الثبات في عالم المتغيرات

نعيش في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتبدل فيه المفاهيم، وتتغير فيه القيم والاتجاهات بصورة لم يعرفها جيل من الأجيال من قبل؛ فما كان بالأمس مُسلَّمًا به أصبح اليوم محلَّ نقاش، وما كان يُستقبح صار عند بعض الناس مقبولًا ومألوفًا، وفي خضم هذا السيل الجارف من المتغيرات الفكرية والثقافية والاجتماعية، يقف المؤمن أمام تحدٍّ عظيم: كيف يحافظ على هويته، ويصون عقيدته، ويتمسك بمبادئه دون أن تقتلعه رياح الفتن أو تذوبه أمواج التقليد والانبهار؟
إن الثبات في عالم المتغيرات ليس موقفًا سلبيًا من التطور، ولا انغلاقًا عن الواقع؛ بل هو رسوخ على الحق مع وعيٍ بالمتغيرات، وتمسك بالأصول مع حسن التعامل مع المستجدات، وهو من أعظم المنن التي يمنّ الله بها على عباده؛ إذ لا قيمة للمعرفة بلا ثبات، ولا للعبادة بلا استقامة، ولا للإيمان إن لم يصمد أمام المحن والفتن.
ولذلك كان الثبات عنوان الصادقين، وسمة المصلحين، وطريق النجاة في زمن كثرت فيه أسباب التلون والتقلب والانحراف، قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} [الإسراء: 74، 75]
دخل أبو مسعود على حذيفة، فقال: اعهد إليّ، فقال له: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى، وعزة ربي، قال: فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون، فإن دين الله واحد (1).
أولًا: الثبات نعمة عظيمة ومنحة ربانية:
الثبات على الحق من أجلِّ نعم الله تعالى على عباده؛ بل هو نعمة تفوق كثيرًا من نعم الدنيا وزخارفها؛ إذ قد يُعطى الإنسان مالًا أو جاهًا أو صحةً، ثم لا ينتفع بشيء من ذلك إذا فقد الثبات على دينه ومبادئه، ولذلك كان أعظم ما يخشاه المؤمن على نفسه ليس الفقر أو المرض أو فقدان الدنيا، وإنما أن يتغير قلبه بعد الهداية، أو يزيغ بعد الاستقامة، أو ينحرف بعد أن عرف طريق الحق.
والثبات ليس ثمرة الذكاء، ولا نتيجة قوة الإرادة وحدها، وإنما هو توفيق رباني وعطاء إلهي يسكبه الله في قلوب عباده المؤمنين، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]، فنسب الثبات إليه سبحانه؛ لأنه هو الذي يحفظ القلوب من الزيغ، ويعين النفوس على الاستقامة، ويمنح المؤمن القوة عند الفتن والمحن.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل الناس إيمانًا وأقواهم يقينًا، يكثر من الدعاء: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (2)، أي: مصرفها تارة إلى الطاعة، وتارة إلى المعصية، وتارة إلى الحضرة، وتارة إلى الغفلة، «ثبت قلبي على دينك»، أي: اجعله ثابتًا على دينك غير مائل عن الدين القويم، والصراط المستقيم، والخلق العظيم (3).
ليعلِّم أمته أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأن العبد مهما بلغ من الصلاح والعلم لا يستغني طرفة عين عن عون الله وتثبيته.
فإذا رأيت عبدًا ثابتًا على طاعة الله رغم كثرة المغريات، مستقيمًا على الحق رغم شدة الضغوط، متمسكًا بدينه رغم انتشار الفتن، فاعلم أن وراء ذلك فضلًا من الله ورحمةً عظيمة، تستوجب الشكر والحمد والدعاء بالمزيد من الثبات حتى الممات، فالسعيد حقًّا ليس من بدأ الطريق فحسب؛ وإنما من ثبت عليه حتى لقي الله عز وجل.
فالثبات ليس مجرد قوة شخصية أو صلابة نفسية؛ بل هو توفيق من الله تعالى لعبده، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
ومعنى تثبيت الذين آمنوا بها أن الله يسر لهم فيهم الأقوال الإلهية على وجهها وإدراك دلائلها حتى اطمأنت إليها قلوبهم ولم يخامرهم فيها شك فأصبحوا ثابتين في إيمانهم غير مزعزعين وعاملين بها غير مترددين.
وذلك في الحياة الدنيا ظاهر، وأما في الآخرة فبإلفائهم الأحوال على نحو مما علموه في الدنيا، فلم تعترهم ندامة ولا لهف، ويكون ذلك بمظاهر كثيرة يظهر فيها ثباتهم بالحق قولًا وانسياقًا، وتظهر فيها فتنة غير المؤمنين في الأحوال كلها (4).
ومن هنا ينبغي للمؤمن أن يدرك أن حاجته إلى الثبات أعظم من حاجته إلى كثير من أمور الدنيا، لأن السعادة الحقيقية ليست في كثرة النعم، وإنما في الثبات على الحق حتى الممات.
ثانيًا: صور المتغيرات التي تواجه المسلم:
لم تعد التحديات تأتي من بيئة محدودة أو مجتمع ضيق؛ بل أصبحت تتدفق عبر الشاشات والمنصات ووسائل الاتصال الحديثة، حتى غدا الإنسان يتعرض في يوم واحد لكمٍّ هائل من الرسائل والأفكار والتوجهات، وهذه المتغيرات ليست كلها مذمومة، فبعضها يحمل خيرًا ونفعًا وتقدمًا، لكن الخطر يكمن في تلك المتغيرات التي تسعى إلى زعزعة الثوابت، أو تمييع الهوية، أو صرف المسلم عن منهج ربه.
ومن هنا كان من المهم أن يتعرف المسلم على أبرز صور المتغيرات التي تحيط به؛ ليكون أكثر وعيًا بها، وأقدر على التعامل معها دون أن يفقد ثباته أو يفرط في دينه ومبادئه.
1- المتغيرات الفكرية:
ومن أخطر المتغيرات التي تواجه المسلم اليوم المتغيرات الفكرية؛ لأنها تستهدف العقل الذي يوجِّه السلوك، والقناعات التي تُبنى عليها المواقف والقرارات، فقد أصبح العالم فضاءً مفتوحًا تتدفق فيه الأفكار بلا حدود ولا حواجز، يحمل بعضها نور الهداية والمعرفة، ويحمل كثير منها بذور الشك والاضطراب والانحراف، وأصبحت الشبهات تُقدَّم في ثيابٍ براقة، وتُزيَّن بألفاظ الحرية والتنوير والتجديد، حتى يُصوَّر الثابت متخلفًا، والمتمسك بدينه متشددًا، والمتساهل في أصوله منفتحًا ومتحضرًا.
ومع كثرة المنصات الإعلامية وشبكات التواصل، لم تعد الحرب على العقيدة والقيم تُخاض بالسلاح، وإنما تُخاض بالكلمة والصورة والفكرة، في محاولة لإعادة تشكيل العقول وتغيير المسلَّمات.
ومن هنا كانت الحاجة إلى الوعي والبصيرة والعلم الشرعي الراسخ؛ لأن القلب الخالي من العلم قد تهزه شبهة عابرة، أما القلب العامر باليقين فيبقى ثابتًا كالجبل الراسخ، لا تزعزعه العواصف ولا تقتلعه رياح الأفكار الوافدة مهما اشتدت وقويت.
ولقد قصَّ القرآن علينا أخبار أقوام لم يكن ضلالهم بسبب الجهل وحده؛ بل بسبب الشبهات التي استقرت في العقول حتى أفسدت الفطرة وغيَّبت الحقائق.
وهذا يدل على أن معركة الفكر ليست طارئة على الأمة، وإنما هي سنة ماضية، غير أن أدواتها اليوم أصبحت أسرع انتشارًا وأشد تأثيرًا، مما يجعل التمسك بالوحي والعلم والبصيرة ضرورة لا غنى عنها لكل من أراد الثبات في زمن كثرت فيه الشبهات وتعددت فيه مصادر التأثير.
نماذج قرآنية:
1- التشكيك في الوحي والرسالة: قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4]، فقد حاول المشركون الطعن في مصدر الوحي والتشكيك في صدق الرسالة، وهي صورة من صور الحرب الفكرية التي تهدف إلى إسقاط الثقة بالدين وأهله.
وهذه غاية حجة الضعيف، فإنه إذا لم يجد جوابًا مقنعًا، بادر إلى الإنكار الذي لا دليل عليه، والتكذيب الذي لا مستند له، فلو صح ما قالوا فلِمَ لم يأتوا بمثله، واستعانوا كما استعان محمد صلّى الله عليه وسلم بغيره على وفق زعمهم، فإعجاز القرآن دليل كاف وحده للرد عليهم وإبطال مفترياتهم، وهم أهل الفصاحة والبيان (5).
2- إثارة الشبهات حول البعث والآخرة: قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]، وهذه شبهة عقلية أراد أصحابها من خلالها إنكار قدرة الله على البعث، فجاء القرآن بالرد العلمي والعقلي القاطع.
أي قل يا محمد تخريسًا وتبكيتًا لهذا الكافر وأمثاله: يخلقها ويحييها الذي أوجدها من العدم، وأبدع خلقها أول مرة من غير شيء، فالذي قدر على البداءة، قادر على الإعادة.
وقال أبو حيان: ذكر تعالى لهم ما هو أغرب من خلق الإِنسان من النطفة، وهو إبراز الشيء من ضده، وذلك أبدع شيء وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر، ألا ترى الماء يطفئ النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء (6).
3- محاولة أهل الباطل زعزعة يقين المؤمنين: قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]، فهي محاولة لتغيير القناعات وإفساد العقائد بعد استقرارها في القلوب.
وقلما يمنع الناس من اتباع الحق بعد ظهوره لهم مثل الحسد والكبر، فالحسود يؤثر هلاك نفسه على انقيادها لمن يحسده؛ لأن الحسد يفسد الطباع (7).
2- المتغيرات الأخلاقية:
ومن أشد المتغيرات خطرًا على المجتمعات والأفراد المتغيراتُ الأخلاقية؛ لأنها لا تستهدف فكرةً في العقل فحسب؛ بل تستهدف الضمير في القلب والسلوك في الواقع، وإذا كانت الأمم تُحفظ بقوة عقائدها، فإنها تبقى وتزدهر بسلامة أخلاقها، فإذا تزعزعت القيم، واختلت الموازين، وانقلب المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، كانت تلك علامة على بداية التصدع والانهيار.
وفي زماننا تُشنُّ على الأخلاق حربٌ ناعمة لا تُرفع فيها الرايات ولا تُسمع فيها قعقعة السلاح، وإنما تُخاض عبر الشاشات والمنصات والبرامج والأعمال الفنية التي تُزيِّن الرذيلة، وتُهوِّن من شأن المعصية، وتُقدِّم الانحراف الأخلاقي في صورة الحرية الشخصية أو التحضر الإنساني، فأصبح الحياء عند بعض الناس ضعفًا، والعفة تخلُّفًا، والالتزام بالقيم تشددًا، بينما يُصفَّق للانفلات ويُحتفى بالمجاهرة بالمعاصي، وهنا تظهر عظمة الإسلام حين جعل الأخلاق سياج الإيمان وثمرة العقيدة، وربط صلاح الفرد والمجتمع بحفظ الفضائل ومكارم الأخلاق.
أسر المشركون خبيب بن عدي الأنصاري، وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكة، فأما خبيب فابتاعه بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ليقتلوه بأبيهم، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا على قتله فاستعار من بنات الحارث موسى ليستحد بها فأعارته فدرج بني لها وهي غافلة فما راع المرأة إلا خبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى بيده، فصاحت المرأة فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفًا من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، إن كان إلا رزقًا رزقه الله خبيبًا (8).
إن مظاهر الانحلال الأخلاقي والفساد الاجتماعي التي نشاهدها اليوم داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية هي من صنع التغريب والتطبيع الذي هدم الفضائل، حيث انفصلت عن مصدرها المستمد من الدين، وقلب الأخلاق إلى نفعية تطاع بقدر ما تحققه من مصلحة ومنفعة دون النظر لما تحققه من قيم ومبادئ إسلامية.
وإن المؤمن الثابت هو الذي يحافظ على نقاء فطرته وطهارة خلقه مهما تغيرت من حوله المفاهيم، فلا يستمد معاييره من أهواء الناس وتقلبات الواقع؛ بل من هدي الله الذي لا يتغير، لأن الحق لا يُعرف بكثرة السالكين، ولا الباطل بقلة أتباعه، وإنما تُعرف الأمور بميزان الشرع الذي جعله الله نورًا وهداية للعالمين.
3- المتغيرات الاجتماعية:
فقد شهدت المجتمعات تحولات متسارعة مست جوانب الأسرة والتربية والعلاقات الإنسانية، حتى أصبحت بعض القيم التي كانت تُعدُّ من ركائز المجتمع مهددة بالضعف أو التراجع، فضعفت صلة الأرحام عند بعض الناس، وتقلصت الروابط الأسرية، وازدادت النزعة الفردية، وأصبح كثير من الناس يعيشون متقاربين في الأجساد متباعدين في القلوب والمشاعر، كما أسهم الانفتاح العالمي الهائل في انتقال العادات والثقافات دون تمييز بين ما يوافق قيم الإسلام وما يخالفها، فظهرت أنماط سلوكية ومفاهيم اجتماعية دخيلة تسعى إلى إعادة تعريف الأسرة، وتغيير الأدوار الفطرية، وإضعاف روح المسؤولية والتكافل.
وفي خضم هذه التحولات يبقى المسلم مطالبًا بالتمسك بالقيم الاجتماعية التي جاء بها الإسلام؛ من بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والتراحم بين الناس، والتعاون على البر والتقوى.
فالمجتمع الذي تُبنى علاقاته على الإيمان والأخلاق والرحمة يظل قويًّا متماسكًا مهما تغيرت الظروف، أما إذا فقد هذه الأسس فإنه يصبح عرضة للتفكك والاضطراب مهما بلغ من التقدم المادي والحضاري، ولذلك فإن الثبات على القيم الاجتماعية الإسلامية في زمن التحولات المتسارعة ليس مجرد محافظة على الموروث؛ بل هو حفاظ على هوية الأمة واستقرارها وقوتها.
4- المتغيرات التقنية:
فقد أحدثت التكنولوجيا ثورةً هائلة غيَّرت أساليب الحياة والتواصل والتعلم والعمل، حتى أصبح العالم بأسره حاضرًا بين يدي الإنسان بضغطة زر، وهذه النعمة العظيمة فتحت آفاقًا واسعة للمعرفة والدعوة والتطوير والبناء، لكنها في الوقت نفسه فتحت أبوابًا من الفتن لم تكن متاحة للأجيال السابقة بهذا الاتساع والسرعة، فأصبح المسلم يتعرض في لحظات لفيضٍ من الأفكار والصور والمقاطع والمعلومات التي تؤثر في عقيدته وأخلاقه وسلوكه، وقد يجد نفسه أمام أبواب الشهوات والشبهات وهو جالس في بيته وبين أهله.
كما أسهمت التقنية في صناعة واقع افتراضي قد يطغى على الواقع الحقيقي، فتضعف العلاقات الإنسانية المباشرة، ويزداد الانشغال بالمظاهر والصور، ويضيع كثير من الأوقات فيما لا ينفع، ومن هنا فإن التحدي لا يكمن في التقنية ذاتها، فهي أداة محايدة، وإنما في كيفية استخدامها وتوجيهها.
فالمؤمن الثابت هو الذي يجعل التقنية وسيلةً لطاعة الله ونفع الناس، لا أن تتحول إلى وسيلة تسيطر على فكره ووقته وقلبه، وإن من أعظم صور الثبات في هذا العصر أن يمتلك المسلم زمام هذه الوسائل، فيستخدمها بعقلٍ واعٍ وقلبٍ مراقب لله، فيأخذ من خيرها، ويحذر من شرها، ويبقى متمسكًا بقيمه ومبادئه وسط عالم رقمي سريع التغير والتأثير.
ثالثًا: أسباب الثبات في زمن الفتن:
يبرز السؤال الأهم: كيف يثبت المؤمن أمام هذه العواصف المتلاحقة؟ وكيف يحافظ على إيمانه وهويته وقيمه في زمن كثرت فيه الفتن وتنوعت فيه وسائل التأثير والإغواء؟ إن الثبات لا يأتي صدفة، ولا يُنال بالأماني؛ بل له أسباب ووسائل إذا أخذ بها العبد أعانه الله وثبته وحفظه من الانحراف والزلل.
وقد دلَّ القرآن الكريم والسنة النبوية على جملة من الأسباب العظيمة التي تغرس اليقين في القلوب، وتقوي الصلة بالله، وتجعل المؤمن أكثر قدرة على مواجهة الفتن مهما اشتدت، فكلما تمسك العبد بهذه الأسباب كان أثبت قدمًا، وأقوى عزيمة، وأقرب إلى النجاة في زمن تتقاذف فيه القلوب أمواج الشبهات والشهوات، ومن رحمة الله بعباده أنه لم يتركهم في مواجهة الفتن وحدهم؛ بل أرشدهم إلى أبواب الثبات، ووضع لهم منارات هادية تعينهم على الاستقامة حتى يلقوه سبحانه وهم ثابتون على الحق.
1- تعظيم الصلة بالله:
يُعدُّ تعظيم الصلة بالله تعالى أعظم أسباب الثبات في زمن الفتن، وأقوى الحصون التي يحتمي بها المؤمن أمام المتغيرات والعواصف التي تعصف بالقلوب والعقول، فالقلب إذا امتلأ بمعرفة الله ومحبته وتعظيمه والتوكل عليه، أصبح أكثر قوةً وثباتًا، وأقل تأثرًا بالمغريات والشبهات، ولذلك كان أهل الإيمان كلما اشتدت عليهم المحن ازدادوا قربًا من ربهم، لأنهم يعلمون أن النجاة لا تكون إلا بمعونته وتوفيقه.
وقد ربط القرآن الكريم بين الاعتصام بالله والثبات على الطريق المستقيم، فقال سبحانه: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، فالاعتصام بالله ليس مجرد كلمة تُقال؛ بل هو تعلق القلب بالله في كل الأحوال، واستمداد القوة منه، واللجوء إليه عند الفتن والشدائد.
ومن أعظم ما يقوي هذه الصلة المحافظة على الصلاة؛ فهي الصلة اليومية بين العبد وربه، وهي الزاد الذي يجدد الإيمان ويغرس الطمأنينة في القلب، وكذلك كثرة ذكر الله، فإن القلوب تضعف بالغفلة وتقوى بالذكر، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، كما أن الدعاء من أعظم أبواب الثبات، إذ يعترف العبد بفقره إلى ربه وحاجته إلى تثبيته، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (9).
وإذا تأملنا سير الأنبياء والصالحين وجدنا أن سر ثباتهم لم يكن في قوة أجسادهم ولا في كثرة أنصارهم، وإنما في قوة صلتهم بالله، فحين تضيق الأسباب الأرضية، يبقى باب السماء مفتوحًا، وحين تتزعزع القلوب من حول المؤمن، يظل قلبه ثابتًا ما دام متعلقًا بربه.
2- التمسك بالقرآن:
ومن أعظم أسباب الثبات في زمن الفتن التمسك بكتاب الله تعالى، فهو النور الذي يبدد ظلمات الشبهات، والهدى الذي يحفظ العقول من الانحراف، والشفاء الذي يداوي أمراض القلوب. وإذا كانت الفتن تزلزل النفوس وتربك الموازين، فإن القرآن يعيد للمؤمن يقينه وبصيرته، ويمنحه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال.
ولذلك بيَّن الله تعالى أن القرآن من أعظم وسائل التثبيت، فقال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32].
ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، وينشئ مجتمعًا، ويقيم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع، والنفس البشرية لا تتحول تحولًا كاملًا شاملًا بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد، إنما تتأثر يومًا بعد يوم بطرف من هذا المنهج وتتدرج في مراقيه رويدًا رويدًا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئًا فشيئًا، فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخمًا ثقيلًا عسيرًا، وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح في اليوم التالي أكثر استعدادًا للانتفاع بالوجبة التالية، وأشد قابلية لها والتذاذًا بها.
ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل شامل للحياة كلها، وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها، فجاء لذلك منجمًا وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها، ووفق استعدادها الذي ينمو يومًا بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق، جاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد اللذة أو لمجرد المعرفة.
من أجل هذا كله نزل القرآن مفصلًا، يبين أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ويثبته على طريقه ويتتابع على مراحل الطريق رتلًا بعد رتل، وجزء بعد جزء: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} (10).
وإذا كان القرآن قد ثبَّت قلب خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فهو أحوج ما يكون إلى قلوبنا في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن وتعددت فيه مصادر التأثير.
إن التمسك بالقرآن لا يقتصر على تلاوة ألفاظه؛ بل يشمل تدبر معانيه، والعمل بأحكامه، والاحتكام إلى توجيهاته، واستحضار هداياته في واقع الحياة، ففيه قصص الثابتين من الأنبياء والمؤمنين، وفيه مشاهد الصراع بين الحق والباطل، وفيه الوعد والوعيد، والبشارة والنذارة، وكل ذلك يغرس اليقين في القلب ويقويه على مواجهة التحديات.
وما أحوج المسلم اليوم إلى أن يجعل القرآن رفيق حياته ومصدر توجيهه، فلا يستمد مواقفه من ضجيج الإعلام، ولا معاييره من تقلبات الناس؛ بل من كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فمن عاش مع القرآن علمًا وعملًا وتدبرًا، عاش ثابتًا مطمئنًا مهما اضطربت الأحوال من حوله؛ لأن قلبه متعلق بالوحي الذي لا يتغير في عالمٍ يموج بالمتغيرات.
ومن تأمل القرآن وجد فيه قصص الأنبياء والصالحين الذين ثبتوا أمام أعظم الابتلاءات.
3- طلب العلم الشرعي:
ومن أعظم أسباب الثبات في زمن الفتن طلبُ العلم الشرعي؛ فهو النور الذي يكشف ظلمات الشبهات، والسلاح الذي يحمي المؤمن من الانحراف والاضطراب، فالفتن لا تدخل القلوب غالبًا إلا من باب الجهل، وكلما قلَّ العلم اتسعت مساحة التأثر بالأفكار المنحرفة والدعاوى الباطلة؛ ولهذا كان العلم أساسًا في بناء اليقين، وحصنًا منيعًا أمام موجات التشكيك والتضليل التي تتجدد في كل عصر.
وقد أمر الله تعالى بالرجوع إلى أهل العلم عند نزول المشتبهات، فقال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، كما رفع مكانة العلماء وجعلهم من أكثر الناس خشيةً له، فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فالعلم ليس مجرد معلومات تُحفظ، وإنما بصيرة تهدي صاحبها إلى الحق، وتمكنه من التمييز بين الهدى والضلال.
وفي زمن كثرت فيه المنابر، وتعددت فيه المصادر، وأصبح كل أحد قادرًا على نشر رأيه وفكره، تزداد الحاجة إلى العلم الشرعي الراسخ الذي يُبنى على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم سلف الأمة، فكم من شبهة أفسدت قلوبًا بسبب الجهل، وكم من فتنة عصم الله منها عبادًا بفضل علمٍ صحيح وبصيرة نافذة.
والمؤمن حين يتسلح بالعلم الشرعي لا يكون مجرد متلقٍّ للأفكار؛ بل يصبح قادرًا على وزنها بميزان الشرع، فلا تغره الشعارات البراقة، ولا تخدعه الدعوات المزخرفة، لأنه ينظر بنور الوحي لا بأهواء البشر، ومن هنا كان طلب العلم من أعظم وسائل الثبات؛ إذ يحفظ العقيدة من الشبهات، ويحفظ السلوك من الانحراف، ويجعل صاحبه ثابت القدم في طريق الحق مهما اشتدت الفتن وتنوعت صورها.
4- صحبة الصالحين:
الإنسان بطبعه يتأثر بمن حوله، ويكتسب من أخلاقهم وأفكارهم وسلوكهم، ولذلك كانت الرفقة الصالحة من أقوى العوامل التي تعين على الثبات على الحق والاستقامة على الطاعة، فكم من إنسانٍ ضعفت همته فقوَّتها صحبة الأخيار، وكم من قلبٍ أوشك أن تزل قدمه فثبَّته الله بإخوانٍ صالحين ذكَّروه بالله وأعانوه على طاعته.
وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]، وفي هذا توجيه رباني إلى ملازمة أهل الصلاح والإيمان، لأن صحبتهم تورث الثبات، وتغرس اليقين، وتقوي العزيمة على الخير.
كما بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أثر الصحبة في صلاح الإنسان أو فساده، فقال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (11)، وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير» (12)، فالصحبة الصالحة ترفع صاحبها إلى معالي الأمور، وتعينه على مقاومة الفتن، بينما قد تكون الصحبة السيئة سببًا في الانحراف والانتكاس.
وفي زمن كثرت فيه المؤثرات وتنوعت وسائل التأثير، تزداد الحاجة إلى بيئة إيمانية صالحة يجد فيها المسلم التذكير إذا غفل، والنصيحة إذا أخطأ، والدعم إذا ضعف، والثبات إذا اضطرب، فالصالحون ليسوا مجرد رفقة للأنس والمؤانسة؛ بل هم عون على الطاعة، وسند في مواجهة الفتن، وسبب من أسباب الثبات على طريق الله.
وما أجمل أن يحيط المؤمن نفسه بأصحاب القلوب الحية والهمم العالية، الذين إذا رآهم ذكر الله، وإذا سمع كلامهم ازداد إيمانًا، وإذا سار معهم أعانوه على الاستقامة؛ فإن الطريق إلى الله طويل، والمرء وحده قد يضعف أو يتعثر، أما مع رفقة صالحة صادقة فإن الثبات يكون أقرب، والسلامة من الفتن أعظم، وحسن الخاتمة أرجى بإذن الله تعالى.
5- معرفة سنن الابتلاء:
ومن الأسباب العظيمة التي تعين على الثبات في زمن الفتن معرفةُ سنن الله في الابتلاء، وإدراك أن طريق الإيمان لم يكن يومًا طريقًا خاليًا من التحديات والمحن، فالكثير من الناس يضعف أو يضطرب عندما يفاجأ بالشدائد، لأنه ظن أن الاستقامة على الدين تعني السلامة من الابتلاء، فإذا نزلت به فتنة أو محنة تزلزل قلبه واضطرب يقينه، أما المؤمن البصير فيعلم أن الابتلاء سنة ربانية ماضية لا ينجو منها أحد من أهل الإيمان.
قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]، وقال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155]، فهذه الآيات تقرر حقيقة ثابتة، وهي أن الابتلاء جزء من رحلة الإيمان، ووسيلة لتمييز الصادق من المدعي، والثابت من المتلون.
ولو تأملنا سير الأنبياء عليهم السلام لوجدنا أنهم كانوا أشد الناس ابتلاءً مع أنهم أكمل الناس إيمانًا، فقد أوذي نوح، وأُلقي إبراهيم في النار، وحوصر موسى وقومه، وابتلي عيسى عليه السلام بقومه، ولقي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأذى والتكذيب والحصار ما لقي، ومع ذلك ثبتوا وصبروا حتى نصرهم الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» (13).
إن معرفة هذه السنة الربانية تمنح المؤمن قوةً نفسية وثباتًا قلبيًا؛ لأنه يدرك أن ما يمر به ليس أمرًا خارجًا عن حكمة الله وتدبيره، وإنما هو مرحلة من مراحل التمحيص والتربية والإعداد، وعندما يعلم أن الفتن والشدائد ليست علامة على غضب الله بالضرورة، بل قد تكون دليلًا على إرادة الخير لعبده ورفع درجاته، فإنه يستقبل البلاء بقلب مطمئن ونفس راضية.
فمن فقه سنن الابتلاء هانت عليه المصائب، وصغر في عينه حجم الفتن، وثبت على الطريق مهما اشتدت العواصف؛ لأنه يعلم أن وراء كل محنة منحة، ومع كل عسر يسرًا، وأن العاقبة للمتقين، وأن النصر والفرج والتمكين لا تُنال إلا بعد الصبر والثبات. ولذلك كان فهم سنن الله في الابتلاء من أهم ما يحتاجه المسلم ليبقى راسخًا في عالمٍ تتكاثر فيه الفتن وتتجدد فيه التحديات.
خامسًا: نماذج مضيئة في الثبات:
- ثبات الأنبياء أمام أقوامهم رغم الأذى والتكذيب: ومن أعظم صور الثبات في تاريخ البشرية ثبات الأنبياء عليهم السلام أمام أقوامهم، فقد واجهوا من صنوف الأذى والتكذيب والاستهزاء ما لو نزل ببعض الناس لزلزل إيمانهم وأوهن عزائمهم، ومع ذلك ظلوا راسخين على الحق لا تزعزعهم المحن ولا تصرفهم الضغوط عن رسالتهم.
لقد دعا نوح قومه قرابة ألف سنة إلا خمسين عامًا، يلاقي الإعراض والسخرية والتكذيب، فما وهن وما استكان.
وأُلقي إبراهيم في النار لأنه تمسك بالتوحيد ورفض عبادة الأصنام، فكان يقينه بالله أعظم من لهيب النار.
ووقف موسى في مواجهة فرعون الجبار ثابتًا مطمئنًا وهو يقول: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62].
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد تحمل الإيذاء والحصار والتشريد وفقد الأحبة، وعُرضت عليه الدنيا ليترك دعوته فأبى، وظل ثابتًا حتى أتم الله به النعمة وأظهر به الدين.
إن هذه المواقف العظيمة لم تكن مجرد أحداث تاريخية، بل هي دروس خالدة تعلم المؤمن أن طريق الحق قد تحفه المتاعب، وأن الثبات لا يظهر في أوقات الراحة، وإنما يتجلى عند اشتداد البلاء وعظم التحديات، وكلما تأمل المسلم في سير الأنبياء ازداد يقينًا بأن النصر ثمرة الصبر، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن من ثبت لله ثبته الله، وجعل له من بعد العسر يسرًا ومن بعد الضيق فرجًا ومخرجًا.
- ثبات الصحابة رضي الله عنهم أمام التعذيب والإغراء: وإذا كان الأنبياء عليهم السلام قد ضربوا أروع الأمثلة في الثبات، فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ساروا على دربهم، فقدموا نماذج خالدة في الصبر والصمود أمام التعذيب والإغراء، فقد آمنوا بالحق في بيئةٍ كانت تحارب الإيمان، وتمسكوا بدينهم في وقتٍ كان ثمن الاستقامة فيه الألم والحرمان والمطاردة، ومع ذلك لم تُضعفهم الشدائد، ولم تُغْرِهم المكاسب الدنيوية، بل باعوا أنفسهم لله فربحوا أعظم ربح.
فهذا بلال بن رباح يُسحب في رمضاء مكة المحرقة، وتوضع الصخور العظيمة على صدره ليترك دينه، فلا يزيد على أن يردد بكلمات تفيض يقينًا وثباتًا: "أحدٌ أحد".
وهذه سمية بنت خياط تُعذَّب هي وزوجها وولدها لأنها آمنت بالله، فتثبت حتى تلقى ربها شهيدة، لتكون أول شهيدة في الإسلام.
وهذا خباب بن الأرت يُلقى على الجمر الملتهب حتى يطفئ شحم ظهره النار، وما رجع عن دينه ولا وهن عزمه.
ولم تكن الفتنة دائمًا بالتعذيب والأذى، بل كانت كذلك بالإغراءات والمساومات، فقد عرضت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم المال والملك والجاه ليترك دعوته، وعرضت على أصحابه الأمن والمكانة إن هم تخلوا عن إيمانهم، لكنهم أدركوا أن ما عند الله أعظم وأبقى، فثبتوا على الحق ولم يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل.
إن ثبات الصحابة رضي الله عنهم يعلِّمنا أن قوة الإيمان أعظم من قوة التعذيب، وأن يقين القلب أقوى من كل الإغراءات، وأن من عرف قيمة الحق هان عليه ما يبذله في سبيله، ولذلك استحقوا أن يكونوا الجيل الذي حمل رسالة الإسلام إلى العالم، وأن يخلد ذكرهم في صفحات التاريخ نماذج مضيئة للثبات في وجه المحن والفتن، إنها نماذج تعلمنا أن الثبات ليس كلمات تقال، وإنما مواقف تُعاش وتضحيات تُبذل.
سادسًا: ثمار الثبات:
في الدنيا:
- الطمأنينة والسكينة: فكم من إنسان يملك المال والجاه والسلطان، لكنه يعيش قلقًا مضطربًا لا يعرف راحة القلب ولا سكينة النفس، وكم من مؤمن ثابت على الحق قد ضاقت عليه الدنيا في بعض أحواله، ومع ذلك يملأ السكون قلبه والرضا نفسه؛ لأنه متصل بالله، واثق بوعده، مطمئن إلى حكمته وتدبيره.
إن الثبات يحرر الإنسان من الحيرة والتردد والاضطراب؛ لأنه يسير على منهج واضح وطريق مستقيم، فلا تشتته الأهواء، ولا تتقاذفه الأفكار المتناقضة، ولا تجرفه أمواج الفتن المتلاحقة، فإذا اضطرب الناس ثبت، وإذا خافوا اطمأن، وإذا تحيروا اهتدى بنور الله.
- وضوح الطريق والمنهج: ومن أجلِّ ثمار الثبات على دين الله وضوحُ الطريق والمنهج؛ فالمؤمن الثابت لا يعيش حائرًا بين الأفكار المتناقضة، ولا مترددًا بين المناهج المتباينة؛ بل يسير على بصيرة من أمره، مستضيئًا بنور الوحي، مستمسكًا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا اختلطت المفاهيم عند الناس، واضطربت الموازين، وكثرت الدعوات والشعارات، بقي ثابتًا على الحق؛ لأنه يملك مرجعًا واضحًا وميزانًا دقيقًا يزن به الأقوال والمواقف والأحداث.
إن كثيرًا من الاضطراب الذي يعيشه الناس اليوم سببه فقدان المرجعية الصحيحة؛ فتراهم ينتقلون من رأي إلى رأي، ومن فكرة إلى أخرى، بحسب ما تمليه الأهواء أو تفرضه المؤثرات المحيطة، أما المؤمن الثابت فقد حسم وجهته، وعرف غايته، وأدرك أن طريقه هو الصراط المستقيم الذي رسمه الله لعباده، فلا تفتنه كثرة السالكين لغيره، ولا تزعزعه حملات التشكيك والتضليل.
- العزة والكرامة: فالمؤمن الثابت لا يستمد قيمته من منصبٍ أو مال، ولا يستجدي احترامه من الناس بالتنازل عن مبادئه أو التفريط في ثوابته، لأنه يعلم أن العزة الحقيقية منحة من الله لعباده المؤمنين، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]، فكلما ازداد العبد تمسكًا بدينه وصدقًا مع ربه، ازداد رفعةً في نفسه ومكانةً عند الله وعند عباده.
إن الثبات يمنح الإنسان شخصية قوية لا تنكسر أمام الضغوط، ولا تذوب في تيارات التقليد والانبهار، ولا تبيع مبادئها طلبًا لرضا الناس أو خوفًا من لومهم، فهو يدرك أن الكرامة ليست في مسايرة الباطل، ولا في التنازل عن الحق، وإنما في الثبات عليه مهما كانت التضحيات، ولذلك كان أهل الإيمان عبر التاريخ أعزةً بإيمانهم وإن قلَّت إمكاناتهم، بينما عاش كثير من أصحاب القوة المادية أذلاء رغم ما ملكوا من أسباب النفوذ والسلطان.
- حسن الخاتمة بإذن الله: فالعبرة في حياة الإنسان ليست بكثرة البدايات المشرقة، وإنما بثباته على الحق حتى آخر لحظة من عمره؛ إذ قد يبدأ الإنسان طريق الاستقامة ثم تزل قدمه، وقد يطول به عمر الطاعة ثم يُفتن في آخر أيامه، ولذلك كان السلف الصالح يخافون على أنفسهم من سوء الخاتمة أكثر من خوفهم من كثير من مصائب الدنيا.
إن الثبات الحقيقي هو أن يبقى القلب متعلقًا بالله، واللسان ذاكرًا له، والجوارح مستقيمة على أمره حتى يأتي الأجل، ولهذا كان من دعاء المؤمنين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من سؤال الله الثبات؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وحسن الخاتمة ليس أمرًا يُنال عند الموت فحسب، بل هو ثمرة حياةٍ طويلة من الإيمان والاستقامة والمجاهدة، فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، ولذلك فإن أهل الثبات إذا حضرتهم الوفاة أكرمهم الله بالسكينة والطمأنينة، وبشارات الرحمة والرضوان، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
وما أجمل أن يختم الله للعبد بخير، فيغادر هذه الدنيا وقلبه عامر بالإيمان، ولسانه رطب بذكر الرحمن، وصحيفته مملوءة بالطاعات، فيلقى ربه وهو عنه راضٍ. ولذلك كان حسن الخاتمة من أعظم المكاسب التي يحققها الثبات، بل هو التاج الذي يتوج حياة المؤمن كلها، والغاية التي تهون في سبيلها مشاق الطريق، لأن لحظةً واحدة يُختم فيها للعبد بالرضا والقبول خيرٌ من الدنيا وما فيها.
في الآخرة: الفوز برضا الله وجنته:
فكل ما يبذله المؤمن من صبرٍ على الطاعة، ومجاهدةٍ للنفس، وثباتٍ أمام الفتن والمتغيرات، إنما يرجو به يومًا يقف فيه بين يدي ربه فيجده راضيًا عنه، ويُبشَّر بالنعيم المقيم الذي لا يزول ولا ينفد.
إن أهل الثبات قد يلقون في الدنيا مشقةً وعناءً، وقد يتحملون من أجل دينهم ما لا يتحمله غيرهم، لكنهم يدركون أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، وأن نعيمها مهما عظم فهو زائل، وأن الجزاء الحقيقي ينتظرهم عند الله. ولذلك وصف الله أهل الاستقامة والثبات بأعظم البشارات، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
وما أعظمها من بشارة! فبعد رحلةٍ طويلة من الصبر والثبات، وبعد صراعٍ مع الشهوات والشبهات، وبعد مجاهدةٍ للنفس في عالمٍ تموج فيه الفتن، يأتي يوم التكريم والوفاء، فيسمع المؤمن نداء الرضا من ربه، ويُدعى إلى دار النعيم التي أعدها الله لعباده المتقين، هناك لا خوف ولا حزن، ولا مرض ولا تعب، ولا فراق ولا ألم، وإنما رضوانٌ من الله أكبر من كل نعيم، كما قال سبحانه: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72].
إن الثبات ليس مجرد نجاحٍ في تجاوز فتنة، ولا مجرد المحافظة على مبدأ أو خلق، بل هو طريق يوصل إلى أعظم جائزة يمكن أن ينالها الإنسان: أن يرضى عنه ربه، وأن يكون من أهل جنته، ولذلك كان المؤمن الصادق ينظر إلى ما وراء متاعب الطريق، فيرى وعد الله، ويستحضر نعيم الآخرة، فيهون عليه كل ما يلقاه في سبيل الثبات، لأنه يعلم أن لحظةً واحدة في رضوان الله وجنته أعظم من الدنيا وما فيها، وأن العاقبة للمتقين، والفوز الحقيقي يوم يقال لأهل الثبات: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق: 34].
ختامًا:
إن عالم المتغيرات سيظل يتغير، وستظل الفتن تتجدد بأشكال وصور مختلفة، لكن المؤمن الحق هو الذي يثبت قلبه على هداية الله، فلا تغره الشبهات، ولا تجرفه الشهوات، ولا تزلزله الأحداث.
فكن ثابتًا على عقيدتك، راسخًا في مبادئك، متمسكًا بكتاب ربك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، واعلم أن قيمة الإنسان ليست في مواكبته لكل متغير، وإنما في محافظته على الحق وسط المتغيرات.
نسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعلنا من أهل الاستقامة حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
