الخوف والرجاء بين الإفراط والتفريط

المؤمن الصادق لا يعيش في حالة أمن مطلق تُورثه الغفلة، ولا في خوف دائم يدخله في اليأس والقنوط، بل يسير إلى ربه بقلب معلَّقٍ بين جناحين: جناح الخوف وجناح الرجاء، فإذا اختل أحدهما اختل سيره، وإذا توازنا استقام طريق، فالخوف والرجاء كجناحي الطائر لا ينجو المرء إلا بهما، وأهل الرجاء هم أهل العمل قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد» (1).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :ولهذا قال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (الحرورية: هم الخوارج)، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن (2).
معنى الخوف والرجاء في الإسلام:
الخوف هو انزعاج القلب وتوجُّسه من وقوع مكروهٍ في المستقبل، أو من فوات محبوبٍ يرجوه، وفي الجانب الشرعي هو: خوف العبد من سخط الله وعقابه، وخشيته من التقصير في حقه.
أما الرجاء فهو توقُّع الخير والطمع في رحمة الله وفضله، مع السعي والعمل، لا مع التواكل والكسل، فالرجاء الحق لا يكون إلا مقرونًا بطاعة، وإلا صار أمنية كاذبة، قال الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (50)} [الحجر: 49- 50]
فهذه الآية جمعت بين الرجاء والخوف، فدلَّت على أن المؤمن يعيش بين هذين المعنيين.
نبئهم أن الله واسع المغفرة، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأن رحمته سبقت غضبه، لكن حتى لا يسترسلوا مع الرجاء، وحتى لا يتمادوا في الطمع نبئهم بعدل الله، وأنه سبحانه وتعالى شديد العقاب، {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 3]، {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98].
قال ابن القيم: قال الهروي: وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: منع الخوف: أن لا يتعدى إلى اليأس، وحبس الرجاء: أن يخرج إلى الأمن، وضبط السرور: أن يضاهئ الجرأة.
يريد: أنه لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط، واليأس من رحمة الله، فإن هذا الخوف مذموم.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله, فما زاد على ذلك: فهو غير محتاج إليه، وهذا الخوف الموقع في الإياس: إساءة أدب على رحمة الله تعالى، التي سبقت غضبه، وجهل بها.
وأما حبس الرجاء: أن يخرج إلى الأمن، فهو أن لا يبلغ به الرجاء إلى حد يأمن معه العقوبة، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وهذا إغراق في الطرف الآخر، بل حد الرجاء: ما طيب لك العبادة، وحملك على السير، فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة، فإذا انقطعت وقفت السفينة، وإذا زادت ألقتها إلى المهالك، وإذا كانت بقدر: أوصلتها إلى البغية (3).
ولتفريط العبد بأحد هذين المسلكين أسباب.
أما الخوف والتفريط فيه فله سببان:
السبب الأول: جهل الإنسان بدين الله وإعراضه عن تعلم شرع الله، فيعيش غافلًا ساهيًا لاهيًا، ويتناقص الخوف من الله من قلبه شيئًا فشيئًا حتى ينعدم بالكلية والعياذ بالله، بخلاف من عاش حياته مع شرع الله متذكرًا لأوامر الله ونواهيه، فإن هذا يدعوه إلى محاسبة نفسه بين الفينة والأخرى.
والسبب الثاني من أسباب انعدام الخوف: اتكال بعض الجهلة من العباد على عفو الله عز وجل ورحمته، فيكون عابدًا لكنه جاهل، جاهل بحقيقة نفسه، وجاهل بما لله عز وجل عليه، فيرى أن عمله كثير، ويرى أنه قد فاز بما لم يفز به السابقون قبله، لجهله بحقيقة عمله، ولجهله بما يريده الله عز وجل منه، فتراه عابدًا لكنه جاهل فيأمن مكر الله، وإذا أمن مكر الله نزل به هذا المكر من حيث لا يحتسب.
وأما الإفراط في الطمع، الإفراط في الرجاء فله أسباب أيضًا:
ومن أهم هذه الأسباب: جهل الإنسان أيضًا بحقيقة ما يريده الله عز وجل منه، ونظره إلى رحمة الله تعالى مع إغفاله النظر عن عقاب الله، والموفق من نظر هذين النظرين وبهما تصلح الدنيا والآخرة: النظر إلى آفات عمله وما فيه من التقصير، والنظر إلى سعة رحمة الله تعالى وعفوه، فيدفعك الأول إلى الاستزادة من الأعمال الصالحة، ويدفعك الثاني إلى إحسان الظن بالله، وقد قال سبحانه في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» (4).
منزلة الخوف والرجاء في قلب المؤمن:
شبَّه العلماء القلب بالطائر، وجعلوا الخوف والرجاء جناحيه، والمحبة رأسه؛ فإذا قُطع أحد الجناحين لم يستطع الطيران، وإذا قُطع الرأس مات الطائر، فالمؤمن إن غلب عليه الرجاء وحده استهان بالذنوب، وإن غلب عليه الخوف وحده يئس من رحمة الله.
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال له: «كيف تجدك؟» قال: والله يا رسول الله، إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف» (5).
الإفراط في الخوف وآثاره الخطيرة:
الخوف إذا تجاوز حدَّه المشروع انقلب إلى يأسٍ وقنوط، وهما من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
والخوف من الله عبادة جليلة، وركن من أركان السير إلى الله تعالى، به تنكسر النفس، وتخشع الجوارح، ويبتعد الإنسان عن المعاصي والذنوب، غير أن هذه العبادة العظيمة إذا خرجت عن حدها المشروع، وانقلبت من خوف محمود إلى خوف مفرط، أصبحت سببًا في اضطراب القلب وفساد التصور، بل قد تجرُّ صاحبها إلى القنوط واليأس، وهما من أخطر ما يفسد علاقة العبد بربه.
وقد ابتُلي بعض الناس بفهم غير متوازن لمعنى الخوف، فصاروا يرون الله سبحانه وتعالى من زاوية العقاب فقط، ويتصورون رحمته بعيدة عنهم، ومغفرته غير متحققة لهم، فامتلأت قلوبهم بالرهبة حتى فقدوا الطمأنينة، وضعفت في نفوسهم معاني الرجاء وحسن الظن بالله، وهذا اللون من الخوف لا يُنشئ عبادةً صادقة؛ بل قد يُنتج نفسًا مضطربة، تعبد الله على قلق دائم لا على سكينة ورضا.
مظاهر الإفراط في الخوف:
ومن هنا تظهر أهمية الحديث عن مظاهر الإفراط في الخوف، لأن معرفة هذه المظاهر تساعد المسلم على اكتشاف الخلل في نفسه إن وُجد، وتعينه على تصحيح مساره قبل أن يتحول الخوف من وسيلة للإصلاح إلى سبب في الانحراف واليأس، فالدين الذي جاء بالترغيب والترهيب معًا، لا يرضى لعباده أن يعيشوا في ظلمة القنوط، كما لا يرضى لهم الغفلة والأمن الكاذب، وإنما يريد لهم قلبًا حيًّا متوازنًا، يخاف فيحذر، ويرجو فيعمل، ويسير إلى الله بين الخوف والرجاء في اعتدال واستقامة.
- الشعور الدائم بأن الله لن يغفر له مهما تاب:
من أخطر مظاهر الإفراط في الخوف أن يعيش الإنسان في شعور دائم بأن الله لن يغفر له مهما تاب أو رجع، فيستقر في قلبه يقين خاطئ بأنه مطرود من رحمة الله، وأن أبواب المغفرة قد أُغلقت في وجهه، وهذا الشعور لا يصدر عن تعظيم حقيقي لله؛ بل عن جهل بسعة رحمته وسوء فهم لنصوص الوعيد، إذ إن الله تعالى وصف نفسه بالغفور الرحيم، ووعد بقبول التوبة مهما عظمت الذنوب ما دام العبد صادقًا في رجوعه، قال تعالى: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)} [النساء: 26- 27].
وعلى ذلك تكون إرادة الله تعالى للتوبة عليهم متضمنة بيان الهداية لهم، ووجوب سلوك طريق الفطرة المستقيمة، وتسهيل الرجوع إليه سبحانه لتتطهر نفوسهم وتصغي إلى الحق أفئدتهم، وغفران الذنب إن أحسنوا التوبة وأخلصوا النية، واعتزموا السير في طريق الحق، وإنه في الوقت الذي يريد الله للناس الهداية والتوبة -يوجد- من إخوان إبليس من يحرضون على الغواية، ولذا قال سبحانه: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} هذه إشارة إلى كمال المباينة بين دعوة الحق التي يدعو إليها الله سبحانه وتعالى، ويبين سبلها، ودعوة أولياء الشيطان، فإن دعوة الله تعالى هي دعوة إلى الفطرة السليمة التي لم تنحرف، ولم تخرج عن النجد السوي، ليس فيها تحريم للطيبات ومتع الحياة وليس فيها انطلاق إلى الأهواء والشهوات والخروج عن سنن الفطرة المستقيمة.
وأما دعوة أولياء الشيطان، فهي دعوة إلى الانحراف، والميل إلى جانب الشهوة ميلًا عظيمًا، ينحرف به عن سبيل الإنسانية المهذبة.
وهذا الكلام يدل على أن الناس في كل عصر يوجد فيهم داعيتان: أحدهما إلى الحق والاعتدال، وأولئك يدعون بدعاية الرحمن، وهداية الأديان لَا تحرم ما أحل الله من طيبات، ولكن بقدر لَا اعتداء فيه ولا انحراف، وآخرون هم داعية الشيطان، وهؤلاء يكونون بأعمالهم وأقوالهم وأشعارهم في الماضي وصحفهم في الحاضر داعين إلى الانحراف (6).
وعندما يستقر هذا الوهم في نفس الإنسان، يتحول الخوف من دافع إلى التوبة والعمل الصالح إلى قيد يشلّ الإرادة ويزرع اليأس في القلب، فيضعف الأمل وتفتر الهمة، وربما يترك العبد الطاعة ظنًّا منه أنها لا تنفعه، وهذا من تلبيس الشيطان، لأنه يعلم أن العبد إذا قنط من رحمة الله انقطع عن طريق الإصلاح، بينما التوبة الصادقة تمحو ما قبلها، ورحمة الله أوسع من كل ذنب.
- اليأس من إصلاح النفس أو التغيير:
ومن صور الإفراط في الخوف كذلك أن يصل الإنسان إلى مرحلة اليأس من إصلاح نفسه أو القدرة على التغيير، فيظن أن ما اعتاده من ذنوب أو أخطاء قد صار طبعًا لا يمكن الفكاك منه، وأنه قد فاته طريق الصلاح والاستقامة، وهذا الشعور يولِّد في القلب استسلامًا خطيرًا، فيترك صاحبه مجاهدة نفسه ومحاولة إصلاحها، ويقنع بواقعه الفاسد بدعوى أن التغيير لم يعد ممكنًا.
والحقيقة أن هذا الظن يتنافى مع سنن الله في التوبة والهداية؛ فكم من إنسان كان غارقًا في المعاصي ثم بدَّل الله حاله فصار من الصالحين، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه» (7).
وإن الإيمان بأن النفس قابلة للإصلاح، وأن باب التوبة مفتوح ما دام في العمر بقية، هو من أعظم ما يحيي الأمل في القلب، أما اليأس من التغيير فهو نوعٌ من القنوط الخفي الذي يثبِّط العزائم ويمنع الإنسان من السير في طريق التزكية والإصلاح.
- ترك العمل الصالح بحجة أنه لا فائدة منه:
ومن مظاهر الإفراط في الخوف أيضًا أن يترك الإنسان العمل الصالح بحجة أنه لا فائدة منه، فيقول في نفسه: ما دام الله لن يقبلني أو لن يغفر لي، فما جدوى الصلاة أو الصدقة أو سائر الطاعات؟ فيتحول الخوف من دافعٍ للعمل إلى سببٍ لتركه، وهذا من أخطر الانحرافات القلبية؛ لأن الشريعة جعلت الطاعة بابًا للرحمة ومفتاحًا للمغفرة، لا شرطًا للكمال المطلق.
فالعبد مأمور بالعمل مهما كان حاله، لأن الله يقبل القليل ويثيب على اليسير؛ بل قد تكون حسنة واحدة صادقة سببًا في مغفرة ذنوب كثيرة.
عن كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك»، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر (8).
فالاستسلام لفكرة أن العمل لا ينفع هو في حقيقته نوع من اليأس وسوء الظن بالله، كما أنه يحقق غاية الشيطان الذي يسعى إلى قطع العبد عن كل طريق يقربه من ربه.
ولذلك كان المؤمن الحق يعمل ويرجو، ويجتهد وإن كثرت زلاته، لأنه يعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن كل خطوة في طريق الخير لها أثرها عند الله ولو لم يشعر بها صاحبها في الحال.
- اضطرابات نفسية ووساوس دينية قد تفسد العبادة نفسها:
ومن أخطر نتائج الإفراط في الخوف أن يتحوّل إلى اضطرابات نفسية ووساوس دينية تفسد على الإنسان عبادته بدل أن تصلحه، فبدل أن يؤدي الصلاة بخشوع، ينشغل بالشكوك في صحتها، وبدل أن يطمئن بعد الوضوء، يعيد ويكرر خوفًا من عدم القبول أو الوقوع في الخطأ، ومع مرور الوقت يصبح هذا الخوف المبالغ فيه بابًا للوسواس القهري، فيفقد العبد لذة العبادة وسكينتها، وتتحول الطاعة إلى عبءٍ نفسي يرهقه ويستنزف طاقته، وهذا ليس من الدين في شيء، فالشريعة قائمة على اليسر ورفع الحرج، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الغلو والتشدد، فعن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا (9)، أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
إن الوساوس التي تُدخل الشك في النية والطهارة والعبادات هي في حقيقتها من تلبيس الشيطان، يريد بها أن يقطع العبد عن الطاعة أو يجعلها ثقيلة عليه حتى يتركها، ولذلك كان العلاج في الإعراض عن الوسواس وعدم الاسترسال معه، والثقة بأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وأنه يقبل من عباده اليسير الصادق ولا يطلب منهم الكمال المستحيل.
آثار هذا الإفراط:
- تعطيل العبد عن التوبة والعمل:
ومن آثار الإفراط في الخوف أن يؤدي إلى تعطيل العبد عن التوبة والعمل الصالح، إذ يتحول الخوف من وسيلةٍ تدفع إلى الرجوع إلى الله إلى حاجزٍ نفسي يمنع الإنسان من الاقتراب منه، فبدل أن يقول المذنب: سأعود إلى ربي وأستغفره، يهمس له الشيطان بأن توبته لن تُقبل، فيؤجل التوبة مرة بعد مرة حتى يستمرئ المعصية أو ييأس من الإصلاح، وهكذا يصبح الخوف المبالغ فيه سببًا في إغلاق باب فتحه الله لعباده رحمة بهم، وهو باب التوبة.
وقد وعد الله سبحانه بقبول التائبين مهما عظمت ذنوبهم، بل جعل التوبة أحب الأعمال إليه {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، فكل تأخير لها بدافع اليأس أو الشعور بعدم الاستحقاق هو في الحقيقة استجابة لوسوسة الشيطان، لا تعظيمًا لله ولا خوفًا منه، والمؤمن الصادق إذا أذنب خاف، وإذا خاف تاب، وإذا تاب عمل صالحًا، فيبقى في حركةٍ دائمةٍ نحو الإصلاح لا في حالة جمودٍ واستسلام
- سوء الظن بالله تعالى:
ومن أخطر ما يترتب على الإفراط في الخوف سوء الظن بالله تعالى، حيث يبدأ الإنسان في تصور ربه سبحانه وتعالى بصورة قاسية لا تليق بجلاله، فيظن أنه لا يرحم، أو أنه يتربص بعباده ليعذبهم، أو أن رحمته بعيدةٌ عنه خاصةً دون غيره، وهذا الظن يتنافى مع ما وصف الله به نفسه من الرحمة والمغفرة واللطف بعباده، كما أنه يُعد خللًا في أصل العقيدة؛ لأن المؤمن مأمور بأن يجمع بين تعظيم الله والخوف منه، وبين حسن الظن به والرجاء في فضله، وحين يسوء ظن العبد بربه، يفقد طمأنينته ويضعف يقينه، وقد يبتعد عن الدعاء والتوبة لأنه لا يتوقع الإجابة ولا يرجو القبول.
ولهذا كان حسن الظن بالله من أعظم أعمال القلوب، إذ يدفع صاحبه إلى الإقبال على الله بثقةٍ وأمل، بينما سوء الظن يقطع هذه الصلة ويجعل الخوف بابًا للبعد لا وسيلةً للقرب
- الوقوع في القنوط المحرَّم شرعًا:
ومن أخطر نتائج الإفراط في الخوف أن يقود الإنسان إلى القنوط المحرَّم شرعًا، وهو اليأس التام من رحمة الله واعتقاد أن المغفرة لم تعد ممكنة مهما تاب أو استغفر، وهذا القنوط لا يُعد مجرد حالة نفسية؛ بل هو ذنب عظيم؛ لأنه يتضمن تكذيبًا ضمنيًا بسعة رحمة الله التي وسعت كل شيء، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وقد نهى الله تعالى عن هذا المسلك في كتابه، وأمر عباده ألا ييأسوا من روحه، لأن اليأس يناقض حقيقة الإيمان برحمة الله وعدله.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الأمل وعدم الاستسلام لليأس مهما عظمت الذنوب، لأن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فالقنوط يقطع صلة العبد بربه، ويغلق أمامه أبواب الإصلاح، بينما الرجاء الصادق يفتح له طريق العودة مهما طال بعده أو كثرت زلاته، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة» (10).
وقد جاء في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» (11)، فمن ظنَّ أن الله لن يرحمه فقد أساء الظن بربه.
التفريط في الخوف وآثاره:
كما أن الإفراط في الخوف مذموم، فإن التفريط فيه أخطر في كثير من الأحيان؛ لأنه يفتح باب الجرأة على المعصية، ويُميت القلب.
مظاهر التفريط:
- الأمن من مكر الله:
ومن مظاهر التفريط في الخوف التي تقابل الإفراط فيه الأمن من مكر الله، وهو أن يشعر الإنسان بالاطمئنان التام إلى حاله، ويظن أنه في مأمن من العقوبة مهما فعل، فيتمادى في المعاصي دون أن يخشى عاقبتها أو يتذكر حسابها، وهذا الشعور يعد من أخطر الانحرافات القلبية؛ لأنه يميت في النفس روح المراقبة ويجعل العبد يستهين بأوامر الله ونواهيه، ظنًّا منه أن العذاب بعيد عنه أو أنه مضمون النجاة.
وقد حذّر الله تعالى من هذا المسلك في كتابه، وبيّن أن الذين يأمنون مكره هم الخاسرون، {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، لأنهم غفلوا عن عدله وعقابه كما غفلوا عن رحمته.
ولهذا قال الحسن البصري، رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن (12).
فالمؤمن الحق لا يأمن مكر الله، ولا يقنط من رحمته، بل يسير بين خوفٍ يحجزه عن المعصية، ورجاءٍ يدفعه إلى مزيدٍ من الطاعة والعمل الصالح.
- الاستهانة بالذنوب صغرت أو كبرت:
ومن مظاهر التفريط في الخوف كذلك الاستهانة بالذنوب صغرت أو كبرت، حيث ينظر بعض الناس إلى المعصية نظرة استهانة، فيصف الذنب بأنه بسيط أو هين، ويكرر فعله دون شعورٍ بخطورة الوقوع فيه، وهذه النظرة تميت في القلب تعظيم الله، لأن المؤمن إذا عظُم في نفسه قدر ربّه عظُم عنده كل ما نهى عنه، مهما بدا صغيرًا في أعين الناس.
عن الحارث بن سويد، حدثنا عبد الله بن مسعود، حديثين: أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر عن نفسه، قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه» فقال به هكذا، قال أبو شهاب: بيده فوق أنفه (13).
قال ابن حجر: وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السيء (14).
فالاستهانة بالذنب لا تعني صغره عند الله، بل قد تكون سببًا في قسوة القلب وجرأة العبد على حدود ربه، حتى يصل به الأمر إلى الوقوع في الكبائر دون شعور أو ندم، ولذلك كان الصالحون يخافون من الذنب الصغير كما يخافون من الكبير، لأنهم يعلمون أن النظر إلى عظمة من عُصيَ هو الذي يحدد خطورة المعصية لا حجمها في نظر البشر
- تأجيل التوبة بلا خوف من الموت المفاجئ:
ومن صور التفريط في الخوف كذلك تأجيل التوبة بلا خوفٍ من الموت المفاجئ، إذ يركن بعض الناس إلى طول الأمل، فيسوّف التوبة ويؤخرها إلى وقت يظن أنه سيكون أقدر فيه على التغيير، غير مستحضر أن الموت قد يأتي بغتة دون سابق إنذار، وهذا التسويف يعد من أخطر خدع النفس والشيطان؛ لأنه يشعر الإنسان بزيف الأمان ويحرمه من اغتنام فرصة الرجوع إلى الله في الوقت الحاضر.
فالتوبة المؤجلة توبة مهددة، ومن يؤخرها قد يحرمها إن أدركه الموت قبل أن يعود، ولهذا كان السلف يخافون من التسويف أكثر من خوفهم من الذنب نفسه، لأنه بابٌ يُغلق دون أن يشعر صاحبه.
- الاعتماد على رحمة الله دون عمل:
ومن مظاهر التفريط في الخوف كذلك الاعتماد على رحمة الله دون عمل، حيث يركن بعض الناس إلى سعة مغفرة الله ولطفه، فيجعلون ذلك ذريعةً لترك الطاعات أو التهاون في أداء الفرائض، فيقول أحدهم: الله غفور رحيم، لكنه لا يصلي ولا يجاهد نفسه في ترك المعصية، وهذا الفهم خلل في حقيقة الرجاء؛ لأن الرجاء الصادق لا يكون إلا مع سعيٍ وعمل، أما ترك العمل مع التعلل بالرحمة فليس رجاءً بل غرورًا وتمنّيًا كاذبًا.
فكما لا يجوز للمؤمن أن ييأس من رحمة الله، لا يجوز له أن يتكل عليها وهو مقيمٌ على التقصير، إذ إن هذا الاتكال يميت في النفس روح المجاهدة ويُبعد العبد عن حقيقة العبودية القائمة على السعي والامتثال، قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.
الإفراط في الرجاء وآثاره
الرجاء إذا تجاوز حدَّه تحوَّل إلى أمنٍ كاذبٍ وأمانٍ زائف، فبعض الناس يقول: “الله غفور رحيم” وهو مقيم على المعصية، لا يريد أن يتركها، وهذا ليس رجاءً بل غرور، قال تعالى: {وغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24]، أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانًا، قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} لا شك في وقوعه وكونه {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] (15).
علامات الرجاء الكاذب:
- الإصرار على الذنب مع انتظار المغفرة:
ومن مظاهر الرجاء المنحرف الإصرار على الذنب مع انتظار المغفرة، حيث يعتاد الإنسان المعصية ويستمر عليها، وهو في الوقت نفسه يطمئن نفسه بأن الله سيغفر له في النهاية، دون أن يبذل جهدًا حقيقيًا في التوبة أو ترك الذنب، وهذا السلوك يجمع بين الجرأة على حدود الله وسوء الفهم لمعنى الرحمة الإلهية؛ لأن المغفرة وعدٌ مرتبط بالتوبة الصادقة والندم والعزم على عدم العودة، لا بالإصرار والاستهانة.
فانتظار المغفرة مع الإقامة على الذنب ليس رجاءً، بل هو خداع للنفس وتمنٍّ فارغ يخالف حقيقة العبودية الصادقة.
- ترك الفرائض بحجة أن القلب طيب:
ومن صور الرجاء الزائف كذلك ترك الفرائض بحجة أن القلب طيب، فيظن بعض الناس أن صلاح النية أو نقاء القلب يغني عن أداء العبادات التي فرضها الله، فيقول: المهم أن قلبي نظيف ولا أؤذي أحدًا، وهو مع ذلك يترك الصلاة أو غيرها من الفرائض، وهذا فهمٌ خاطئ لحقيقة الدين؛ لأن الإسلام جمع بين صلاح الظاهر والباطن، وجعل العبادات دليلًا على صدق ما في القلب لا بديلًا عنه، فلو كان القلب طيبًا حقًّا لأثمر طاعةً وانقيادًا لأوامر الله، لأن المحب الصادق يُظهر حبه بالامتثال لا بالدعوى.
فالقلب الطيب لا يعارض الشريعة، بل يخضع لها ويزداد بها طهرًا ونقاءً.
- التساهل في حقوق الناس والعباد:
ومن مظاهر الرجاء المنحرف كذلك التساهل في حقوق الناس والعباد، حيث يظن بعض الناس أن رحمة الله تشمل كل شيء دون اعتبار لحقوق الآخرين، فيأخذ أموالهم أو يؤذيهم أو يظلمهم، ثم يطمئن إلى أنه سيغفر له بمجرد الاستغفار أو حسن الظن بالله. وهذا فهم قاصر؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحّة، ولا تُغفر بمجرد التوبة حتى يُعاد الحق إلى صاحبه أو يُطلب منه العفو.
فالتساهل في حقوق العباد مع الاعتماد على رحمة الله يُعد من أخطر صور الغرور؛ لأنه يجمع بين ظلم الخلق وسوء الفهم لعدل الله، ويعرّض الإنسان لخسارة عظيمة يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قومًا ألهتهم أمانى المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ باللَّه وكذبوا، لو أحسنوا الظنّ باللَّه لأحسنوا العمل له (16).
التفريط في الرجاء وآثاره:
إذا ضعف الرجاء في قلب العبد شعر بالوحشة، وانطفأ فيه الأمل، وفقد الدافع للعمل والطاعة، والإنسان بطبيعته يحتاج إلى الأمل ليستمر في السير، ولذلك كان الرجاء رحمة من الله بعباده.
والتفريط في الرجاء من الآفات الخفية التي قد تصيب قلب المؤمن، إذ يضعف شعوره بسعة رحمة الله وفضله، فيعيش في جوٍّ من الإحباط والقنوط، ويظن أن طريق الخير بعيد المنال أو أن جهوده لن تُثمر، وهذا الضعف في الرجاء ينعكس سلبًا على سلوكه؛ فيفقد الحافز إلى الطاعة، ويقلّ نشاطه في العبادة، وقد يترك التوبة لأنه لا يتوقع القبول.
ومع مرور الوقت تتحول هذه الحالة إلى فتورٍ دائمٍ وانكسارٍ نفسي، فيبتعد العبد عن ربه وهو يظن أنه يعظّمه بالخوف، بينما الحقيقة أنه أساء الظن برحمته الواسعة.
إن الرجاء هو النور الذي يبقي القلب حيًّا ومقبلًا على الله، فإذا خبا هذا النور سادت العتمة، وضعفت العزائم، وتوقفت مسيرة الإصلاح والتزكية.
فالذي لا يرجو رحمة الله: لا يجد لذة في العبادة، ولا يرى معنى للتوبة، وقد يستسلم لواقعه الفاسد.
التوازن بين الخوف والرجاء هو المنهج الصحيح:
المنهج الرباني يقوم على الموازنة الدقيقة بين الخوف والرجاء، فلا يطغى أحدهما على الآخر، وقد كان حال الأنبياء والصالحين كذلك.
قال الله تعالى في وصفهم: {ويَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] أي: رجاءً فيما عند الله، وخوفًا من عقابه، رغبة في الرضوان ورهبة للغضب، فقلوبهم وثيقة الصلة دائمة التطلع (17).
متى يُغلَّب الخوف ومتى يُغلَّب الرجاء؟
حال الصحة والشباب: يغلب الخوف ليحمله على الاستقامة وترك المعصية.
حال المرض واقتراب الأجل: يغلب الرجاء ليحسن الظن بالله.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» (18).
ثمرات التوازن بين الخوف والرجاء:
إن التوازن بين الخوف والرجاء ليس مجرد حالةٍ نفسيةٍ معتدلة، بل هو منهج إيماني يثمر آثارًا عظيمة في قلب المؤمن وسلوكه، ويجعل سيره إلى الله مستقيمًا ثابتًا.
1- الاستقامة على الطاعة والبعد عن المعصية:
فالمؤمن إذا خاف من عقاب الله اجتنب الذنوب، وإذا رجا رحمته أقبل على الطاعات، فيجتمع له الدافعان معًا: دافع الابتعاد عن الشر ودافع الإقبال على الخير، وبهذا تتحقق الاستقامة التي هي علامة صلاح القلب.
2- راحة القلب وطمأنينته:
التوازن يمنع الإنسان من الوقوع في طرفين متناقضين: القلق الدائم بسبب الخوف المفرط، أو الغفلة واللامبالاة بسبب الرجاء الزائف، فيعيش المؤمن بقلبٍ مطمئن، يخاف فيحذر، ويرجو فيسكن ويأمل.
3- دوام التوبة وعدم اليأس:
من يجمع بين الخوف والرجاء لا يستمرئ الذنب، لأنه يخاف عاقبته، ولا ييأس إذا وقع فيه، لأنه يرجو المغفرة، فيبقى في حالة تجديدٍ دائم لعلاقته بالله، كلما زلَّ تاب، وكلما تاب ازداد قربًا.
4- حسن الظن بالله مع تعظيمه:
التوازن يجعل العبد يحسن الظن بربه دون أن يستهين به، فيرى الله رحيمًا غفورًا، وفي الوقت نفسه شديد العقاب، وهذا هو الفهم الذي ربّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فجمعوا بين الهيبة والمحبة.
5- قوة الإرادة ومجاهدة النفس:
الرجاء يمنح المؤمن أملًا يدفعه للاستمرار وعدم الاستسلام، والخوف يمنحه يقظةً تمنعه من التراخي، وبهذا تتقوى عزيمته في مجاهدة نفسه، فلا ينهار أمام الشهوات ولا يستسلم للفشل.
6- سلامة العقيدة من الانحراف:
التوازن يحمي الإنسان من الوقوع في القنوط أو في الأمن من مكر الله، وكلاهما من الانحرافات الخطيرة في باب الإيمان، فهو يحفظ على المؤمن صفاء تصوره عن ربه، ويجعله يسير وفق المنهج الذي جاء به القرآن والسنة.
7- الفوز برضا الله في الدنيا والآخرة:
فالخائف الراجِي يعمل بجد، ويتوب بصدق، ويثبت على الطريق، ومن كانت هذه حاله كان أرجى للقبول وأقرب لنيل رحمة الله ورضوانه، وهي الغاية التي يسعى إليها كل مؤمن.
وهكذا يتبين أن التوازن بين الخوف والرجاء ليس مجرد فضيلة قلبية، بل هو أساسٌ لبناء شخصية مؤمنة متزنة، قادرة على السير إلى الله بثباتٍ ووعيٍ حتى تلقاه وهو عنها راضٍ.
وهكذا يعيش المؤمن في الدنيا بين خوفٍ يزجره، ورجاءٍ يسنده، حتى يلقى الله بقلبٍ سليم، قد سار إليه بين جناحين متوازنين، لا إفراط فيهما ولا تفريط.
***
-------------
(1) أخرجه مسلم (2755).
(2) العبودية (ص: 112).
(3) مدارج السالكين (2/ 371).
(4) أخرجه ابن حبان (633).
(5) أخرجه الترمذي (983).
(6) زهرة التفاسير (3/ 1652).
(7) أخرجه البخاري (4141).
(8) أخرجه البخاري (2757).
(9) أخرجه مسلم (2670).
(10) أخرجه البخاري (5756).
(11) أخرجه البخاري (7405).
(12) تفسير ابن كثير (3/ 451).
(13) أخرجه البخاري (6308).
(14) فتح الباري لابن حجر (11/ 105).
(15) تفسير ابن كثير (2/ 28).
(16) تفسير الزمخشري (1/ 567).
(17) في ظلال القرآن (4/ 2395).
(18) سبق تخريجه.
