logo

اغتنام رمضان


بتاريخ : الخميس ، 21 شوّال ، 1447 الموافق 09 أبريل 2026
اغتنام رمضان

لا يخفى على كل مسلم أهمية شهر رمضان شهر الخير والبركات، فصيامه ركن من أركان الإسلام، وفي رمضان تتنوع العبادات وتتضاعف الأجور، وتفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتُصفد الشياطين، وإن مما يجب التذكير به في هذا الشهر الكريم هو معرفة كيف نغتنم هذا الشهر الفضيل، فالمحروم من أدرك رمضان وكان فيه من الغافلين، ولكي نظفر بالخير في هذا الشهر لا بد من أمور، منها:

 

1- الاستعانة بالله جل وعلا، فإن العبادة محض منة من الله جل وعلا، والعبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته وتثبيت قلبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ قال الإمام ابن القيم: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: {إيَّاك نَعبُدُ} [الفاتحة: 5] تدفَع الرياء، {وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] تدفع الكبرياء، فإذا عوفي من مرض الرياء بـ{إيَّاك نَعبُدُ}، ومن مرض الكبرياء والعجب بـ{إيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ومن مرض الضلال والجهل بـ{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه (1).

 

قال الحافظ ابن رجب: وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تَعجِز» (2).

 

ومن تمام ذلك: أن لا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته، وحذقه بمعرفة الأسباب وإدارتها، بل يستعين بربه متوكلًا عليه، راجيًا منه أن ييسره لأيسر الأمور وأنجحها، وأقربها تحصيلًا لمراده (3).

 

ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولًا، كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله، فيكلك الله إليه (4).

 

2- احرص على أن تكون أعمالك خالصة لله تعالى؛ قال الله تعالى: {فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2- 3].

 

وعن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية، وعن بعض السلف قال: من سره أن يكمل له عمله، فليحسن نيته، فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حسنت نيتُه حتى باللقمة، وعن ابن المبارك قال: رُب عمل صغير تعظِّمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، وقال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة، وقال الفضيل بن عياض: إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك.

 

قال الفضيل في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7]، قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا، لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على السنة، وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قول الله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] (5).

 

والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين: أحدهما: بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف، ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم، والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له، أم غيره، أم الله وغيره، وهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين (6).

 

واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضًا، بحيث لا يراد به سوى مراءات المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم؛ كما قال الله عز وجل: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6)} [الماعون: 4- 6]، وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: 47]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدُر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشريكه» (7).

 

3- احرص على أن تكون أعمالك موافقة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد» (8)، وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد» (9).

 

أي من أتى بشيء من الطاعات، أو بشيء من الأعمال الدنيوية والأخروية سواء كان محدثًا أو سابقًا على الأمر ليس عليه أمرنا، أي: وكان من صفته أنه ليس عليه إذننا بل أتى به على حسب هواه فهو رد (10).

 

وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: «الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فليس من الدين في شيء (11).

 

4- احذَر من الاغترار بالنفس والامتنان بالعمل على الله جل وعلا، فالعبد يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (12)، فجمع في قوله صلي الله عليه وسلم: «أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي» مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.

 

قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها، وقد سبق أن التوبة غاية الاعتذار استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس المقدم الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور (13).

 

فمشاهدة المنة توجب له المحبة، والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار، والتوبة في كل وقت، وألا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به، ولا وسيلة منه يمن بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف، والإفلاس المحض، دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه، فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر، إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته، ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى، والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام (14).

 

5- احرص على إخفاء أعمالك الصالحة:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي» (15).

 

قال ابن كثير رحمه الله وقوله: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271]، فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية.

 

والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (16) (17).

 

6- حافظ على صيامك من اللغو والرفث والفسوق والجدال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم» (18).

 

قال الداودي: تخصيصه في هذا الحديث ألا يرفث ولا يجهل، وذلك لا يحل في غير الصيام، وإنما هو تأكيد لحرمة الصوم عن الرفث والجهل، كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]، والخشوع في الصلاة أوكد منه في غيرها، وقال في الأشهر الحرم: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، فأكد حرمة الأشهر الحرم، وجعل الظلم فيها آكد من غيرها، فينبغي للصائم أن يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويعرف ما لزمه من حرمة الصيام (19).

 

قال ابن القيم رحمه الله: أرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب، وأن الصائم ينبغي له أن يحتمي من إفسادهما لصومه، فهذه تفسد صومه، وهذه تحبط أجره؛ كما قال في الحديث الآخر: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (20).

 

7- احرص على أداء صلواتك في أوقاتها: فالصلاة عمود الدين، وركنه الركين؛ عن عبد الله، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني (21).

 

قال ابن بطال: فيه أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب (22).

 

8- رمضان شهر القرآن؛ عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة (23).

 

قال ابن رجب: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان (24).

 

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)} [فاطر: 29- 30].

 

وتلاوة كتاب الله تعني شيئًا آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، تعني تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك.

 

9- ليكن لسانك رطبًا من ذكر الله: أكثر من ذكر الله جل وعلا والْهج بذكر، فالذكر عنوان المحبة؛ عن عبد الله بن بسر، أن رجلًا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله» (25).

 

قال الطيبي: رطوبة اللسان عبارة عن سهولة جريانه كما أن يبسه عبارة عن ضده ثم إن جريان اللسان عبارة عن مداومة الذكر فكأنه قيل خير الأعمال مداومة الذكر، فهو من أسلوب قوله تعالى: {فَلَا تَمُوتُنَّ إَلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132] انتهى (26).

 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه، فقال: {فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال (27).

 

وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: «سيروا هذا جمدان سبق المفردون» قالوا: وما المفردون؟ يا رسول الله قال: «الذاكرون الله كثيرا، والذاكرات» (28).

 

10- احرص على نفع الناس والإحسان إليهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد؛ يعني مسجد المدينة شهرًا» (29).

 

عن عبد الله بن أبي قتادة، أن أبا قتادة، طلب غريما له، فتوارى عنه ثم وجده، فقال: إني معسر، فقال: آلله؟ قال: آلله؟ قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه» (30).

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (31).

 

وقد يأتي على المرء شدّة ومسغبة يضيق بها واسع رحابه، وتمسك بتلابيبه وتصبح الدنيا أمامه كسم الخياط، يودّ الخلاص منها بأي ثمن وإن غلا، ويودّ أن لو ابتلعته الأرض، لديون تراكمت، وأزمات به حلت لم تبق على رطب ولا يابس، ولا صامت من ماله ولا ناطق.

 

فإذا ما أنقذه دائنه مما هو فيه، وحط عنه بعض دينه أو تجاوز له عما شغلت به ذمته؛ كان كمن ردّت إليه الحياة وقد كادت تزهق، أو انتشل من براثن الهلاك وقد أوشك أن يغرق، وناهيك إذا كان المتجاوز تاجرًا شأنه البيع والشراء للربح والكسب، فهو جدّ حريص على زيادة ماله، وإنماء ثروته، وتقليب تجارته في الأسواق يبتغي المال الوفير، والربح الكثير، فإذا ما وضع عن غريمه بعض ما عليه دل ذلك على إخلاصه وسلامة نفسه من الشح ورغبته في الخير وابتغاء الأجر؛ فلا غرو أن يتجاوز الله عن سيئاته ويحط من أوزاره ويعفو برحمته عن هفواته وهو الغفور الرحيم (32).

 

11- احرص على تنويع العبادات في رمضان، فالصدقة تطفئ غضب الرب، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وصلة الرحم من أعظم القربات؛ عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: «لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16].

 

ثم قال: «ألا أُخبرك برأس الأمر وعموده وذِروة سنامه؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد»، ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: «كف عليك هذا»، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» (33).

 

هذا ما أحببت ذكره في هذه العجالة، وأختمها بأن جماع الأمور كلها سؤال ربك التوفيق والسداد في جميع الأمور، نسأل الله السداد والتوفيق والإعانة على صيام رمضان وقيامه (34).

***

------------

(1) مدارج السالكين (1/ 78).

(2) أخرجه مسلم (2664).

(3) بهجة قلوب الأبرار (ص: 36).

(4) جامع العلوم والحكم (1/ 482).

(5) جامع العلوم والحكم (1/ 72).

(6) جامع العلوم والحكم (1/ 78).

(7) جامع العلوم والحكم (1/ 79).

(8) أخرجه مسلم (1718).

(9) المصدر نفسه.

(10) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 222).

(11) جامع العلوم والحكم (1/ 176).

(12) أخرجه النسائي (5522).

(13) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 33).

(14) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 6- 8).

(15) أخرجه مسلم (2965).

(16) أخرجه البخاري (660، 1423) ومسلم (1031).

(17) تفسير ابن كثير (1/ 701- 702).

(18) أخرجه البخاري (1904)، ومسلم (1151).

(19) شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 24).

(20) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 112).

(21) أخرجه البخاري (527)، ومسلم (85).

(22) فتح الباري لابن حجر (2/ 9).

(23) أخرجه البخاري (6).

(24) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 169).

(25) أخرجه الترمذي (3375).

(26) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 405).

(27) تفسير ابن كثير (6/ 386).

(28) أخرجه مسلم (2676).

(29) أخرجه الطبراني (6026).

(30) أخرجه مسلم (1563).

(31) أخرجه البخاري (3078).

(32) الأدب النبوي (ص: 268).

(33) أخرجه الترمذي (2616).

(34) معرفة طريق الوصول إلى نيل الأجور في شهر رمضان/ شبكة الألوكة.