المعاني المفقودة في الصيام

الصوم عبادة لا يطلع عليها أحد إلا الله، فهي سر بين العبد وربه، ولا يحافظ على هذا السر إلا من خلصت نيته لربه، واستجاب لأوامره، وذلك بحرمان نفسه من جميع الشهوات وملذات الدنيا للوصول إلى رضا الله والفوز بالجنة.
كذلك الصوم جنة ووقاية من المعاصي، وعبادة بين العبد وربه، وهو من أكثر العبادات إخلاصًا لله، وهذا ليس خاصًا بفريضة صيام رمضان، بل هي على مدار العام، منها ما يأتي مرة في العام كشهر رمضان، أو صوم شهر الله المحرم، أو شهر شعبان، ومنها ما هو مخصص في أيام معدودة مثل صيام ستة من شوال، ومنها ما يأتي مكررًا في كل أسبوع كصيام يومي الإثنين والخميس، ومنها ما يأتي كل شهر وهو صيام أيام البيض.
وغير خاف على أحد أن الله عز وجل لم يشرع العبادة ويوجبها على عباده لحاجته إليها، فهو الغني سبحانه، وإنما شرعها لحكم ومعان عظيمة، ومقاصد جليلة، تعود على العبد نفسه بالنفع في دينه ودنياه.
وإذا كان المقصود الأول من العبادة هو الاستسلام والانقياد والعبودية والإذعان، وقَدَم الإسلام لا تثبت إلا على ظهر الاستسلام لله سبحانه، فلا يعني ذلك خلو هذه العبادات عن الحكمة، وأن لا يبحث المسلم عن المعاني والأسرار الكامنة وراء الأوامر والنواهي.
للصيام معان عظيمة، ومقاصد سامية، لو تفكر فيها المؤمن مليًّا لطال عجبه، ولأدرك مدى عظمة هذا التشريع، مما يقطع به العقل أنه تعالى غني عن تعذيبنا، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، قال: «ما بال هذا؟»، قالوا: نذر أن يمشي، قال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني»، وأمره أن يركب (1).
عن ابن عباس، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» (2).
قد تضمن نذره نوعين من طاعة ومعصية فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بما كان منهما طاعة وهو الصوم وأن يترك ما ليس بطاعة من القيام في الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل، وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه، وليس في شيء منها قربة إلى الله سبحانه، وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم (3).
فمقصود العبادات إصلاح النفس وتزكيتها، وإصلاح المجتمع وبناؤه على أساس محكم ومتين.
ومن معاني الصيام:
أولًا: تحقيق العبودية لله والاستسلام له؛ وتدريب العبد على الطاعة والامتثال، وتذكيره بأنه عبد لله تعالى لا لغيره، ولهذا أمر سبحانه العبدَ أن يأكل في وقت، فلو صام لكان عاصيًا، كما في العيد، أو في مواصلة الصيام أيامًا متتالية دون فطر أو سحور، وفي أحوال أخرى يأمره سبحانه بالصوم، فلو أفطر لكان عاصيًا.
ويتحقق هذا المعنى في الإحرام؛ فالعبد يمتنع من أشياء في الإحرام، ويُؤمر بها في غيره؛ ليتذكَّر بها أنه عبد لله يأتمر بأمره، ويقف عند حده.
وهذا معنى عظيم، لو أن الناس أدركوه وتفطنوا له في عباداتهم، لكان أثره ممتدًا في حياتهم كلِّها، وليس مقصورًا على الأركان الأربعة، فهو يجعل المسلم في أحواله مستعدًّا، إذا أُمر أن يُقدِم أقدم، وإذا أُمر أن يُحجِمَ أحجم، وإذا غلبته نفسه وزلَّ، سارع في الاعتذار والتنصُّل.
يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في كتابه "من توجيهات الإسلام": من الخير للمؤمنين أن ينظروا إلى ما طلبه الله منهم نظرة غير هذه النظرة، نظرة أسمى منها وأجل ذلك أنهم عباد لله خاضعون، وأنهم مربوبون لرب العالمين، فمن شانه أن يأمر بما شاء أمرًا مطلقًا لا تقييد فيه بما يفهمه الناس أو لا يفهمونه، بل لا تقيد فيه بما يشتمل في ذاته على فائدة للناس أو لا يشتمل.
هذا هو سبيل العبادة كما يريدها الله: إخلاص في التقبل، وإخلاص في الامتثال والتنفيذ وثقة واطمئنان ورضا بحكم الله كما أمر به الله (4).
والعبودية لله من أعظم مقاصد العبادات، وبعض المسلمين يُخِلُّون بهذا المعنى؛ وقد يؤدُّون العبادة، لكن بلا روح ولا قلب، فلا تؤثِّر الأثر المطلوب في وجدانهم وسلوكهم وتفكيرهم وأنماط حياتهم وتعاملاتهم.
ثانيًا: الصوم مرتبط بالإيمان؛ فهو عبادة سرية بين العبد وبين ربه، فالمرء بإمكانه أن لا يصوم، وإن أمسك طوال نهاره، وظهر للناس أنه صائم.
فامتناع العبد عن المفطرات مع قدرته عليها، دليل استشعاره اليقيني باطلاع ربه على سرائره وخفاياه.
ولو تأملت لوجدت هذا السرَّ الإيماني يجري في سائر العبادات، فالوضوء والغسل -مثلًا- يتطهر بهما العبدُ من الأحداث، ولو أتى إلى الصلاة دون طُهور لما علم به الناس، وكذلك الصلاة بأذكارها، من قراءة قرآن، وتسبيح في السجود والركوع، يقول المصلِّي ذلك سرًّا لا يسمعه مَن يجاوره، وما حمله على ذلك إلا إيمانه العميق بربه الذي يعلم السرَّ وأخفى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7].
ثالثًا: أنه يربي العبد على التقوى؛ ولهذا قال الله جل جلاله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]؛ لأن الصائم يتذكر أنه لا يشرب ولا يأكل، مع أن هذا في الأصل مباح له؛ لأنه مرتبط مع الله بوعد، فهو ممسك ابتغاء ثواب الله سبحانه، فمن باب أولى أن يكُفَّ عن المعاصي التي يعرف أنها محرمة في كل الظروف.
إن الصيام يعزز روح الورع والتقوى في وجدان الصائم، وإن أكثر أسباب الذنوب من الغضب والشهوة، والصيام يقف أمام هاتين الغريزتين، فلا بد فيه من تقليص الفساد في المجتمعات وتقليل الجرائم، وقد أثبتت الاحصائيات أن الجرائم تشهد تراجعًا خلال شهر الصيام مقارنة بالشهور الأخرى، خاصة جرائم المجتمع منَ القتل والنصب والاحتيال والدعارة وغيرها؛ والسبب في ذلك روحانية نفس الصائم من تقليله من المشروبات المحرمة والكحولية وغيرها.
ولهذا جاء في «الصحيح» عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»(5).
ومعنى الحديث: أن الله جل جلاله لم يشرع الصيام لحاجته إليكم أن تدعوا طعامكم وشرابكم، وإنما شرع الصيام من أجل أن تتدربوا على ترك قول الزور والعمل به، فإذا لم تتركوا قول الزور ولم تتركوا العمل به، فأي معنى لصيامكم؟! فإذا لم يحدث الصيام فيكم هذا المعنى، فصيامكم حينئذ غير ذي جدوى لهذه العلة.
قال المهلب: فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه وترك قبوله منه، وقال غيره: وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور (6).
وهذا معنى لطيف إذا تأمله الصائم وجده ظاهرًا، فالصوم يربي الإنسان على التقوى، وترك المحرمات كلها، من الغيبة، والنميمة، والفحش، والبهتان، وغيرها من الأخلاق السيئة.
رابعًا: الصوم تربية للمجتمع؛ فالصائم عندما يرى مَن حوله صيامًا، يحس بروح المجموع، وهذا من بين الأسباب التي سهل لأجلها صوم الفرض، فصائم رمضان أينما ذهب وجد مَن حوله صائمين، فيستشعر مشاركة الآخرين له، وأنه يقوم بعمل يؤدِّيه الناس جميعًا، بخلاف النافلة.
ومن هنا أصبح الصوم تربية للمجتمع، حتى المجتمعات التي يغلب عليها الضعف والتهاون، تجد آثار رمضان ظاهرة عليها، ويندر في الناس مَن يجاهر بالفطر ويعلنه.
جاء في تفسير المنار: ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رءوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله: {رُحَمَاءَ بَيْنَهُم} [الفتح: 29].
ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة، فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة (7).
ففي الصيام تجتمع العائلة على الإفطار والسحور، فيجعل فرص استثمار هذا اللقاء لتقوية العالقات وتبادل الأحاديث وحل المشكلات، ففي هذه المجالسة بين الآباء وأبنائهم أمر ضروري، حيث تفتح المجال للحوار الهادئ والقرب من بعضهم بعضًا (8).
خامسًا: الصيام يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة؛ فالصائم يترك ما يحب ويشتهي تطلعًا إلى ما عند ربه من الأجر والثواب، فمقياس ربحه وخسارته مقياس أخروي، وفي ذلك أعظم الدروس لتوطين قلب الصائم على الإيمان بالغيب والآخرة، والتعلُّق بها، والترفُّع عن عاجل ملاذِّ الدنيا التي تقود إلى التثاقل والإخلاد إلى الأرض، هذا مع وافر الخير المعجَّل له في الدنيا، ونعيم حياته بصحة البدن، وفرح القلب بالطاعة، وانشراح الصدر بالإيمان.
وأصحاب المقاييس المادية لا يرون في الصوم أكثر من حرمان من لذة الأكل والشرب والوقاع، والتي بها سعادة النفس وتلبية الحاجات الجسمية.
قال صاحب المنار: وأعظم فوائده كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات، وهي أن يصوم لوجه الله تعالى كما هو الملاحظ في النية على ما قدمنا، ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابًا كمن ينوي التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية، وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال، وفضائل الأعمال (9).
سادسًا: الصوم يربِّي الإنسان على قوة الإرادة، وعلى الصبر؛ فمن أسماء الصوم: الصبر، ولذلك سُمَّي شهر رمضان: شهر الصبر؛ وفي قول الله جل جلاله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، قال بعض المفسرين: المقصود بالصبر هنا: الصوم، أي: استعينوا بالصوم والصلاة؛ وذلك لأن الصوم يربِّي مَلكة الصبر وقوة الإرادة، وكثير من الناس يحتاجون دائمًا إلى تقوية إرادتهم.
والنجاح يفتقر إلى ثلاثة أشياء:
١- الرغبة: فكل إنسان يود أن يكون قويًّا، وأن يكون ناجحًا، وموفَّقًا، وغنيًّا.
٢- القوة أو القدرة: فأكثر الناس يملك عقلًا، وجسمًا، وإمكانيات لو وظفها لنجح.
٣- الإرادة: فتقوية الإرادة من أعظم أسباب النجاح للإنسان في دنياه وأخراه، وتحقيق آماله وتطلعاته، وتوظيف قدراته فيما ينفعه عاجلًا وآجلًا.
والصوم يقوِّي ذلك كله ويوظِّفه، ويربِّي الإنسان على تحمُّل المشاق في أمور الحياة كلها، وهو شيء لا يوجد إلا عند الناجحين الذين استطاعوا أن يحقِّقوا هذه الرغبات من خلال استخدام ما وهبهم ربهم.
فالصبر ضرورة دينية لصلاح العبد، وضرورة حياتية لنجاحه، وضرورة اجتماعية لإقامة علاقة معتدلة ودائمة مع الآخرين، وهو أعظم خُلُق يحتاجه المرء لتحقيق آماله وتطلعاته، ثم لديمومة النجاح، ثم لتحمُّل الإخفاقات التي لا تخلو منها الحياة، ويحتاجه مع زوجه وولده، وحتى مع نفسه التي لا تطاوعه في أحيان كثيرة، ومع أصدقائه وقرابته، ومع خصومه وأعدائه، ولذا قال سبحانه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
سابعًا: الصوم يقمع الشهوة؛ ولهذا جاء في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاءٌ» (10).
فأشار النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أن الصوم يمنع من اندفاع الإنسان إلى الشهوات.
والصوم يتضمن معاني روحانية والتجرد من الملاذ والأهواء، ويتضمن الصبو وضبط النفس، وقرع الشهوات، والوجاء قطع الشهوات، ودفع سيطرتها، فتكون الشهوة أمة ذلولًا، ولا تكون سيدًا مطاعًا، تخضع له النفوس وتتطامن، وتخنع (11).
قال الطيبي رحمه الله تعالى: وكان الظاهر أن يقول: فعليه بالجوع، وقلة ما يزيد في الشهوة وطغيان الماء من الطعام، فعدل إلى الصوم إذ ما جاء بمعنى عبادة هي برأسها مطلوبة، وليؤذن بأن المطلوب من نفس الصوم الجوع وكسر الشهوة، وكم من صائم يمتلئ معاه (12).
وربط بعض أهل العلم هذا الحديث بالحديث الآخر المتفق عليه من حديث صفية رضي الله عنها، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (13).
فالصوم يقمع الشهوة، بأنه يضيِّق المجاري، كما يقول بعض العلماء، أو أنَّ تلبُّس الإنسان بالعبادة التي تستغرق النهار كله؛ تُحْدِث ذلك الأثر المعنوي، ولا مانع من إرادة المعنيين معًا، والله أعلم.
ويواكب هذا ما تيسر من الصلاة والقيام والذكر في ليالي رمضان خاصة، فهذا يمنعه من الاندفاع والنظر الحرام، ويمنعه من الوقوع فيما حرم الله.
قال المناوي: الصوم وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة؛ لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان، فإن الشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه»، فإذا ملأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته، وقد يقع في مداحض فيروغ عن الحق، وغلب عليه الكسل والنعاس فيمنعه عن وظائف العبادات، وقويت قوى بدنه، وكثرت المواد والفضول فينبعث غضبه وشهوته وتشتد مشقته لدفع ما زاد على ما يحتاجه بدنه فيوقعه ذلك في المحارم.
قال بعض الأعلام: صوم العوام عن المفطرات، وصوم الخواص عن الغفلات، وصوم العوام جنة عن الإحراق، وصوم الخواص جنة لقلوبهم عن الحجب والافتراق (14).
ثامنًا: الآثار النفسية والبدنية المترتبة عليه؛ وهي كثيرة، ويتكلَّم بعض الأطباء عن الصيام وأثره على البدن، وتنظيم الطعام، وأنه نوع من الحِمْيَة، وقد يوصي به بعض أهل الطب.
ولا شك أن هذه من الفوائد التابعة، كما يقال مثل هذا عن الصلاة، أو الحج، أو غيرها.
لكن العبد إنما يمتثل هذه الأوامر تعبُّدًا لله وطاعة، حتى ولو لم يكن لها فائدة على بدنه؛ والله تعالى لم يأمرنا بما فيه ضرر إلا إذا كان يقابله نفع أعظم منه، فقاعدة الشريعة أنها جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتعطيلها أو تقليلها.
وصلاح قلب الإنسان وصفاؤه وتجرُّده هو أساس كل خير، وسرُّ كل نهوض أو تغيير، وعليه تدور سائر الأحوال، فالإصلاح السياسي والعلمي والإداري والاقتصادي، يفتقر إلى النيات الصادقة والقلوب السليمة، ومتى سلم الناسُ من تَقَصُّد السوء وإرادته، وتوجَّهوا إلى الخير يطلبونه ويبحثون عنه؛ فإن الله معهم بالتوفيق والسداد والإسعاد والنجاح، كما قال سبحانه: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
وعلى الصائم ألَّا يكون انتقائيًا فيما يفعل ويترك، فالصوم يحبس النفس عن الشهوات المحرَّمة، والكلام الفاسد، ولكنه يمنع أيضًا عن السرقة، وخصوصًا سرقة المال العام، والتحايل على ذلك بشتى الوسائل، والتساهل بزعم أن له فيه حقًّا؛ مما يفضي إلى التربية على الغش والكذب والخداع والاحتيال، وسرقة الوقت العام بالتخلُّف عن الدوام، تحت ذريعة التعب والصيام، أو إهمال المستفيدين والمراجعين وزجرهم، أو سرقة أموال الناس، تحت مسمَّى مساهمات وهمية، أو شركات غير قائمة، أو مضاربات لا حقيقة لها؛ مما يضرُّ بالضعفاء والفقراء والمساكين وأصحاب الدخول القليلة، ويحيل أحلامهم بالغنى إلى سراب خادع، وغُصَّة لا تُمحى في حلوقهم، ويشوِّه سمعة الفاعل ومَن على شاكلته، فمدرسة الصوم هي سلاح جذري شامل لذلك كله (15).
والصوم كذلك يربي في النفس مراقبة الله عز وجل، وإخلاص العمل له، والبعد عن الرياء والسمعة، فهو عبادة بين العبد وربه جل وعلا، ولهذا جاء أن الصوم عبادة السر، فإن بإمكان الإنسان ألا يصوم، وأن يتناول أي مفطر من المفطرات من غير أن يشعر به أحد من الناس، بل إنه بمجرد تغيير النية وقطعها يفطر، ولو لم يتناول شيئًا من المفطرات طوال يومه، فامتناعه عن ذلك كله على الرغم من أنه يستطيع الوصول إليه خفية، دليل على استشعاره اطلاع الله على سرائره وخفاياه، ومراقبته له، ولأجل هذا المعنى اختص الله جل وعلا عبادة الصوم من بين سائر العبادات، ولم يجعل لها جزاء محددًا، قال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي» (16)، فقوله جل وعلا: (من أجلي) تأكيد لهذا المعنى العظيم.
ومن معاني الصيام التي فقدناها -إلا قليلًا- وتجب استعادتها ما يلي:
التزكية والتطهير:
كان بعض الصحابة إذا دخل شهر رمضان يقول مرحبًا بمُطَهِّرنا، فهدف الصيام -كما هدف سائر العبادات- التزكية والتطهير للقلب والنفس، والفائز بحق في رمضان هو من تغير قلبه فيه، ووفقه الله لمحو الران الذي كساه على مدار العام بسبب الذنوب والمعاصي، وليس الفائز من يعدد الختمات والصلوات والصدقات، لكن قلبه -كما هو- يمتلئ قسوة وغلًا وحقدًا وحسدًا على الناس، إن الصلاة والصيام والقيام وتلاوة القرآن في رمضان لا بد أن تثمر حياة لقلوبنا، فمن حضر قلبه في رمضان فنسيم الريح يذكره، ومن غاب قلبه فـ100 ألف نبي لا يوصلون التذكرة إليه.
وصاحب القلب القاسي أو الميت لن ينتفع بالعبادة في رمضان إلا إذا أزال الغشاوة والقسوة من على قلبه، وشهر رمضان أعظم مصحة لعلاج أمراض القلوب وشفاء الأرواح، ومن لم يداو قلبه في رمضان فمتى؟
سيطرة الجسد على الروح:
فرض الله علينا الصيام لنتدرب على مقاومة شهواتنا وغرائزنا وينبغي لمن وعى هذا المعنى أن يقتصد في طعامه وشرابه في رمضان، وأن يكون أقل الشهور إنفاقًا على الطعام فيه، والواقع أننا نصوم طويلًا ونأكل كثيرًا، فيحضر الطعام ويغيب الصيام، ونصبح أمام حالة معكوسة للصيام وهي سيطرة الجسد على الروح بدلًا من سيطرة الروح على الجسد، ونحن بهذا المسلك لا نبتعد فقط عن مقصد الصيام ومغزاه بل نقع في آفة الإسراف وتجاوز الحد المقبول للإنفاق على الطعام والشراب، خاصة ونحن نعيش أزمة اقتصادية وزيادة متسارعة في الأسعار.
يقول الشيخ محمد الغزالي منتقدًا غياب هذا المعنى في صيام المسلمين: الصيام: إنه يرد النفس إلى القليل الكافي، ويصدها عن الكثير المؤذي، ذاك يوم نصوم حقًا، ولا يكون الامتناع المؤقت وسيلة إلى التهام مقادير أكبر، كما يفعل سواد الناس.
لعل أهم ثمرات الصوم إيتاء القدرة على الحياة مع الحرمان في صورة ما، كنت أرمق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسأل أهل بيته في الصباح، أثمَّ ما يفطر به؟ فيقال: لا، فينوي الصيام، ويستقبل يومه كأن شيئًا لم يحدث، ويذهب فيلقى الوفود ببشاشة، ويبت في القضايا، وليس في صفاء نفسه غيمة واحدة، وينتظر بثقة تامة رزق ربه دونما ريبة، ولسان حاله: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)} [الشرح: 5- 6]، إنها لعظمة نفسية جديرة بالإكبار أن يواجه المرء البأساء والضراء مكتمل الرشد، باسم الثغر.
والأفراد والجماعات تقدر على ذلك لو شاءت، وأعتقد أن من أسباب غَلب العرب في الفتوح الأولى قلة الشهوات التي يخضعون لها، أو قلة العادات التي تعجز عن العمل إن لم تتوافر، يضع الواحد منهم تمرات في جيبه، وينطلق إلى الميدان، أما جنود فارس والروم، فإن العربات المشحونة بالأطعمة كانت وراءهم، وإلا توقفوا (17).
جمعية القلب على العبادة:
من يتأمل أحوال أئمة السلف في رمضان يلحظ بوضوح أنهم كانوا يجمعون قلوبهم على العبادة في رمضان خاصة تلاوة القرآن، كسفيان الثوري الذي كان إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على تلاوة القرآن، والإمام مالك الذي كان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويتفرغ للقراءة من المصحف، ومن المعاني التي فقدناها في رمضان جمعية القلب على العبادة، لكثرة الصوارف والشواغل التي تأخذ القلب بعيدًا عن الصفاء الروحي والسلام النفسي الذي يتحقق بمجاهدة النفس في تجنبها والاقتصاد في التعامل معها.
الانضباط والمبدئية:
يعلمنا الصيام الانضباط والمبدئية فنحن ندقق قبل الفطر وعند الإمساك في الدقيقة وأقل منها حتى لا نعرض صيامنا للفساد أو البطلان، كما نتحرى الهلال ونستخدم الحسابات الفلكية لمعرفة بداية رمضان ونهايته حتى نلتزم التزامًا تامًا بالتكليف الإلهي، وهو صيام الشهر كاملًا من دون زيادة أو نقصان، وهذا يعلمنا المبدئية في حياتنا كلها، وإدراك قيمة الزمن واستثماره في ما يرضي الله ويعمر الأرض ويخدم الإنسانية.
والصوم يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، وانتظار ما عند الله عز وجل، حيث يتخلى الصائم عن بعض شهوات النفس ومحبوباتها؛ تطلعًا إلى ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، وفي ذلك توطين للنفس على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.
تلك هي بعض معاني هذه العبادة العظيمة، وقد جمعها الله عز وجل في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فالحكمة التي شُرِع الصوم من أجلها هي تحقيق تقوى الله عز وجل، وهي ثمرة الصوم الشرعي ونتيجته، وما لم يكن الصوم طريقًا لتحصيل هذه التقوى، فقدْ فَقَدَ الغاية والمعنى الذي شُرِع لأجله، فليس المقصود من الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فحسب، دون أي أثر لهذا الصوم على حياة الإنسان وسلوكه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (18).
فينبغي للمسلم أن يستحضر هذه المعاني وهو يؤدي عبادة الصوم، حتى لا تخرج العبادة عن مقصودها، وحتى لا تتحول إلى عادة يؤديها مسايرة للبيئة والمجتمع (19).
نحتاج إلى أن نصوم، أي نمتنع، عن جملة من المفاهيم والسلوكيات، التي تضرنا ولا تنفعنا، وتنطلق من الأهواء لا من قاعدة مقررة في الشرع، أو من مبدأ صحيح يستقيم مع الفطرة السليمة.
فنحتاج إلى أن نصوم عن التقاعس عن اتخاذ الأسباب، بزعم التوكل، وما هو إلا تواكل، ولو أنصفنا لعلمنا أن الأخذ بالأسباب هو عمل الجوارح، ونحن مطالَبون به؛ ولا يغني عنه التسليم لله والرضا بقضائه، مما هو عمل القلب، ولا منافاة بين عمل القلب وعمل الجوارح هنا.
نحتاج إلى أن نصوم عن اتهام الناس دون دليل، والانطلاق في التعامل معهم من سوء الظن، وكثيرًا ما يخلط البعض بين الحيطة وسوء الظن، ويبادر إلى الاتهام دون تثبت، فتسوء علاقاته بالناس، وتصبح حياته شكًا وبغضًا وتوترًا.
نحتاج إلى الصيام عن الأثرة وحب الذات حبًّا يجعلها تبخس الآخرين حقهم، وتكيد لهم، ولا توفيهم حقهم أو تعترف بفضلهم! إن السماء مليئة بالنجوم، ولا يضر الإنسانَ العاقل أن يرى غيره متوهجًا بجانبه، متميزًا في مجاله، فلمَ يحسد بعضنا بعضًا؟ ولماذا لا يرى أحدهم إلا ذاته، ويكره أن يتفوق غيره، ويسعى لإيقاع الناس في الخطأ؟
نحتاج إلى أن نصوم عن التجرؤ على الدين، وإبداء الرأي في أحكامه دون علم، ودون استيفاء الشروط والضوابط؛ فالدين ليس كلأً مباحًا، وإنما هو علم وتخصص كأي علم وتخصص، بل يجب أن تكون له منزلة فوق ذلك؛ فإن من يتقوَّل على الله دون علم يأثم وله عقاب، فكيف لو كان ذلك مصحوبًا باستهزاء أو طعن أو تجريح.
نحتاج إلى أن نصوم في معاملاتنا عن كل شبهة أو محرَّم؛ فلا رشوة ولا اختلاس ولا غش ولا خيانة؛ وإنما أداء للحقوق، وصون لأموال الناس وأعراضهم، وصدق وأمانة ووفاء.
المعاملات هي الجانب الذي يبين حقيقة الإنسان، وحين يَصْدق الإنسان فيها ويعامل الناس كما يحب أن يعاملوه؛ فإن ذلك يدل على حسن أخلاقه، ويؤكد التزامه الحقيقي بما يزعمه من مبادئ.
نحتاج إلى أن نصوم عن إهمال تربية أبنائنا، بحجة الانشغال في توفير حاجاتهم المادية من الطعام والشراب والنفقات.
إن أبناءنا أمانة في أعناقنا، سنسأل عما نفعله معهم، والتربية مفهوم أشمل من توفير الحاجات المادية، بل إن هذا الجانب هو أسهل وأيسر معانيها؛ أما الأصعب فهو الاهتمام بهم نفسيًا وعقليًا وتربويًا، وملاحظة سلوكياتهم وتعديلها أولاً بأول وبرفق، والحرص على تعليمهم مبادئ الدين وأصول القيم والأخلاق.
نحتاج إلى أن نصوم عن قطع الأرحام والتدابر والغرق في دوامة المشكلات الاجتماعية التي تحدث لأتفه الأسباب؛ لنعيد لعلاقاتنا صفاءها وتراحمها وتشابكها وتساندها.
وشهر رمضان فرصة لتصحيح هذه العلاقات وتمتينها، وإصلاح ما أصابها من عطب ومشكلات، بتهنئة في الهاتف، أو باجتماع على الإفطار لو أمكن، حتى يأتي العيد وقد شاع الصفاء والمودة والرحمة بيننا.
نحتاج إلى أن نصوم عن ترديد الشائعات، وندرك خطر الكلمة وعظيم شأنها، ونعرف أن الكلمة قد تخرب بيوتًا وتدمر نفوسًا وتسمم علاقات.
إن اللسان هو أشد الجوارح حاجة إلى الصيام والانضباط! وفي الحديث الشريف: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم؛ إلا حصائد ألسنتهم» (20).
الشائعات دليل على ضعف النفس، وتأصل الشر فيها، واستسهال الخوض في حقوق الناس وأعراضهم، والغفلة عن خطر الكلمة! وهذه آفات ينبغي أن نتجنبها ونحذر منها.
الكلمة وعي ومسئولية، وعلينا أن ننتبه لها ونوجهها الوجهة الصحيحة، ولا نردد قولًا لسنا متأكدين منه، أو نتبنى رأيًا لا نستمده من دليل واضح..
إن للصيام معنى أوسع من مجرد الامتناع عن الطعام والشراب؛ بل إن هذا المعنى الشائع هو أيسر معاني الصيام، لو يعلمون (21).
***
-------------
(1) أخرجه البخاري (1865).
(2) أخرجه البخاري (6704).
(3) معالم السنن (4/ 58- 59).
(4) نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان (2/ 231).
(5) أخرجه البخاري (1903).
(6) شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 23).
(7) تفسير المنار (2/ 119).
(8) الأبعاد التربوية في الأحاديث الواردة في صيام التطوع (ص: 49).
(9) تفسير المنار (2/ 119).
(10) أخرجه البخاري (5065)، ومسلم (1400).
(11) زهرة التفاسير (10/ 5189).
(12) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2041).
(13) أخرجه البخاري (2039).
(14) فيض القدير (4/242).
(15) من معاني الصيام/ للدكتور سلمان العودة.
(16) أخرجه مسلم (1151).
(17) فلسفة الصوم/ محمد الغزالي.
(18) سبق تخريجه.
(19) الصيام والمعاني المفقودة/ بصائر.
(20) أخرجه الترمذي (2616).
(21) هذه المعاني للصيام نحتاجها/ إسلام أون لاين.
