التدين السطحي

لقد جاء الإسلام ليبني الإنسان من الداخل قبل أن يضبط حركاته من الخارج، فالتدين الحق يبدأ من صفاء القلب واستقامة النية، ثم يثمر جوارحًا طائعة وأخلاقًا راقية، لذلك مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يرسخ في الناس مفهوم الدين الحق والعقيدة الصحيحة، حتى استقامت القلوب وتطهرت من لوث الجاهلية بدأت التشريعات الأخرى.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده (1).
وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف فاقتضت الحكمة الإلهية ترتيب النزول على ما ذكر.
لما وقعت حادثة الإفك في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تسرع فيها بعض الناس، وتكلموا في شأن عائشة، دون تثبُّت ولا تبيُّن، وكانت زينب بنت جحش رضي الله عنها، وهي التي كانت من بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تسامي عائشة مكانةً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قِيل لها: ما تقولين في أمر عائشة؟ قالت: أحفظ لساني ولا أقول إلا خيرًا.
وهذا تدين حقيقي، فلم تنطلق بالقول المنكر في عائشة، أو تعتبرها فرصة للنَّيل والتقليل من شأن ضَرَّتِها عائشة.
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متحزقين، ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله، دارت حماليق عينيه كأنه مجنون (2).
غير أن واقع الأمة اليوم يشهد في كثير من أوساطها نوعًا من التدين لا يتجاوز السطح، يُعنى بالمظاهر والشكليات، ويغفل عن الجوهر واللباب، حتى صار الدين عند البعض عادةً اجتماعية أو زيًّا خارجيًا، لا نورًا يهدي السلوك، ولا قوةً تبعث على الإصلاح.
إن المتأمل في التدين الشعبي يجد الطابع السطحي باديًا عليه بجلاء، ويلمس اهتمام المسلم بالجانب الشكلي أكثر من اهتمامه بالجانب المضموني، مما يعني أن الناموس الديني لم يمس بعد وجدانه، وإلا فكيف نفسر مثلًا من لا تفوته صلاة جماعية في المسجد وهو مضيع لحقوق الناس؟ لا يقبل تحكيم شرع الله، يغش في معاملاته المالية، يكذب، يسرق، يسيء معاشرة زوجته وذويه.. وغير ذلك من المزالق التي ربما لا يعدها منقصة لتدينه، أو ربما تغافل عنها لأسباب معينة، فالإسلام عند هذه الشريحة الممثلة لأغلبية المسلمين يتلخص في أمرين اثنين:
الأمر الأول: معلومات عن الله ورسله صلى الله عليه وسلم التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية، ومما لا ريب فيه أن العلم وحده لم يكن يومًا دليلًا على تدين المرء ولا مغنيًا عن عمله، بل إنما يصير دليلًا إذا ما قارنه عمل مشحون بالصدق والإخلاص، وقد قال علماء الإسلام: كل علم ليس تحته عمل فهو باطل، ولو كانت المعلومات وحدها تنفع صاحبها لما استحق إبليس هذه اللعنة الأبدية.
الأمر الثاني: الدين عنده مجرد أعمال عبارة عن صدقات يتصدق بها على الله: فحينما يقدم أحدهم على عمل من الأعمال أو طاعة من الطاعات من صلاة أو زكاة أو صيام أو حج.. يعتقد أنه يعطي الله حقه الذي أودعه إياه، وكأن الله تعالى في حاجة لهذا الحق المزعوم، وما يفتأ أن ينتهي من أداء واجبه حتى يشعر براحة تنعش كاهله الذي أضنته التكاليف الشرعية، فيسير مطمئن البال مرتاح الفؤاد، وبقي عليه سبحانه أن يعطيه حقه كما أعطاه هو حقه؛ فقد مدحه وخضع له وأثنى عليه وسجد له.. فينحرف المقصد التعبدي من هدف إرضاء الله ونيل مثوبته إلى مجرد التخلص من الواجب واستشعار استحقاق الأجر والثواب.
يقول محمد الغزالي: المعنى الأصيل للتدين أن يكون حركة قلب، ويقظة فكر، أما المراسم الجوفاء والصورة الشاحبة فلا دلالة لها على شيء، ومن عجز عن تصحيح قلبه ولبه فهو عما سواهما أعجز، ويوم يتولى عملًا ما في المجتمع فسوف يكون نموذجًا للفشل؛ لأنه لن يدفع تيارات الحياة إلى حيث يجب، بل ستدفعه هذه التيارات إلى حيث تشاء، وهنا الهزيمة الشنعاء للدين والدنيا (3).
وهنا تكمن خطورة الظاهرة التي نُسميها التدين السطحي، فهي لا تضر صاحبها وحده، بل تضر صورة الدين في المجتمع كله، وتفتح الباب للخصوم والمتربصين للطعن في الإسلام وأهله، إذ يرون التناقض بين القول والفعل، بين الصلاة والفساد، بين الحجاب والظلم، فيُفتنون بذلك عن سبيل الله.
التدين الحق هو ما جمع بين الإيمان القلبي والعمل الجوارحي، كما قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ...} [البقرة: 177]، فالله جل وعلا يبين أن حقيقة البر ليست في مجرد طقوس ظاهرية، وإنما في العقيدة الصافية والأخلاق العملية: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى... وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}.
أما التدين السطحي، فهو أن يكتفي المرء بمظاهر من الدين دون أن يترجمها إلى سلوك وأخلاق، أو أن يتخذ من الدين وسيلة للرياء الاجتماعي أو وجاهة شخصية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (4).
فالقلوب هي محل التقوى وأوعية الجواهر وكنوز المعرفة، وهو محل نظر الحق فلا عبرة بحسن الظاهر وزخرف اللسان مع خبث الجنان.
إذن، الفرق الجوهري بين التدين الصحيح والتدين السطحي أن الأول جوهره الإخلاص ومظهره العمل، أما الثاني فمظهر بلا جوهر، وقالب بلا مضمون.
مظاهر التدين السطحي:
1- التركيز على الشكل دون المضمون:
من أبرز مظاهر التدين السطحي أن ينشغل الناس بالمظاهر الشكلية ويهملوا جوهر العبادة، ترى الرجل يطيل لحيته ويلبس ثوبًا قصيرًا، أو ترى المرأة تلبس الحجاب، لكنهما قد لا يتورعان عن الغيبة والنميمة أو الظلم وأكل الحرام.
وقد جاء في الحديث الشريف: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» (5).
«رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع» قال الغزالي: قيل هو الذي يفطر على حرام، أو من يفطر على لحوم الناس بالغيبة، أو من لا يحفظ جوارحه عن الآثام، «ورب قائم» أي متهجد في الأسحار، «ليس له من قيامه إلا السهر» كالصلاة في الدار المغصوبة، وأداها بغير جماعة لغير عذر؛ فإنها تسقط القضاء ولا يترتب عليها الثواب؛ ذكره الطيبي (6).
قال الطيبي: إن الصائم إذا لم يكن محتسبًا، أو لم يكن مجتنبًا عن الفواحش من الزور والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي، فلا حاصل له إلا الجوع والعطش، وإن سقط القضاء، وكذا جميع العبادات إذا لم تكن خالصة، بل رياء وسمعة فإنها تسقط القضاء ولا يترتب عليها الثواب (7).
أي أن العبادات الظاهرة إذا خلت من التقوى والإخلاص، صارت مجرد عادة لا وزن لها عند الله.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} [المؤمنون: 60- 61].
قال ابن كثير: أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط (8).
إن قلب المؤمن يستشعر يد الله عليه، ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة.. ومن ثم يستصغر كل عباداته، ويستقل كل طاعاته، إلى جانب آلاء الله ونعمائه، كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله.. ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر بالوجل، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه، لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرًا (9).
يخلصون في الطاعات من غير إلمام بتقصير، أو تعريح في أوطان الكسل، أو جنوح إلى الاسترواح بالرّخص، ثم يخافون كأنهم ألمّوا بالفواحش، ويلاحظون أحوالهم بعين الاستصغار، والاستحقار، ويخافون بغتات التقدير، وقضايا السخط، وكما قيل:
يتجنّب الآثام ثم يخافها فكأنّما حسناته آثام (10)
التدين الموسمي:
ومن المظاهر كذلك ما نراه في التدين الموسمي، حيث يزداد إقبال بعض الناس على الطاعات في رمضان أو موسم الحج، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من غفلة ومعاصٍ.
لقد ارتبط الدين بالمظاهر أكثر من ارتباطه بأسسه التي وُجد من أجلها، وارتبط ببعض العبادات أكثر من ارتباطه بالمعاملات، هذه الأخيرة لا يتم أخذها بعين الاعتبار لدى المجتمعات الإسلامية، ذلك أنهم يركزون على العبادات أكثر من التركيز على المعاملات
ويُظهر المتدينون تدينهم بشكل عميق في رمضان، فتراهم يتسابقون على عتبات المساجد، رغبة في التقرب من الله، وطلب مغفرته، ويؤدون طقوسهم على نحو واسع، لكن الحقيقة أن هذا الأمر يوضح مدى النفاق الهائل الذي يطغى على مجتمعنا، ذلك أن واقع الحال يقول بأن هذا التدين الزائد يظل حكرًا على رمضان، أما ما قبله وما بعده، فيبدأ الأمر بالتراجع، وإذا كانت المساجد تمتلئ في رمضان، فإن الأمر لا يظل كذلك بعد هذا الشهر، حيث لا تُملأ المساجد إلا أيام الجمعة، وهنا يتضح أن نسبة التدين تزداد في رمضان، هذا إذا ربطنا التدين بالصلاة وبعض الطقوس التي يظل وجودها نادرًا، أم التدين في شموليته، فيبدو واضحُا أنه لا يتعدى هذه الأمور لدى هذه المجتمعات
وقد ذم القرآن هذا السلوك، فقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل: 92]، فشبه من يلتزم فترة ثم ينقض عهده بمن تغزل خيطًا متينًا ثم تهدمه بيدها.
3- التناقض بين العبادة والسلوك
العبادة في الإسلام ليست غاية شكلية، بل وسيلة لتزكية النفس وإصلاح السلوك؛ فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والذكر، كلها أعمال تهدف إلى بناء إنسانٍ صالح في ذاته ومجتمعه.
لكن الواقع يُظهر أن كثيرًا من الناس يؤدون العبادات بانتظام، ومع ذلك تجد في سلوكهم الغش، والكذب، والغيبة، والأنانية، وسوء الخلق، فيُطرح السؤال المؤلم: كيف يعبد الإنسان ربه ثم يعصيه في سلوكه؟
قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، أي أن الصلاة الحقيقية تمنع صاحبها من الفاحشة والمنكر، أما إذا لم تفعل، فهناك خلل في أدائها أو في نية صاحبها.
ومن هنا، فالمشكلة ليست في العبادة ذاتها، بل في انفصالها عن السلوك، أو غياب أثرها في النفس.
العبادة ليست أداءً ميكانيكيًا، بل تربية للنفس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، أي أن غاية العبادة هي التقوى، وهي سلوك قلبي وعملي {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103].
والمنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون مع المسلمين ويظهرون التدين، لكن قلوبهم خاوية من الإيمان، فذمهم الله في قوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ} [النساء: 142]، فلا أثر ولا تأثير للعبادة في قلوبهم، وبالتالي أعمالهم تخالف عباداتهم.
استغلال الدين للمصالح الشخصية:
وقد يتخذ بعض الناس الدين ستارًا لمآرب دنيوية، كالذي يظهر الورع ليكسب ثقة الناس ثم يغش أو يخون، وهذا من أخطر صور التدين السطحي لأنه يسيء إلى صورة الدين نفسه.
وقد نهى الله تعالى عن هذا في قوله: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41]، أي لا تجعلوا كلام الله وسيلة للربح أو المصلحة، فإن من يفعل ذلك قد باع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (11).
روي عن الحسن البصري أنه رأى شخصًا يلعب فوق الحبال فقال: إن هذا خير من أصحابنا لأنه يأكل الدنيا بالدنيا وأصحابنا يأكلون الدنيا بالدين (12).
فالعلم والوعظ والعبادة إذا لم تُخلص لله، صارت عبئًا على صاحبها لا زادًا له.
أسباب التدين السطحي:
لا تظهر ظاهرة التدين السطحي من فراغ، بل وراءها أسباب متشابكة، بعضها فردي يتعلق بالشخص نفسه، وبعضها اجتماعي وثقافي، وبعضها نتيجة ضغوط العصر والبيئة.
1- ضعف العلم الشرعي:
من أعظم ما ميّز الأمة الإسلامية عبر تاريخها هو ارتباطها بالعلم الشرعي، الذي جعلها تعرف ربها على بصيرة، وتفهم دينها بعمق، وتعبد الله على علم لا على تقليدٍ أعمى أو عاطفةٍ مؤقتة.
لكنّ من أخطر ما أصاب المسلمين اليوم هو ضعف العلم الشرعي، حتى صار كثير من الناس يمارسون الدين بغير فهم، ويصدرون الأحكام بغير علم، ويتكلمون في الشريعة بالهوى أو النقل المجتزأ، ونتج عن ذلك الانقسام، والسطحية، وسوء الفهم، واستغلال الدين في غير موضعه، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، فالعلم هو الفارق بين الهدى والضلال، وبين العبادة الصحيحة والانحراف.
والعلم هو النور الذي يكشف للإنسان حقيقة الدين، فإذا غاب العلم أو اقتصر على قشور، تحولت العبادة إلى شكليات بلا معنى، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فالخشية الحقيقية مرتبطة بالعلم العميق، لا بالمظاهر.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة أنه من تعبد بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه، ومن جعل دينه غرضا للخصومات، كثر تنقله (13).
إشارة إلى أن التدين بلا بصيرة قد ينقلب إلى سطحية أو بدعة أو غلو.
إن ضعف العلم الشرعي هو الجذر العميق لمعظم مشكلات الأمة الدينية والفكرية والسلوكية، فبالعلم يُعرف الله حق المعرفة، وتُقام العبادة على بصيرة، ويُفهم الدين بعيدًا عن الغلو أو الجفاء، قال الله تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].
2- غياب القدوة:
القدوة الحية هي التي تُترجم الدين إلى واقع عملي، فإذا غابت القدوات الحقيقية أو ظهرت قدوات زائفة تركز على المظاهر، انجذب الشباب إلى السطحية.
من سنن الله في تربية الإنسان أنه لا يسير إلى الكمال إلا بالتأسي والنموذج العملي. فالعقول تتأثر بالكلمات، لكن القلوب لا تتحرك إلا حين ترى الإيمان مجسدًا في سلوك إنسان حيٍّ يعيش ما يقول. لذلك بعث الله الأنبياء ليكونوا قدوة عملية، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وفي الوقت نفسه يضحك مع أهله، ويخدم أصحابه، ويقود الأمة، لم يكن تدينه شكليًا، بل كان روحًا متغلغلة في كل تفاصيل حياته.
النبي صلى الله عليه وسلم هو النموذج الكامل الذي جسّد الإسلام في حياته كلها، كان رحيمًا في بيته، عادلًا في حكمه، صادقًا في وعده، زاهدًا في دنياه.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان خُلُقُه القرآن (14).
فغياب القدوة الصالحة من أهم أزمات الأمة اليوم، وهو سبب مباشر لاضطراب المفاهيم، وضعف الالتزام، وتشتت الشباب بين صورٍ متناقضة من السلوك والتدين.
3- ضغط الإعلام والفضاء الرقمي:
لم يشهد التاريخ الإنساني زمنًا كان فيه الإعلام بهذه القوة والتأثير مثل عصرنا الرقمي هذا، لقد تحوّل الإعلام من وسيلةٍ لنقل الخبر إلى أداةٍ لتشكيل العقول وتوجيه الوجدان وصناعة الرأي العام.
وفي زمن الفضاء المفتوح والهواتف الذكية، أصبح كل إنسان يعيش داخل تيارٍ جارف من الصور والمقاطع والأخبار التي تتسلل إلى وعيه دون إذنه، وتعيد صياغة نظرته إلى الدين والحياة والذات، وفي خضم هذا السيل، يواجه المسلم– ولا سيما الشاب المسلم– ضغطًا هائلًا بين تمسكه بدينه وبين مغريات عالمٍ إعلامي لا يعرف الحياد ولا يرحم الضعفاء في الفكر أو الإيمان.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]، وكأنها آية خالدة تحذرنا من كل خطرٍ فكري أو إعلامي يُراد به إضعاف وعي الأمة
أصبح الإعلام الحديث يُضخم المظاهر ويُهمل الجوهر، فيُبرز الدين كأزياء أو شعارات أو "ترندات" سريعة، وهذا يغري بعض الشباب بأن التدين مجرد صورة تُلتقط أو مقطع يُنشر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر...» (15)، وكأن النبي يُحذر من الانبهار الأعمى بالثقافات الأخرى حتى في التدين الشكلي.
في مواقع التواصل يخلطون بين الدين والموضة، فينشأ جيل يرى التدين مجرد "ستايل" وليس التزامًا عميقًا.
4- التربية الأسرية الناقصة:
حين ينشأ الطفل على حفظ بعض العادات الدينية دون تربية قلبية وروحية، يترسخ لديه أن الدين مجرد ممارسات شكلية.
قال الغزالي في إحياء علوم الدين: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش، وهو قابل لكل ما يُنقش فيه، فإذا نُقش فيه التدين الشكلي، نشأ عليه.
حين تضعف الأسرة، أو تُصاب بالتفكك، أو تُهمل دورها التربوي، يظهر جيلٌ ممزق الهوية، هشّ الانتماء، ضعيف الإيمان، تتقاذفه تيارات الإعلام والأفكار بلا وعي ولا مقاومة.
وهذا ما نراه اليوم من آثار التربية الأسرية الناقصة، التي تُعدّ من أخطر أسباب الانحراف الفكري والأخلاقي في مجتمعاتنا المسلمة.
5- ضغوط الواقع والبحث عن هوية سريعة:
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتصارع فيه الأفكار، ويختلط فيه الحق بالباطل، يعيش الشاب المسلم اليوم في دوامة من الضغوط الواقعية: اقتصادية، نفسية، اجتماعية، وفكرية.
وسط هذا الزحام، يضيع السؤال الجوهري: من أنا؟ فتراه يبحث عن هويةٍ سريعةٍ تمنحه الشعور بالانتماء، وتُرضي حاجته للقبول في مجتمعٍ مضطربٍ، لكنه غالبًا ما يجد نفسه بعد ذلك أكثر ضياعًا.
قال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19]، فنسيان الله يؤدي إلى نسيان الذات، وهذا هو جوهر أزمة الهوية المعاصرة.
والشباب يعيشون في عالم متغير مليء بالتحديات والضغوط، فيبحثون عن هوية دينية سهلة وسريعة، فيلجؤون إلى المظاهر لأنها أسهل من عمق المجاهدة.
آثار التدين السطحي:
للتدين السطحي آثار خطيرة، لا تقتصر على الفرد، بل تمتد لتشمل المجتمع وصورة الدين عالميًا.
أولًا: على الفرد:
- الاغتراب الروحي: يعيش الإنسان شعورًا داخليًا بالفراغ، لأنه يمارس الدين بلا روح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (16).
الاغتراب الروحي هو انفصال القلب عن الإيمان بالله رغم بقاء المظاهر الدينية أو الاجتماعية، هو أن يعيش الإنسان بجسدٍ في الدنيا لكن روحه تائهة، لا تعرف إلى أين تمضي، ولا من أجل ماذا.
قد يصلي الإنسان ويصوم، لكن قلبه خاوٍ من الخشوع، يقرأ القرآن فلا يتأثر، يسمع الموعظة فلا يتحرك، لأنه فقد صلة القلب بالله، وهذا أخطر ما يُصاب به المسلم، لأن العبادة حين تفقد روحها، تتحول إلى عادةٍ بلا أثر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر» (17).
- الضعف أمام الفتن: الفتن ليست أمرًا طارئًا على حياة البشر، بل هي جزء من سنن الله في الكون، يمتحن بها عباده ليميز الخبيث من الطيب، والثابت من المتقلب، والصادق من المدّعي، قال تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)} [العنكبوت: 1– 2].
فالفتنة هي امتحان الإيمان، وميدان الصراع بين القلب والهوى، بين الثبات والانهيار.
ومع تطور الزمان، وكثرة الشهوات، وتداخل الثقافات، وتزيين الإعلام للباطل، أصبحت الفتن أكثر إغراءً وأشد تأثيرًا، مما جعل كثيرًا من النفوس تضعف أمامها، وتفقد توازنها بين ما تؤمن به وما تراه حولها.
فمن أراد النجاة فليستمسك بحبل الله، وليتذكر دائمًا أن الفتنة مهما عظمت، فالله أعظم منها، وأن القلوب التي تسكن بذكر الله لا تضعف أمام عواصف الدنيا.
- النفاق الداخلي: النفاق من أخطر أمراض القلوب، لأنه يمزق الإنسان من داخله ويجعله يعيش في ازدواجية بين ظاهر يرضي الناس وباطنٍ يبتعد عن الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف على نفسه وأصحابه من النفاق أكثر من خوفه من الكفر الصريح، لأن المنافق يعيش بين صفوف المؤمنين بوجهين ولسانين، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
النفاق الداخلي ليس بالضرورة أن يجعل صاحبه كافرًا، لكنه يأكل الإيمان من الداخل حتى لا يبقى إلا قشرة بلا لبّ، وما من أحد معصوم منه إلا من رحم الله، لذلك كان الصالحون يخافونه أكثر من خوفهم من الكفر الصريح، لأن عدوّ الداخل أخطر من عدوّ الخارج.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نُكشف يوم القيامة، قال تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 9].
ثانيًا: على المجتمع:
- انتشار النفاق الاجتماعي: النفاق الاجتماعي هو التزييف في التعامل مع الناس، حيث يظهر الفرد خلاف ما يُبطن، ويُجامل على حساب الحقيقة، ويُخفي كراهيته أو مصلحته خلف كلمات منمقة وابتسامات زائفة.
وقد نهى الإسلام عن هذا الخلق الذميم، لأنه يهدم الثقة، ويفسد العلاقات، ويقتل روح الإخلاص والإيثار التي تُبنى بها الأمم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تجدون من شرار الناس يوم القيامة ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (18).
النفاق الاجتماعي ليس مجرد كذبٍ في الكلمات، بل انفصامٌ في الشخصية وخلل في القيم، يجعل الإنسان يعيش بلا وجهٍ واحد.
يظهر لأهل الباطل الرضا عنهم، ويظهر لأهل الحق مثل ذلك ليرضى كل فريق منهم ويريه أنه منهم وهذه المداهنة المحرمة على المؤمنين (19).
- فقدان الثقة في الدين: تلك الحالة النفسية والفكرية التي تجعل بعض الناس يشكّون في عدل الدين أو صلاحه للزمان، أو ينفرون من بعض مظاهره بسبب ممارسات خاطئة.
وهذا المرض المعنوي يُصيب القلب قبل العقل، وينشأ غالبًا من خلل في الفهم، أو سوء تمثيلٍ للدين، أو ضغطٍ من البيئة الثقافية والإعلامية.
قال الله تعالى محذرًا من الانحراف عن الثقة بوعده وهديه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
فالدين لا يُفقد الثقة بذاته، بل الناس هم من يُسيئون فهمه أو تمثيله، فينعكس ذلك سلبًا على صورته ومكانته.
إن فقدان الثقة في الدين ليس إلا سوء فهمٍ لجلاله أو سوء تمثيلٍ له من بعض أتباعه، أما الدين في ذاته فهو النور الذي لا يخبو، والرحمة التي لا تنقطع، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125].
- الضعف الحضاري: ذلك التراجع العام في مجالات الفكر والإنتاج والعلم والقيم، حتى غدا المسلمون في كثير من الأحيان مستهلكين بدل أن يكونوا صانعين، ومتابعين بدل أن يكونوا قادة.
إنه ضعف لا يقتصر على الجانب المادي فحسب، بل يمتد إلى الروح، والعقل، والإرادة، والهوية، قال الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].
هذه الآية تُذكّرنا أن العلو الحضاري مرتبط بالإيمان الحقيقي، وأن الهزيمة الحقيقية تبدأ من داخل الإنسان قبل أن تُفرض عليه من الخارج.
التدين السطحي يُعطي صورة مشوهة عن الإسلام في أعين غير المسلمين. يرون مظاهر التدين في مجتمعاتنا، لكنهم لا يجدون صدقًا أو أمانة أو تقدمًا علميًا، فيقولون: لو كان هذا هو الإسلام فهو لا يُصلح.
الحلول العملية:
لمعالجة ظاهرة التدين السطحي، لا بد من حلول جذرية وشاملة تمس الفرد والمجتمع على حد سواء.
1- العلم الصحيح:
أول ما ينبغي هو تعلم العلم الشرعي العميق، لا الاكتفاء بالشعارات أو الفتاوى المجتزأة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (20).
2- الجمع بين العبادة والأخلاق:
العبادة ليست مجرد أداءٍ لطقوسٍ أو شعائرٍ شكلية، بل هي منهج حياةٍ شاملٍ يشمل علاقة العبد بربه وبالناس وبالكون من حوله.
ومن الخطأ أن يُتصوَّر أن الدين يقوم على الصلاة والصيام والزكاة فقط، بينما يُهمل الأخلاق والمعاملات، قال الله تعالى في وصف غاية بعثة النبي صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164].
والتزكية هنا هي تهذيب النفس وتهذيب الأخلاق، فكان المقصود من الوحي أن يبني الإنسان المؤمن في عبادته وسلوكه معًا.
فالدين ليس عبادات فقط، بل عبادة وأخلاق ومعاملة وسلوك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (21).
3- إصلاح القلب والنية:
التدين الحق يبدأ من القلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».
الإسلام لا يقوم على المظاهر أو الأقوال، بل على الصدق الداخلي والإخلاص القلبي، قال الله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} [الشعراء: 88- 89].
القلب السليم هو القلب الذي تطهّر من الرياء والحقد والكبر، وامتلأ بالإخلاص والمحبة واليقين. ومن هنا، فإن إصلاح القلب هو بداية الطريق إلى صلاح الفرد والمجتمع، بل هو أصل كل خير.
4- الصحبة الصالحة:
الصحبة تؤثر تأثيرًا بالغًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (22).
5- القدوة الحية:
لا بد أن يكون في المجتمع قدوات صالحة تُجسد التدين العميق، وعلى العلماء والدعاة أن يكونوا قدوة قبل أن يكونوا خطباء.
من أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم في زمن التشتت وكثرة الشعارات هو القدوة الحية؛ ذلك النموذج الواقعي الذي يجسد القيم الإسلامية في سلوكه وأفعاله قبل أقواله.
فالناس لا يتأثرون بالكلمات المجردة بقدر ما يتأثرون بالسلوك العملي الذي يرونه ماثلًا أمامهم، قال الله تعالى في محكم كتابه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21].
فالأسوة الحسنة –أي القدوة– ليست مجرد نموذج تاريخي، بل هي منهج حياةٍ يُحتذى ويُتبع.
وما لم يجد الناس في واقعهم قدوات صادقة، فإنهم سيبحثون عن بدائل في شخصياتٍ زائفةٍ تُضلّهم عن سواء السبيل.
6- إصلاح الخطاب الديني والإعلامي:
من أخطر ما تواجهه الأمة الإسلامية اليوم هو اضطراب الخطاب الديني والإعلامي، وتناقض رسائله، وابتعاده في كثير من الأحيان عن روح الإسلام وغاياته العظمى في الهداية والإصلاح.
فبين خطابٍ دينيٍ جامدٍ يُقصي الواقع، وخطابٍ إعلاميٍ متهورٍ يُقصي الدين، ضاع الوعي بين الإفراط والتفريط، وغاب التوازن الذي هو سمة الإسلام الكبرى.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143].
فإذا فقدت الأمة وسطيتها في الخطاب، فَقَدَت قدرتها على الهداية والتأثير، وصار الدين في نظر الناس إما شكلاً متزمتًا أو موضوعًا تجاريًا يُستهلك في الإعلام.
إصلاح الخطاب الديني والإعلامي ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية لحماية الدين والعقل معًا؛ فالدين من دون إعلامٍ راشدٍ يبقى حبيس الجدران، والإعلام من دون دينٍ نقيٍ يصبح أداةَ فسادٍ وضياع.
ختامًا:
إن التدين السطحي ليس ظاهرة عابرة، بل هو مرض اجتماعي ونفسي يهدد صورة الدين وفعاليته في الواقع، التدين الصحيح هو ما جمع بين العقيدة الصافية، والعبادة الخاشعة، والأخلاق الرفيعة، والعمل الصالح.
قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)} [المؤمنون: 1- 4].
فالنجاح والفلاح مرهون بالخاشعين الصادقين، لا بالمظاهر الخالية من الروح.
***
------------
(1) أخرجه البخاري (4993).
(2) الأدب المفرد (555).
(3) مشكلات في طريق الحياة الإسلامية/ محمد الغزالي.
(4) أخرجه مسلم (2564).
(5) أخرجه ابن ماجه (1690).
(6) فيض القدير (4/ 16).
(7) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 530).
(8) تفسير ابن كثير (5/ 418).
(9) في ظلال القرآن (4/ 2472).
(10) لطائف الإشارات (2/ 579).
(11) أخرجه أبو داود (3664).
(12) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 305).
(13) أخرجه الدارمي (313).
(14) أخرجه أحمد (24601).
(15) أخرجه البخاري (7320).
(16) أخرجه ابن حبان (297).
(17) سبق تخريجه.
(18) أخرجه البخاري (3493).
(19) شرح صحيح البخاري لابن بطال (8/ 250).
(20) أخرجه البخاري (71).
(21) أخرجه الترمذي (2018).
(22) أخرجه أحمد (8417).
