logo

الحذر من غدر الأعداء


بتاريخ : الثلاثاء ، 22 شعبان ، 1447 الموافق 10 فبراير 2026
الحذر من غدر الأعداء

الغدر والخيانة صفة متجذرة في أعداء الأمة الإسلامية منذ بزوغ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا، وهو ما يستدعي من المسلمين أن يبقوا على وعيٍ دائم، وحذر شديد، واستعداد تام، ويقظة لمخططاتهم، وأن يستحضروا سنن التاريخ وقصص السابقين ليأخذوا منها العبرة والعظة.

إنّ الله سبحانه وتعالى حذّر المؤمنين من موالاة الأعداء والثقة بهم ثقةً عمياء، فقال جل شأنه: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَـارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم} [البقرة: 120].

فتلك هي العلة الأصيلة، ليس الذي ينقصهم هو البرهان وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق، ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت.. لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق (1).

كم حذَّرَنا الله تعالى من الأعداء، ونبَّهنا على ما يُدبِّرونه لنا في الظاهر والخَفاء، من أصْناف الكيد وألوان الاعتِداء؛ كقوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 105]، يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم (2).

يقول تعالى للمؤمنين: إن هؤلاء الذين علمتم شأنهم مع أنبيائهم حسدة لا يلتفت إلى تكذيبهم ولا يبالي بعدوانهم، ولا يضركم كفرهم وعنادهم، فهم لحسدهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، والقرآن أعظم الخيرات؛ لأنه النظام الكامل، والفضل الشامل، والهداية العظمى، والآية الكبرى، جمع به شملكم، ووصل حبلكم، ووحد شعوبكم وقبائلكم، وطهر عقولكم من نزغات الوثنية، وزكى نفوسكم من أدران الجاهلية، وأقامكم على سنن الفطرة، وشرع لكم الحنيفية السمحة، فكيف لا يحرق الحسد عليه أكبادهم ويخرج أضغانهم عليكم وأحقادهم؟

(أقول) الود محبة الشيء، وتمني وقوعه، يطلق على كل منهما قصدًا، وعلى الآخر تبعا. ويكون مفعول الأول مفردًا والثاني جملة، ونفيه بمعنى الكراهة، فالمعنى:

ما يحب الذين كفروا من اليهود والنصارى ولا من المشركين أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، أما أهل الكتاب ولا سيما اليهود فلحسدهم للعرب أن يكون فيهم الكتاب والنبوة، وهو ما كانوا يحتكرونه لأنفسهم، وأما المشركون فلأن في التنزيل المرة بعد المرة من قوة الإسلام ورسوخه وانتشاره ما خيب آمالهم في تربصهم الدوائر بالنبي صلى الله عليه وسلم وانتهاء أمره (3).

وقوله سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].

يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه (4).

والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين، ومازالت تفيض، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال، وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه، والذي أنقذهم الله منه بالإيمان، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود (5).

 قال محمد الخضر حسين: والحسد: قلق النفس من رؤية نعمة يصيبها إنسان، وينشأ عن هذا القلق تمنى زوال تلك النعمة عن الغير وتمنى زوال النعم مذموم بكل لسان، إلا نعمة أصابها فاجر أو جائر يستعين بها على الشر والفساد، فإن تمنى زوالها كراهية للجور والفساد لا يدخل في قبيل الحسد المذموم فإن لم تتمن زوال النعمة عن شخص وإنما تمنيت لنفسك مثلها فيه الغبطة والمنافسة، وهي محمودة لأنها قد تنتهي بالشخص إلى اكتساب محامد لولا المنافسة لظل في غفلة عنها، والحسد قد يهجم على الإنسان ولا يكون في وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين المحسود، وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به، وإظهار ما يستدعيه من القدح في المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه (6).

وقوله جل ذكرُه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)} [آل عمران: 100- 101].

روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد، فاتفق أنه مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون، وكان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام، فشق ذلك على اليهودي فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح، فوصل الخبر إلى النبي عليه السلام، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، وقال: أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم، وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان، ومن كيد ذلك اليهودي، فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أولًا وأحسن آخرًا من ذلك اليوم، فأنزل الله تعالى هذه الآية (7).

وقال تبارك اسمه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

إن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته غيظ ورعب لأعداء هذا الدين ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين إن الإسلام بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم، فهو من القوة ومن المتانة بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد، إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج، ومن منهج قويم، ومن نظام سليم.. إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد، ومن ثم لا يطيقه المبطلون البغاة المفسدون (8).

وقال تعالى: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].

أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل (9).

وقال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119].

وقال سبحانه: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].

إلى غير ذلك من النُّصوص التي تُثبِت حقيقةَ العداوة، وتُبيِّن مَظاهِر البغض والكيد، وتَكشِف عن حجم المؤامَرة وغاية الفتنة، وترشد إلى أسباب السلامة والنصر والفوز بجميل العاقبة وشكر الذكر.

ومن هذه الحملة الطويلة التي اقتطفنا منها هذه الآيات، وتنوع توجيهاتها وتلقيناتها تتبين عدة أمور:

أولها: ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها، وعمق الكيد وتنوع أساليبه، واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها.

وثانيها: ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يتركها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة، مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب.

وثالثها: هو ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة، من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوة وأصحابها في الأرض كلها وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها (10).

والغدر والخيانة صفتان ذميمتان خسيستان، لا يتصف بهما إلا أحقر الناس وأضعفهم وأذلهم، فإذا عجز عن مواجهة خصومه غدر بهم في الخفاء، وطعنهم من الخلف، وخانهم وهم يأمنونه، كما هو فعل المنافقين عبر الأزمان.

ولخسة الغدر والخيانة، وحقارة من اتصف بهما نهت الشريعة عنهما، محذرة منهما في نصوص كثيرة؛ فمن صفات المنافق المذكورة في الحديث الصحيح «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر» (11)، وفي حديث آخر «وإذا اؤتمن خان» (12).

ولأن الغدر والخيانة وصفان مذمومان فإن الله تعالى نهى عنهما، حتى مع من يتوقع منه الغدر والخيانة، فينبذ إليه عهده، ولا يغدر به {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ} [الأنفال: 58]، وفي آية أخرى: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107]، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَال: قَال النبي صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (13)، أي لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك، فتكون مثله، وليس منها ما يأخذه من مال من جحده حقه إذ لا تعدي فيه، أو المراد إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته، وإن كان حسنًا بل قابله بالأحسن الذي هو العفو وادفع بالتي هي أحسن (14).

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (15).

أي: نقض العهد الذي عاهد عليه؛ لأنه جعل الله كفيلًا له فيما لزمه من وفاء ما أعطى.

والملاحظ في هذا الحديث أن الخيانة حاضرة في الثلاثة كلهم؛ فالغادر خائن، ومن باع حرًا فقد خانه، ومن لم يوف الأجير حقه فهو خائن له؛ فكانت هذه أفعال الخونة الغدارين.

ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الغدر حتى في حال الحرب، ومن وصاياه في ذلك «اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا» (16).

وحين زكى النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب القرون الثلاثة الأولى بيّن ما يقع بعدهم من انتشار الغدر والخيانة فقال: «ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون» (17)، قال النووي: ومعنى الجمع في قوله: يخونون ولا يؤتمنون أنهم يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها ثقة، بخلاف من خان حقيرًا مرة، فإنه لا يخرج به عن أن يكون مؤتمنًا في بعض المواطن (18).

وأهل الغدر والخيانة مفضوحون يوم القيامة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان» (19).

ومهما ظن الخائن الغدار أنه يدرك بالغدر والخيانة غايته، ويحقق هدفه؛ فهو مخطئ؛ إذ يرتد عليه سوء عمله، ويخونه من خان لأجلهم، ويغدرون به كما غدر هو بغيره لهم، وشواهد ذلك من التاريخ ومن الواقع المشاهد كثيرة جدًا. 

والأصل في أهل الكفر أنهم يخونون ولا يؤتمنون، ويغدرون ولا يوفون؛ لأنه لا دين يمنعهم من الخيانة؛ ولأنهم يسيرون مع مصالحهم الآنية حيث سارت؛ ولذا ساد في مذاهبهم أن الغاية تسوغ الوسيلة، وأن ما يحقق المصلحة يُفعل ولو انتهك الحرمة، والسياسة المعاصرة مبناها على هذا الفكر المنحرف، وبسببه سفكت الدماء، وشردت الشعوب، وانتشر الخوف والفقر في أرجاء الأرض، ولتخلق الكفار بالغدر والخيانة حذر الله تعالى المؤمنين منهم {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56)} [الأنفال: 55- 56]، أخبر تعالى أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين كلما عاهدوا عهدا نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، {وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} أي: لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام (20).

لذا كان المنهج الصحيح للتعامل مع خيانة هؤلاء وغدرهم: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57].

إن هذا الدين لا بد له من هيبة، ولا بد له من قوة، ولا بد له من سطوة، ولا بد له من الرعب الذي يزلزل الطواغيت حتى لا تقف للمد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل طاغوت، والذين يتصورون أن منهج هذا الدين هو مجرد الدعوة والتبليغ، في وجه العقبات المادية من قوى الطاغوت، هم ناس لا يعرفون شيئًا عن طبيعة هذا الدين! وهذا هو الحكم الأول يتعلق بحالة نقض العهد فعلًا مع المعسكر الإسلامي وما ينبغي أن يتبع في ضرب الناقضين للعهد وإرهابهم وإرهاب من وراءهم بالضربة القاصمة المروعة الهائلة.

وفي آية أخرى {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} [الأنفال: 71].

وقال الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فيهم لا تأتمنوهم إذ خونهم الله عز وجل، والأصل في الكافر أنه يخون ولا يؤتمن ولو عاش في بيت النبوة، وقد ضرب الله تعالى الأمثال بذلك؛ حتى يحذر أهل الأيمان فلا يأمنوا لكافر مهما أظهر من الود والتعاطف والنصح {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10]، فكانتا تتجسسان على النبيين الكريمين، وتفشيان أسرارهما للكفار لينالوا منهما، ولكن الله تعالى حفظهما وأهلك قومهما، وفضح زوجتيهما الخائنتين.

وقد دل التاريخ القديم والمعاصر على كثرة خيانة الكفار للمؤمنين، فكثيرًا ما يعاهدونهم ثم يغدرون بهم، ويُؤَمنونهم ثم يخونونهم، وجميع طوائف اليهود في المدينة خانت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تف واحدة منها بعهدها مع المؤمنين، فكانت عاقبة خيانتهم القتل والجلاء عن المدينة؛ عقوبة من الله تعالى لهم على غدرهم وخيانتهم.

وكفار مكة لما عقدوا الصلح مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية لم يمكثوا على عهدهم إلا يسيرًا حتى نقضوه، فكان فتح مكة مكافأة للمؤمنين على وفائهم، وعقوبة للمشركين على غدرهم وخيانتهم.

وفي الحروب الصليبية احتمى ألوف من المسلمين بالمسجد الأقصى، وأغلقوا الأبواب عليهم، فأمنهم الصليبيون، فلما فتحوا لهم الأبواب غدروا بهم، فأبادوهم رجالًا ونساء وأطفالًا.

وفي واقعنا المعاصر حوادث كثيرة من الغدر والخيانة بالمسلمين فعلها الكفار، وخيانة الصرب والكروات لمسلمي البلقان، وغدرهم بهم ليست عنا ببعيد.

وأطول قضية سياسية معاصرة هي قضية فلسطين التي نكث فيها اليهود والنصارى بالعهود، وغدروا بمن وثقوا بهم من العرب كرات ومرات، ولا زالوا يغدرون ويخونون، ومع ذلك لا زال بعض العرب يثق في وعودهم، ويأمن غائلتهم.  

حين تنحرف بعض النفوس عن هدى مولاها، وتعمى عن الحق بصائرها، يستميت أصحابها في نشر باطلهم، ويركبون كل سبيل لتحقيق أهدافهم، ويستحلون كل محرم في الوصول إلى غاياتهم، وتكون المحرمات التي دل الشرع والعقل والفطرة السوية على تحريمها واجبات عند هؤلاء المنحرفين، فيستحلون الغدر والكذب والخيانة ونقض العهد، وهو ما يفعله المنافقون؛ لأن نفوسهم المريضة جعلتهم يعيشون بشخصيتين مزدوجتين، فهم في حال ضعفهم يخفون نفاقهم، فإذا استقووا بالكفار أظهروه وغدروا بالمؤمنين.

والأمة الباطنية هي أكثر الأمم غدرًا بالمسلمين، وخيانة لهم، حتى أُسقطت دول بخيانتهم، وقوضت عروش بغدرهم، كما سقطت دولة العباسيين بخيانة الرافضي الباطني ابن العلقمي.

وفي الدولة الصفوية كاتب عباس الصفوي قائد الصليبيين البرتغال يحالفه ضد المسلمين، ووعده بأن يسلم له فلسطين إذا قبل حلفه، فرد عليه قائد الصليبيين قائلًا: إذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر، أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجِدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي، وسأنفذ له كل ما يريد (21). 

وغدر النصيريون بأهل السنة في الشام أيام الاستعمار وخانوهم، فكانوا مع الصليبيين ضد المسلمين. وهم الآن في الشام يصالحون ويعاهدون ثم ينقضون عهودهم ويخونون، ويرتكبون المجازر البشعة بأهل الشام، فقتلوا مئات الألوف، وشردوا الملايين.

وفي اليمن غدر الحوثيون الباطنيون بالشعب اليمني وانقلبوا على حكومته، وارتكبوا المجازر بأهل السنة.

وإذا أحسوا بالضعف والهزيمة عاهدوا فتمتد إليهم الحبال الخارجية فينقضون عهودهم، ويخونون أماناتهم، ويستمرون في انتهاكاتهم، فهم لا يعاهدون إلا ليستقووا ثم ينقضون ما عاهدوا.

وفيما يلي نستعرض أبرز صور الغدر والخيانة التي سجلها التاريخ، لنرى كيف تكررت عبر العصور بأشكال مختلفة، ولكنها اشتركت في جوهر واحد: العداء للإسلام ومحاولة القضاء على أهله.

أولًا: غدر اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم:

منذ أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، دخل اليهود في معاهدات صلح وحسن جوار مع المسلمين، ومن أبرزها صحيفة المدينة التي ضمنت لهم حرية الدين، وحماية الحقوق، والتعاون على دفع المعتدين، لكن اليهود نقضوا العهود مرة بعد مرة، وتجلّى غدرهم في صور عدة:

غدر يهود بني قينقاع:

بعد غزوة بدر، خانوا العهد حين اعتدى أحدهم على امرأة مسلمة في سوقهم، فدافع عنها رجل مسلم فقتلوه، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى استسلموا، فكانت تلك أولى صور نقضهم.

غدر يهود بني النضير:

أظهروا النفاق، وتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءهم يستعين بهم في دية، لكن الله أنجاه وأمر بإجلائهم.

غدر يهود بني قريظة:

أشد صور الغدر في غزوة الأحزاب، حيث نقضوا عهدهم مع المسلمين وتحالفوا مع قريش وغطفان لقتالهم في لحظة عصيبة، حتى قال الله عنهم: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الأحزاب: 26].

تلك الخيانات المتكررة كشفت أنّ الغدر سجية متأصلة فيهم، وأنّ الثقة المطلقة بهم جهلٌ بالسنن الإلهية.

ثانيًا: غدر النصارى بالمسلمين في البوسنة:

في أواخر القرن العشرين، وتحديدًا بعد تفكك يوغسلافيا، أعلن المسلمون البوسنيون استقلالهم (1992م)، فما كان من الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك إلا أن أعلنوا حرب إبادة ضد المسلمين، بغطاء من الغرب النصراني:

وقعت مجازر بشعة أشهرها مجزرة سربرنيتسا (1995م)، حيث قُتل أكثر من 8,000 مسلم أعزل تحت حماية قوات الأمم المتحدة "الهولندية" التي سلمتهم للصرب، في واحدة من أبشع صور الغدر العالمي بالمسلمين في العصر الحديث.

تعرّض المسلمون للاغتصاب الجماعي، والتهجير القسري، وحُرقت قراهم، بينما وقف الغرب متفرجًا، بل متواطئًا، لأن الضحية مسلم.

هذا يذكّر المسلمين بأن الغرب النصراني مهما رفع شعارات "حقوق الإنسان" فإنه سرعان ما يكشف عن وجهه الحقيقي إذا تعلق الأمر بالمسلمين.

ثالثًا: غدر اليهود وحلفائهم الأمريكان بالعرب

اليهود منذ قيام كيانهم الغاصب في فلسطين عام 1948م، لم يقوموا بذلك وحدهم، بل بتمويل وتسليح ورعاية غربية، وعلى رأسها بريطانيا أولاً ثم الولايات المتحدة الأمريكية لاحقًا.

ومن صور الغدر الأمريكي بالعرب:

الانحياز المطلق لإسرائيل:

منذ حرب 1948 وحتى اليوم، لم تقف أمريكا يومًا على الحياد، بل كانت الداعم الأكبر عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا للكيان الصهيوني.

حرب 1967م (النكسة):

قدمت أمريكا دعمًا استخباريًا ولوجستيًا لإسرائيل، وكان الطيران الأمريكي يمدّ إسرائيل بالمعلومات في حرب الأيام الستة، فهُزم العرب هزيمة قاسية واحتُلت القدس والضفة والجولان وسيناء.

حرب 1973م:

رغم أن العرب حققوا تقدمًا في البداية، إلا أن أمريكا تدخلت بجسر جوي ضخم لإمداد إسرائيل بالأسلحة والذخائر، مما قلب موازين المعركة.

الغزو الأمريكي للعراق (2003م):

بذريعة أسلحة الدمار الشامل، أسقطت أمريكا دولة عربية عريقة، وقتلت مئات الآلاف، وزرعت الفتنة والطائفية، وكان ذلك غدرًا بالأمة كلها.

رابعًا: دروس وعِبر

الغدر طبيعة أعداء الإسلام:

ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في البوسنة، وما يجري في فلسطين والعراق، حلقات في سلسلة واحدة، تؤكد أن الثقة العمياء بالأعداء انتحار سياسي وأمني.

وجوب القوة واليقظة

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]، وقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]. فالقوة الرادعة وحدها هي التي تحمي الأمة من الغدر.

التوكل على الله وعدم الركون للأعداء:

المسلمون مأمورون بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].

ختامًا

إنّ تاريخ الغدر والخيانة الذي مارسه اليهود والنصارى وحلفاؤهم ضد المسلمين ليس قصصًا للتاريخ فقط، بل هو تنبيه دائم للأمة ألا تنخدع بالعهود الزائفة والشعارات البراقة، ولعل أعظم ما نستخلصه أنّ اليقظة والحذر والثبات على الإيمان وبناء القوة هي السبيل لحماية الأمة من كيد أعدائها، وإلا فإن التاريخ سيعيد نفسه.

***

----------

(1) في ظلال القرآن (1/ 108).

(2) تفسير ابن كثير (1/ 375).

(3) تفسير المنار (1/ 340).

(4) تفسير ابن كثير (1/ 264).

(5) في ظلال القرآن (1/ 102).

(6) مجلة لواء الإسلام السنة الثالثة (العدد: 5) (ص: 6).

(7) مفاتيح الغيب (8/ 308).

(8) في ظلال القرآن (1/ 227).

(9) تفسير ابن كثير (2/ 108).

(10) في ظلال القرآن (1/ 355).

(11) أخرجه البخاري (2459).

(12) أخرجه البخاري (34).

(13) أخرجه الترمذي (3534).

(14) فيض القدير (1/ 223).

(15) أخرجه البخاري (2270).

(16) أخرجه مسلم (1731).

(17) أخرجه البخاري (3650).

(18) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3878).

(19) أخرجه مسلم (1735).

(20) تفسير ابن كثير (4/ 78).

(21) قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين (ص: ٦٣).