتبر ونتَّعظ مِن مرروها وسرعتها، قال الله سبحانه وتعالى: {يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44].
الهواتف الذكية:
تشير دراسة حديثة لشركة "الفيس بوك" إلى ارتفاع كبير لاستخدام الإنترنت والهواتف الذكية ومواقع السوشيال ميديا في منطقة الشرق الأوسط؛ وذلك خلال شَهر رمضان المعظم.
وتابعت الدِّراسة أنَّ أكثر من 70 % من سكان الشرق الأوسط يمتلكون هواتف ذكية؛ مما يجعل من الإنترنت والهواتف والمواقع حلقة تواصل كبرى بين المسلمين خلال الشهر الكريم.
فيما أظهرت دراسةٌ أخرى قام بها باحثون من جامعة "نورث وسترن يونيفرسيتي" الأمريكية، ونشرت في مجلة "Sleep" العلمية - رابطًا بين الشعور بالجوع واستخدام الإنترنت والهواتف الذكية والمواقع وغيرها.
وبيَّنتِ الدراسة أن التعرض للضوء الأزرق المنبثق مِن هذه الأجهزة لمدة ثلاث ساعات يوميًّا يؤثِّر على تبديل مواد الجوع والجلوكوز في الجسم، ويتسبَّب في مشاكل في النوم؛ مما يؤثر على أنماط الاستهلاك الغذائي.
دراسة أخرى أَجْرَتها "فيسبوك آي كيو" أشارت إلى قضاء المستخدمين 57,6 مليون ساعة إضافيَّة على فيسبوك خلال شهر رمضان الكريم؛ وذلك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
كل هذه الدراسات والأرقام تضَع أمامَنا علامات استفهام عديدة متعلقة بحجم الأضرار الوخيمة التي قد تنتج عن الاستخدام السيِّئ لمثل هذه الأشياء، فضلًا عن الوقت الضَّائع الذي سيهدر الكثير والكثير مِن الحسنات والمسرَّات المتاحة في الشهر الكريم؛ لذا وجب علينا التفكير والتمعُّن في كيف نستخدم ولِم نستخدم، وفي أيِّ الأوقات، أيضًا علينا تقويم استخداماتنا للهواتف والمواقع؛ كي لا نضيع الوقت الثمين في شهر رمضان؛ بل يوجد الآن العديد مِن التطبيقات والمواقع الإسلاميَّة الكثيرة والمفيدة؛ منها ما يذكر المسلم بأوقات الإفطار والسحور والقيام، ومنها ما يلقي الدروس وينشر الخير، والتي ستكون بالتأكيد معينة للمسلم في شهر رمضان الكريم.
ضياع الأوقات في الأسواق والمتنزهات:
الأسواق لص متخصص في هدر المال والوقت بلا حساب، وما أصيب العاقل بمثل مصيبة ضياع الأوقات؛ لأن اللحظة التي تمر لن تعود أبدًا، فالعاقل يدرك أن الزمن هو أنفاسه التي تتردد، وأن الدقيقة إذا مضت وانقضت فهي نقص من حياته، ولذلك ينطلق العاقل في حياته مستثمرًا لكل لحظة منها أجدى وأفضل استثمار، لعلمه أن الله سيسأله عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه.
أما أهل الفوضى والبطالة فليس في حياتهم أرخص من الأوقات، يقضونها في اللهو والتوافه، لا يعتنون بها ولا يفكرون في استغلالها؛ بل يتنادون لقتلها، وما علم المساكين أنهم يقتلون أنفسهم، وكما قيل: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وما فاز وسبق فرد أو أمة على غيره إلا بإدراكه لقيمة الوقت ومبادرته للاستفادة منه بكل ما يستطيع.
وما أعظم ما قاله أحد السلف لآخر حين دعاه إلى بعض ما تضيع به الأوقات فقال له: أوقف الشمس حتى أستجيب لك.
والنفس إذا تعودت الحرص على الأوقات واستغلالها فيما ينفع ويفيد دفعها ذلك إلى تنظيم جميع أمور الحياة التي ظرفها الزمان.
كثرة المخالطة في رمضان:
الصحبة وكثرة الزيارات والمجالس التي هي مجالس مؤانسة وقضاء وطر، أكثر منها مجالس ذكر وتذكير وتعاون على البر والتقوى، فيكون في هذه المجالس ضياع الأوقات وذهاب المروءات، وقد يجرّ فضول الكلام إلى ما يغضب الملك العلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة» (2).
أي مثلها في النتن والقذارة والبشاعة لما صدر منهم من رديء الكلام ومذمومه شرعًا، إذ المجلس الخالي من ذكر الله إنما يعمر بما ذكر ونحوه {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]، فحيث لم يختموه بما يكفر لغطه قاموا عن ذلك، «وكان ذلك المجلس» أي ما وقع فيه، «عليهم حسرة يوم القيامة» أي ندامة لازمة لهم من سوء آثار كلامهم فيه (3).
وقال ابن الملك: وتخصيص جيفة الحمار بالذكر لأنه أدون الجيف من بين الحيوانات التي تخالطنا، وفي هذا التشبيه غاية التنفير عن ترك ذكر الله تعالى في المجالس، وإنه مما ينبغي لكل أحد أن لا يجلس في مجلس الغفلة ولا يلابس أهله (4).
قال ابن القيم رحمه الله: الاجتماع بالإخوان قسمان:
1- أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.
2- الثاني: الاجتماع بهم على أسباب النجاة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات:
1- إحداها: تزيّن بعضهم لبعض.
2- الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة.
3 - أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود (5).
وبالجملة[عع1] فالاجتماع والخلطة لقاح إما للنفس الأمارة، وإما للقلب والنفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح فمن طاب لقاحه طابت ثمرته وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك، والخبيثة لقاحها من الشيطان، وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين، والطيبين للطيبات، وعكس ذلك.
إن بعض المسلمين هداهم الله إذا جاء رمضان بحثوا يقلبون وينظرون ويفكرون كيف يضيعون الأوقات في هذا الشهر العظيم، وإن قضية الزمن ليست من مصائب الغافلين وحدهم في هذا الشهر، بل هي قضية ومصيبة الأمة.
إن التفنن الذي تعيشه أمتنا في تضييع أوقاتها على الصعيد العام والخاص؛ أدى بأن يمضي العالم وأن يسبقنا إلى المستقبل، وصرنا أيتامًا للتاريخ، وصرنا أشباحًا وأوهامًا وأطلالًا للتاريخ، ذلك بتضييعنا الأوقات عامة، والأوقات في شهر رمضان خاصة.
فإن لم يتحول إلى فن في استغلال الأوقات واغتنامها، وإعمارها على الوجه الصحيح، فسنبقى أمة في دبر الزمان وفي ذيل القافلة.
كم نغبن غبنًا عظيمًا في ضياع الأيام والليالي والشهور والأعوام دون أن نستفيد منها، فما بالك بأشد الغبن حينما تمر مواسم التجارة وفرص الربح العظيم، ثم تولي ولم نأبه ولم نستفد منها، وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (6).
قال حجة الإسلام: الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى والبدن مركب، ومن ذهل عن تدبير المنزل والمركب لم يتم سفره، وما لم ينتظم أمر المعاش في الدنيا لا يتم أمر التبتل والانقطاع إلى الله الذي هو السلوك (7).
فكم غبنا في أشهر ماضية، وكم غبنا في ليالٍ عديدة وأيام مديدة، ضاعت فيها فرص لنا فيها قدرة أن نبلغ أعلى الدرجات، وأن نسابق الأمم إلى مدارج الرقي والكمال، ولكننا ضيعنا تلك الغنائم التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالعناية بها إذ قال: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (8).
كم ضاع من أيامنا في طوال أيام السنة ولياليها؟ وكم ضاعت منا الفرص في عشر ذي الحجة، وفي شهر رمضان، وفي الهجيع الأخير من الليل، وفي ساعات الإجابة يوم الجمع، وفي مناسبات عديدة نستطيع أن ندرك بها أجورًا وثواب أيام وليالٍ عديدة؟ ولكن لغفلتنا واشتغالنا وضياع أوقاتنا بما يضرنا فرطنا وضيعنا وأصبحنا من المغبونين: الحذر الحذر من أن تلهينا الدنيا عن العمل للآخرة في زمن شريف كهذا الشهر العظيم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)} [المنافقون: 9- 11].
ففي الآية تحريض ودعوة وترغيب إلى المسارعة في اغتنام هذه الأوقات وعدم ضياعها، أو الاشتغال بأمور قد قسمها الله ونحن أجنة في بطون أمهاتنا.
الحذر من أن تلهينا الدنيا، ثم نقبل ظالمين أنفسنا، ثم نصبح في غمرات الموت، أو نمسي نادمين على ما فرطنا من الليالي والأيام، إذ العاقل يتدارك أيامه وشريف الزمان قبل أن يقول: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37]، قبل أن يقول: {رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10]، قبل أن يقال له: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37].
أين ضاعت الأعمار؟ وأين مضت الشهور؟ وأين ولت الدهور؟ وفيم قضيت الليالي والأيام؟
الفوضوية في النوم:
من أعظم الأسباب في ضياع الأوقات هذا الأمر، ضياع للأوقات، وتراكم في الأشغال، وسقم في الأبدان، وتأخر عن خيرٍ عظيم يفوته، بعض الصائمين تارةً تراه نائمًا وقت الضحى، وتارة بعد الظهر، وتارة بعد العصر، وتارةً بعد المغرب، تتعجب تجد في كل أرضٍ له نبتة عفنة، ضياع أوقات، تراكم أشغال، إهمال لمصالح، لا مبالاة بالأضرار.
هل أنت حقًّا مستعد لاغتنام الشهر الكريم؟
إذًا، أَعِدُّوا العدَّةَ، وشدُّوا الهِمَم، وليقف كلٌّ مِنَّا على أخطائه في رمضان السابق، ليحسِّن مِن نفسه وأسرته أثناء الشهر الكريم.
فلا تتركوا «لصوص رمضان» يُفقدوننا رمضان آخر، وكما هم متيقظون لإبعادنا عن شعائرنا، لا بد وأن نكون أكثر يقظة منهم في المحافظة على هذه الشعائر، وأكثر حرصًا على إتقان وإخلاص العمل في رمضان.
فالبدار البدار والهمة الهمة، فما هي إلا أيام معدودات وفقنا الله لاستثمارها فيما يحبه ربنا ويرضاه.
حذار حذار من لصوص رمضان؛ فإنهم يسرقون الحسنات، ويجرُّون للسيئات، ويسرقون روحانية الشهر، ويضيّعون فرص الأجر، ويفتحون أبوابًا للوزر، إنهم يسرقون الصلوات بالمسلسلات، ويسرقون السجدات بالتفكير في الشهوات، ويسرقون القيام بما يعرضونه من مُغريات، ويسرقون أجر الصيام بالمنكرات.
***
----------
(1) أخرجه ابن ماجه (1690).
(2) أخرجه أبو داود (4855).
(3) فيض القدير (5/ 493).
(4) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 407).
(5) الفوائد لابن القيم (ص: 52).
(6) أخرجه البخاري (6412).
(7) فيض القدير (2/ 16).
(8) أخرجه الحاكم (7846).
