العمر أنفاس لا تعود

إن من أعظم الحقائق التي يعيشها الإنسان، وتغيب عن كثير من الناس في زحمة الحياة، حقيقةُ انقضاء العمر وسرعة مروره، فالعمر رأس مال الإنسان، وهو وعاء عمله، وميدان امتحانه، وكل لحظة تمضي منه لا تعود، وكل يوم ينقضي يقرّب الإنسان من أجله المحتوم.
وهذه الحقيقة ليست مجرد فكرة فلسفية؛ بل هي قضية وجودية كبرى، أكّدتها النصوص الشرعية، وقرّرتها التجربة الإنسانية، وشهدت بها الفطرة السليمة.
أولًا: مفهوم العمر في المنظور الإسلامي:
العمر في المنظور الإسلامي ليس مجرد امتدادٍ زمنيّ تعد ساعاته وتحصى أيامه؛ بل هو وديعة إلهية، وميدان ابتلاء توزن فيه الأعمال، وتكشف به حقائق النفوس، هو رأس مال الإنسان الحقيقي؛ إن أحسن استثماره ربح ربحًا لا خسارة بعده، وإن أضاعه خسر خسرانًا لا جبران له، لحظاته أنفاس معدودة، كل نفس منها يقرب إلى الأجل، ويكتب صفحة في سجل المصير؛ لذلك لم ينظر الإسلام إلى العمر بطوله؛ بل ببركته وعمارة أوقاته بالطاعة؛ فقد يسبق من قَصُر عمره من طال عمره، بما وُفِّق إليه من إخلاص وعمل.
ومن هنا كان الوعي بحقيقة العمر يقظة دائمة تدفع إلى الجد، وتزجر عن الغفلة، وتربط القلب بالآخرة، حتى يعيش المؤمن زمنه كله في معنى العبودية، وكأنه يسمع في كل لحظة نداء الرحيل.
العمر في الإسلام ليس مجرد زمن يقضى؛ بل هو نعمة عظيمة ومسؤولية جسيمة، فقد جعل الله تعالى حياة الإنسان فرصة للابتلاء والعمل، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
قال السعدي: أي: قدر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم؛ {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء (1).
فالعمر إذن ميدان اختبار، يقاس فيه الإنسان بأعماله، لا بعدد سنواته، ولذلك كان السلف الصالح يحرصون على استثمار أعمارهم فيما ينفع، لأنهم يدركون أن الزمن هو الحياة نفسها.
ثانيًا: دلائل انقضاء العمر في القرآن الكريم:
حين يتأمّل الإنسان خطاب القرآن الكريم، يدرك أنه لا يترك قضية الزمن تمرّ مرورًا عابرًا؛ بل يعالجها بوصفها محورًا أساسيًا في بناء وعي الإنسان بمصيره، فالقرآن يلفت النظر إلى حركة العمر في خفاءٍ دقيق، ويحوّل تعاقب اللحظات إلى إشاراتٍ متتابعة تنبّه القلب إلى أن ما يمضي من الزمن إنما هو جزءٌ من الذات يتلاشى.
ومن هنا جاءت الآيات القرآنية ترسم معالم هذه الحقيقة بأساليب متنوعة؛ فتارةً بالقسم بالزمن، وتارةً بتذكير الإنسان بما مُنح من مهلة، وتارةً بتصوير لحظة الندم عند انقضاء الأجل؛ وفي هذا التنوع البياني تتجلّى دلائل انقضاء العمر واضحةً جليّة، تقود المتأمل إلى يقينٍ لا لبس فيه: أن الحياة رحلةٌ محدودة، وأن كل لحظة فيها تقرّب إلى النهاية، فكان لزامًا على العاقل أن يقرأ هذه الدلائل قراءة اعتبار، لا قراءة غفلة.
قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} [العصر: 1- 2]، أقسم الله بالزمن على أن الإنسان في خسارة مستمرة؛ لأن عمره ينقص مع مرور الوقت، إلا من استثمره في الإيمان والعمل الصالح.
عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال: وما هي؟ فقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} [العصر: 1- 2]، ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني لأعلم إنك تكذب (2).
المقسم عليه هو حالة الإنسان، الغالية عليه من خسر، إلا من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، والعصر المعاصر للإنسان طيلة حياته وهو محل عمله، الذي به يخسر ويربح؛ وهو معاصر له وأصدق شاهد عليه.
وكنت قد سمعت من الشيخ -رحمة الله تعالى علينا وعليه- يقول: إن العمر وزمن الحياة حجة على الإنسان كالرسالة والنذارة سواء، وذكر قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37]، فجعل في الآية التعمير، وهو إشغال العمر موجبًا للتذكر والتأمل، ومهلة للعمل، كما تخبر إنسانًا بأمر ثم تمهله إلى أن يفعل ما مر به، فهو أمكن في الحجة عليه.
فكان القسم في العصر على الربح والخسران، أنسب ما يكون بينهما، إذ جعلت حياة الإنسان كسوق قائمة والسلعة فيه العمل والعامل هو الإنسان (3).
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} [فاطر: 37]، إشارة إلى أن العمر حجة على الإنسان، وأنه مُنح فرصة كافية للتوبة والعمل.
عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} ستون سنة (4).
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلغه ستين سنة» (5).
والمعنى: أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مد لي في الأجل لفعلت ما أمرت به، يقال: أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه، وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية، ونسبة الإعذار إلى الله مجازية، والمعنى أن الله لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به، والحاصل أنه لا يعاقب إلا بعد حجة (6).
قال ابن بطال: إنما كانت الستون حدًا لهذا لأنها قريبة من المعترك، وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية، فهذا إعذار بعد إعذار، لطفًا من الله بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة، وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك، ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية، وفي الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة لانقضاء الأجل (7).
وفي قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، تذكير بحتمية النهاية، وأن العمر مهما طال فهو منقضٍ لا محالة.
فهذه قاعدة كلية حاسمة تُنهي كل وهم ببقاء أو خلود، وتربط بين بداية العمر ونهايته برباطٍ لا انفصام له، فالتعبير بـ"ذائقة" يوحي بقرب التجربة وحتميتها، وكأن الموت أمرٌ يلاقيه الإنسان مواجهةً لا مهرب منها، لا مجرد خبرٍ يُسمع أو احتمالٍ يُتوقّع، وفي هذا البيان إشارةٌ عميقة إلى أن العمر، مهما طال وامتدّ، إنما يسير في خطٍّ متناقص نحو هذه اللحظة الفاصلة؛ فكل يومٍ يمرّ ليس إلا خطوةً إضافية نحو تذوّق هذا المصير المحتوم.
وهكذا تُلقي الآية بظلالها على حياة الإنسان كلها، فتجعله يعيش وعي النهاية في كل بداياته، ويستشعر أن أنفاسه معدودة، وأن الزمن ليس رصيدًا ثابتًا؛ بل هو مسافة تُقطع سريعًا، ومن هنا تتجلّى علاقتها الوثيقة بانقضاء العمر؛ إذ تحوّل الإيمان بحتمية الموت إلى باعثٍ على اغتنام الحياة، والعمل لما بعدها، قبل أن يتحوّل العمر من فرصةٍ إلى ذكرى، ومن زمنٍ قابلٍ للإصلاح إلى زمنٍ لا يقبل إلا الحساب.
وفي قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99]، يصوّر لحظةً فاصلةً تنكشف فيها حقائق العمر كلّها دفعةً واحدة، بعد أن كانت مستورةً بغشاوة الغفلة، ففي هذا المشهد المهيب، لا يطلب الإنسان الرجوع حبًّا في الدنيا لذاتها، بل شوقًا إلى تعويض ما ضيّع، وتدارك ما فرّط فيه من طاعةٍ وعملٍ صالح، وكأن الآية تُجسّد النهاية الطبيعية لمسار عمرٍ أُهدر دون وعيٍ بحقيقته؛ حيث يتحوّل الزمن –الذي كان في متناول اليد– إلى أمنيةٍ مستحيلة.
كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله عز وجل.
وقال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا بالله (8).
ولفظ {ارْجِعُونِ} بما فيه من لهفةٍ وتكرارٍ يوحي بشدّة الندم وعمق الحسرة، إذ أدرك صاحبُه أن ما مضى لا يعود، وأن باب العمل قد أُغلق، ولم يبقَ إلا الجزاء.
وهكذا ترتبط الآية ارتباطًا وثيقًا بحقيقة انقضاء العمر، إذ تكشف أن أخطر ما في الزمن ليس مروره، بل فواته دون استثمار، وأن لحظة النهاية ليست مجرد انتهاء حياة، بل بداية وعيٍ متأخرٍ لا ينفع معه الرجوع ولا التمنّي.
وقوله تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 11]، والمراد بالموت: علاماته وأماراته الدالة على قرب وقوعه.
قال ابن عاشور: وهذا إرشاد من الله للمؤمنين ليكونوا على استعداد للموت في كل وقت، فلا يؤخروا ما يهمهم عمله سؤال ثوابه فما من أحد يؤخر العمل الذي يسره أن يعمله وينال ثوابه إلا وهو معرض لأن يأتيه الموت عن قريب أو يفاجئه، فعليه بالتحرز الشديد من هذا التفريط في كل وقت وحال، فربما تعذر عليه التدارك بفجأة الفوات، أو وهن المقدرة فإنه إن كان لم تطاوعه نفسه على العمل الصالح قبل الفوات فكيف يتمنى تأخير الأجل المحتوم (9).
ثالثًا: دلائل انقضاء العمر في السنة النبوية:
جاءت السنة النبوية مؤكدة لهذه الحقيقة، وموجهة إلى حسن استثمار العمر:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (10)، أي أن كثيرًا من الناس يضيّعون أوقاتهم ولا يستفيدون منها.
قال المؤلف: قال بعض العلماء: إنما أراد صلى الله عليه وسلم بقوله: «الصحة والفراغ نعمتان»، تنبيه أمته على مقدار عظيم نعمة الله على عباده في الصحة والكفاية؛ لأن المرء لا يكون فارغا حتى يكون مكيفا مؤنة العيش في الدنيا، فمن أنعم الله عليه بهما فليحذر أن يغبنهما، ومما يستعان به على دفع الغبن أن يعلم العبد أن الله تعالى خلق الخلق من غير ضرورة إليهم، وبدأهم بالنعم الجليلة من غير استحقاق منهم لها، فمن عليهم بصحة الأجسام وسلامة العقول، وتضمن أرزاقهم وضاعف لهم الحسنات ولم يضاعف عليهم السيئات وأمرهم أن يعبدوه ويعتبروا بما ابتدأهم به من النعم الظاهرة والباطنة، ويشكروه عليها بأحرف يسيرة، وجعل مدة طاعتهم في الدنيا منقضية بانقضاء أعمارهم، وجعل جزاءهم على ذلك خلودًا دائمًا في جنات لا انقضاء لها مع ما ذخر لمن أطاعه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فمن أنعم النظر في هذا كان حريًا ألا يذهب عنه وقت من صحته وفراغه إلا وينفقه في طاعة ربه، ويشكره على عظيم مواهبه والاعتراف بالتقصير عن بلوغ كنه تأدية ذلك، فمن لم يكن هكذا وغفل وسها عن التزام ما ذكرنا، ومرت أيامه عنه في سهو ولهو وعجز عن القيام بما لزمه لربه تعالى فقد غبن أيامه، وسوف يندم حيث لا ينفعه الندم (11).
عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (12).
وهذا يدل على أن العمر مسؤولية يُحاسب عليها الإنسان، وهذا السؤال يوم القيامة ليس عن عدد السنين؛ بل عن مضمونها، لا عن طولها بل عن وجهتها؛ أين ذهبت؟ وفي ماذا صُرفت؟ وهنا تتجلّى خطورة انقضاء العمر؛ إذ يتحوّل من فرصةٍ مفتوحةٍ إلى سجلٍّ مغلقٍ تُعرض صفحاته بلا زيادةٍ ولا نقصان، فالحديث يوقظ في القلب شعور المسؤولية، ويزرع رقابةً داخليةً تجعل المؤمن يزن أيامه قبل أن تُوزن عليه، ويحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، حتى لا يقف بين يدي الله بعمرٍ قد أفناه فيما لا ينفع، أو فيما يكون عليه وبالًا وحسرة.
عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (13).
أي: افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء؛ «حياتك قبل موتك» يعني اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك، فإن من مات انقطع عمله وفاته أمله وحق ندمه وتوالى همه، فاقترض منك لك، «وصحتك قبل سقمك» أي اغتنم العمل حال الصحة، فقد يمنع مانع كمرض، فتقدم المعاد بغير زاد، «وفراغك قبل شغلك» أي اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة التي أول منازلها القبر، فاغتنم فرصة الإمكان لعلك تسلم من العذاب والهوان، «وشبابك قبل هرمك» أي اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك فتندم على ما فرطت في جنب الله، «وغناك قبل فقرك» أي اغتنم التصدق بفضول مالك قبل عروض جائحة تفقرك فتصير فقيرًا في الدنيا والآخرة، فهذه الخمسة لا يعرف قدرها إلا بعد زوالها (14).
فهذه دعوة صريحة لاستغلال العمر قبل انتهائه.
رابعًا: مظاهر انقضاء العمر:
يمثل انقضاء العمر حقيقة إنسانية جامعة تظهر في مظاهر متعددة على مستوى الجسد والنفس والمحيط الاجتماعي؛ فتهدأ القوة البدنية وتزداد علامات الشيخوخة على الهيئة، وتتبدل الاحتياجات والقدرات، بينما تتعمق التجارب وتزداد الذكريات وتبرز قيم التأمل والتصالح مع الذات.
إن ملاحظة هذه المظاهر لا تهدف إلى تثبيط العزيمة بل إلى استثمار الوقت المتبقي بحكمة، وتعزيز الروابط، وترتيب الأولويات استعدادًا للمرحلة الختامية من المسيرة الإنسانية.
- تعاقب الليل والنهار: كل يوم يمر هو جزء من العمر ينقضي، قال الله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44]، فالليل والنهار يتعاقبان ليذكّرا الغافل، وينبّها العاقل، أن العمر رأس مال الإنسان، وأنه ينقص مع كل شروق وغروب.
والتأمل في تقلب الليل والنهار بهذا النظام الذي لا يختل ولا يفتر يوقظ في القلب الحساسية وتدبر الناموس الذي يصرف هذا الكون والتأمل في صنع الله، والقرآن يوجه القلب إلى هذه المشاهد التي ذهبت الألفة بوقعها المثير ليواجه القلب هذا الكون دائمًا بحس جديد، وانفعال جديد، فعجيبة الليل والنهار كم شاقت القلب البشري، وهو يتأملها أول مرة، وهي هي لم تتغير ولم تفقد جمالها وروعتها، إنما القلب البشري هو الذي صدئ وهمد، فلم يعد يخفق لها (15).
قال السعدي: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} من حر إلى برد، ومن برد إلى حر، من ليل إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ويديل الأيام بين عباده، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ} أي: لذوي البصائر، والعقول النافذة للأمور المطلوبة منها، كما تنفذ الأبصار إلى الأمور المشاهدة الحسية، فالبصير ينظر إلى هذه المخلوقات نظر اعتبار وتفكر وتدبر لما أريد بها ومنها، والمعرض الجاهل نظره إليها نظر غفلة، بمنزلة نظر البهائم (16).
فمن مظاهر انقضاء العمر تعاقب الليل والنهار الذي يذكر الإنسان بتتابع الأوقات وحركة الساعات والأيام نحو نهاية الحياة، فهو دليل محسوس على مرور الزمن وتراكم الأعوام، وله أثر تربوي وروحي يدفع إلى المحاسبة واستثمار الوقت فيما ينفع.
يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]، أي: يخلف كل واحد منهما الآخر، يتعاقبان لا يفتران. إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك (17).
- التغيرات الجسدية: من الطفولة إلى الشباب ثم الشيخوخة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5]، قال ابن كثير: وقوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} أي: ضعيفًا في بدنه، وسمعه وبصره وحواسه، وبطشه وعقله، ثم يعطيه الله القوة شيئًا فشيئًا، ويلطف به، ويحنن عليه والدية في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولهذا قال: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} أي: يتكامل القوى ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى}، أي: في حال شبابه وقواه، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} ، وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر؛ ولهذا قال: {لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا}، كما قال تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] (18).
وكم بين الطفل الوليد والإنسان الشديد من مسافات في المميزات أبعد من مسافات الزمان، ولكنها تتم بيد القدرة المبدعة التي أودعت الطفل الوليد كل خصائص الإنسان الرشيد، وكل الاستعدادات الكامنة التي تتبدى فيه وتتكشف في أوانها، كما أودعت النقطة العالقة بالرحم كل خصائص الطفل، وهي ماء مهين! {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا}.
فأما من يتوفى فهو صائر إلى نهاية كل حي، وأما من يرد إلى أرذل العمر فهو صفحة مفتوحة للتدبر ما تزال.
فبعد العلم، وبعد الرشد، وبعد الوعي، وبعد الاكتمال.. إذا هو يرتد طفلًا، طفلًا في عواطفه وانفعالاته، طفلًا في وعيه ومعلوماته، طفلًا في تقديره وتدبيره، طفلًا أقل شيء يرضيه وأقل شيء يبكيه، طفلًا في حافظته فلا تمسك شيئًا، وفي ذاكرته فلا تستحضر شيئًا، طفلًا في أخذه الأحداث والتجارب فرادى لا يربط بينها رابط ولا تؤدي في حسه ووعيه إلى نتيجة، لأنه ينسى أولها قبل أن يأتي على آخرها (19).
- تبدل الأحوال من قوة إلى ضعف، ومن نشاط إلى فتور، قال تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54]، ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالًا بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظامًا ثم يكسى لحمًا، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن القوى، ثم يشب قليلًا قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حدثًا، ثم مراهقًا، ثم شابًا، وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل، ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة (20).
إن الخلايا تهرم والأنسجة تضعف، فيقلّ ما كان قائمًا من قوة ويستبدله هدوء يشي بالانحسار؛ وما بين هذا الفتور وما يسبقه من نشاط يظهر عقلٌ أهدأ وروحٌ أكثر رصانة، فتكون هذه الظاهرة علامة طبيعية على مرور الأيام وتحول الوجود من زهو الشباب إلى وقار الشيخوخة.
- رحيل الآخرين: رحيل الأحبة والأقارب من أعظم مظاهر انقضاء العمر، إذ يُذكِّر الإنسان بأن الدنيا دار ممرٍّ لا مقرّ، وأن كل نفسٍ ذائقة الموت، قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، فجعل الموت حتمًا على جميع الخلق بلا استثناء، ورحيل الآخرين يوقظ القلب من غفلته، ويُشعره بأن الدور سيأتي عليه لا محالة، كما قال سبحانه: {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34]، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكّر أصحابه بهذا المعنى، فقال: «أكثروا ذكر هادم اللذات» (21)، أي الموت، لأنه يقطع الأمل ويُبصّر الإنسان بحقيقة الدنيا.
فرؤية رحيل من حولنا ليست مجرد فقدٍ عاطفي؛ بل هي آية بليغة على انقضاء الأعمار وتقلّب الأيام، ودعوة للاستعداد للقاء الله بالعمل الصالح، قبل أن يُقال فينا ما قيل في غيرنا: "رحل فلان، وانقضى أجله".
ورحيل هذا العام يذكر لا محالة برحيل العافية عن الأبدان، ورحيل النور عن الأبصار، ورحيل الكلمات عن الألسن، ورحيل السمع عن الآذان، ورحيل النبض عن الأفئدة، ورحيل الخفقات عن القلوب، ورحيل الحركات عن الأطراف والجوارح، رحيل هذا العام ورحيل كل عامٍ يذكر بأننا كما عشنا ورأينا وعلمنا وعرفنا الحياة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؛ فسوف نذوق الفراق حق اليقين، بعد أن عرفناه علم اليقين وعين اليقين.
رحيل هذا العام يذكر برحيل الصالحين، ويذكر بالأسى على فراقهم، ورحيل هذا العام يذكر برحيل المجرمين، والعبرة بزوالهم، ورحيل هذا العام يذكرنا بحتمية فراقنا وزوالنا وانتقالنا من هذا الدار (22).
خامسًا: آثار الغفلة عن انقضاء العمر:
الغفلة عن هذه الحقيقة تؤدي إلى آثار خطيرة، منها:
- تضييع الأوقات في اللهو والمعاصي: وإضاعة الأوقات لون من ألوان العقوبة الإلهية للعبد، قال ابن القيم -في ذكر عقوبات الذنوب-: قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال، تتولد من المعصية، والغفلة عن ذكر الله، كما يتولد الزرع عن الماء، والإحراق عن النار (23).
إنَّ كلَّ يوم يمضي، وكلَّ ساعةٍ تنقضي، وكل لحظة تمر، ليس بإمكان أي مخلوق على وجه الأرض -كائنًا مَن كان- أن يستعيدها، ومن ثَمَّ فلا يمكن تعويضها البتة.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا: إن طال الليل، فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر! وإن طال النهار، فبالنوم! وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق! فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة، وهي تجري بهم، وما عندهم خبر (24).
وقد أورد الماوردي في أدب الدنيا والدين عن بعض البلغاء أنه قال: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
- التسويف في التوبة والعمل الصالح؛ فلا يزال العبد غارقًا في الشهوات والشبهات، وهو يؤجل التوبة يومًا بعد يوم، حتى يأتيه ملك الموت فجأة، فيصرخ هذا العبد ويندم على عمره الذي مضى في معصية الله، ويقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (100)} [المؤمنون: 99، 100].
يقول ابن رجب: اعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة، فإنه لا يقطع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذَّاتها وشهواتها من المعاصي.. وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت وأيس من الحياة، أفاق من سكرته لشهوات الدنيا، فندم حينئذٍ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب ويعمل صالحًا، فلا يجاب إلى شيء من ذلك، فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت (25).
فإياك والتسويف فالعمر قصير، والباقي منه هو يسير، وكل نفس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك؛ لأنه يمكن أن تُخْطف فيه روحك، ولنعلم جميعًا أن الإنسان يموت على ما عاش عليه، ويُحشر على ما مات عليه، فمَن استقام في هذه الحياة الدنيا، خُتِم له بخاتمة السعادة، ومَن زلَّت قدمه وحارب ربه، فسيكون ما سمعنا.
- الانشغال بالدنيا ونسيان الآخرة:
وصف الله الغافلين عن الآخرة بأنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7]، غفلوا عن الآخرة فنسوا ربهم، وجهلوا حقيقة مهمتهم، شرعوا لأنفسهم واستبدوا في أحكامهم وعتوا عتوًا كبيرًا، لقد كدوا ذكاءهم وسخروا علومهم ووظفوا مخترعاتهم في أسلحة الدمار، والصراع على موارد الخيرات، والتنافس غير الشريف.
والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورًا صحيحًا ويظل علمهم بها ظاهرًا سطحيًا ناقصًا، لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض، فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون، ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود.
والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيرة، ولا ينبغي أن يبني الإنسان حكمه على مرحلة قصيرة من الرحلة الطويلة، وقدر زهيد من النصيب الضخم، وفصل صغير من الرواية الكبيرة! ومن ثم لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينتظر ما وراءها، لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون، فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال (26).
- الندم عند الموت دون فائدة: وقد عبّر القرآن عن هذا الندم بقوله: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56].
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39]، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] (27).
قال السعدي: فوالله لترك كل شهوة ولذة وان عسر تركها على النفس في هذه الدار أيسر من معاناة تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح، ولكن العبد من ظلمه وجهله لا ينظر إلا الأمر الحاضر، فليس له عقل كامل يلحظ به عواقب الأمور فيقدم على ما ينفعه عاجلًا وآجلًا، ويحجم عن ما يضره عاجلًا وآجلًا (28).
سادسًا: كيف يستثمر المسلم عمره؟
الإسلام لا يكتفي بالتذكير، بل يوجّه إلى العمل، ومن وسائل استثمار العمر:
- المحافظة على الفرائض؛ فهي أساس النجاة.
- الإكثار من النوافل؛ لزيادة القرب من الله.
- طلب العلم النافع؛ لأنه يبقى أثره بعد الموت.
- الدعوة إلى الله؛ فهي من أعظم القربات.
- استغلال الأوقات الصغيرة كالذكر والاستغفار.
- تنظيم الوقت بوضع أهداف واضحة للحياة.
إن انقضاء العمر حقيقة لا مفر منها، وسنة كونية لا تتبدل، والسعيد من وعى هذه الحقيقة قبل فوات الأوان، فاستثمر عمره في طاعة الله، وعمل لما بعد الموت، وليس العبرة بطول العمر؛ بل بحسن العمل فيه.
فلننظر أين نحن من أعمارنا، ولنسأل أنفسنا: ماذا قدّمنا؟ وماذا بقي؟ ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].
نسأل الله أن يبارك في أعمارنا، وأن يجعلها عامرة بطاعته، وأن يختم لنا بخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
