أيها الدعاة لا تغتروا بكثرة الأتباع

إن من دقائق الفتن، وخفايا الآفات، التي قد تتسلل إلى قلوب الدعاة وهم لا يشعرون: ومن ذلك فتنة الكثرة، والانبهار بالجمهور، والاغترار بالأتباع، تلك الفتنة التي تكسو نفسها ثوب النجاح، وهي في حقيقتها قد تكون بداية الانحراف.
ما أسرع أن يفرح الإنسان إذا رأى الناس قد اجتمعوا حوله، وما أسهل أن يظن أنه قد بلغ المنزلة، وحقق الغاية، حين يرى الأعداد تتكاثر، والأسماء تتردد، والثناء يتردد في الآفاق… ولكن، هل كل اجتماعٍ دليل قبول؟ وهل كل كثرةٍ علامة توفيق؟ أم أن وراء ذلك ميزانًا أدقّ، وحقيقةً أعمق، قد تغيب عن كثير من الأبصار؟
إنها لحظة صدقٍ يحتاجها كل داعية مع نفسه، حين يقف بين يدي الله، لا بين أعين الناس، ويسأل قلبه قبل أن يُسأل:
أأنا أدعو إلى الله أم أدعو إلى نفسي؟
أأفرح بهداية الناس أم بإقبالهم عليّ؟
أأطلب وجه الله أم أطلب وجوه الخلق؟
عندها تتكشف الحقائق، وتُوزن الأعمال، ويُعرف الصادق من المدّعي.
فيأيها الداعية، قبل أن تغترّ بكثرة من حولك، تأمّل في حقيقة الطريق، وانظر بعين البصيرة لا بعين البصر، فإن هذا الباب دقيق، مزلقه خطير، والناجون فيه قليل.
إن الكثرة ليست دليلًا على القبول، ولا العدد برهانًا على الإخلاص، كم من صوتٍ ارتفع فظنّ صاحبه أنه بلغ، وما بلغ إلا آذان الناس لا قلوبهم، وكم من داعيةٍ قلّ أتباعه وهو عند الله عظيم الشأن، لأنه صدق فصدّقه الله.
إن المقياس الحق ليس كم التفّ حولك، بل كم تغيّر بك، ليس كم صفّق لك، بل كم اهتدى على يديك، فربّ كلمةٍ خرجت من قلبٍ صادق، بلغت عنان السماء، وربّ خطبةٍ زيّنتها البلاغة، لكنها خلت من الإخلاص، فهوت في الأرض لا ترفع رأسًا.
أيها الداعية، تذكّر أن الأنبياء عليهم السلام، وهم صفوة الخلق، ما كان أتباعهم بالكثرة التي يطلبها الناس اليوم، ومع ذلك كانوا عند الله في أعلى المقامات، فليس الشأن أن يُقال: اتّبعك الناس، بل الشأن أن يُقال: رضي عنك رب الناس.
احذر أن تتحول الدعوة إلى طلب شهرة، أو سباق أرقام، أو منافسة على منصّات، فإن القلوب إذا تعلقت بالخلق انقطعت عن الخالق، واعلم أن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى عدد متابعيكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
أولًا: ميزان الله غير ميزان الناس:
إن لميزان الله سرًّا ليس كأسرار موازين الناس، ولحكمه شأنًا لا تدركه المقاييس الظاهرة؛ فليس كل ما عَظُم في أعين الخلق عظيمًا عند الله، ولا كل ما صغُر في نظرهم حقيرًا في ميزانه سبحانه.
عن ابن مسعود، أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مم تضحكون؟» قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد» (1).
فإن لصاحب تلك الساقين فضائل تُثقل الميزان، وأعمالًا تُقرّ العين، ومزايا تُبهر الألباب، جامعًا في ذلك بين جمال السيرة ونقاء السريرة.
إن الناس يزنون بالأعداد، ويقيسون بالانتشار، ويُعجبون بالضجيج والظهور، أما رب العالمين فيزن بالقلوب، وينظر إلى الصدق والإخلاص، ويرفع أعمالًا خفية لا يعلم بها أحد، ويخفض أعمالًا ملأت الأسماع والأبصار.
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبق درهم مائة ألف درهم» قالوا: وكيف؟ قال: «كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها» (2).
قال المناوي: والدرجات تتباين بحسب تباين المقاصد والأحوال والأعمال (3).
كم من عملٍ صغيرٍ في أعين الناس، عظّمه الله بنيّة صادقة، وكم من جهدٍ عظيمٍ في الظاهر، أحبطه الله لما داخله من رياء أو التفات! فتنبه، فإنك قد تُصفّق لك الدنيا كلها، وأنت عند الله لا تساوي شيئًا، وقد لا يلتفت إليك أحد، وأنت في ميزان السماء من السابقين.
فاجعل همّك كيف تكون عند الله، لا كيف تكون عند الناس، فإن ميزان الخلق يزول، وأما ميزان الحق فلا يضلّ ولا ينسى.
وإذا أردت أن تدرك حقيقة الفرق بين ميزان الله وميزان الناس، فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» (4)، ذلك أن الناس ينظرون إلى الكثرة فيرونها غاية النجاح، ويحسبون أن ازدحام الأتباع هو ثمرة الدعوة، أما في ميزان الله، فقد تُرجّح هداية نفسٍ واحدةٍ صادقةٍ على أعظم مكاسب الدنيا وأثمن كنوزها.
فاجعل مقصدك أن تكون سببًا في هدايةٍ صادقة، لا أن تكون رقمًا في قائمةٍ مزدحمة، فإن ميزان الله يرفع الجوهر لا المظهر، ويبارك في الصدق ولو قلّ، ولا يعبأ بالكثرة إذا خلت من الإخلاص.
فاجعل همّك أن تُرضي الله ولو قلّ السائرون معك، ولا تغترّ بكثرةٍ قد تخلو من البركة، فإن العبرة ليست بمن تبعك، بل بما قُبل منك.
قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، فهذه الآية تقطع الوهم من جذوره، وتعلن أن الكثرة –التي يلهث وراءها الناس– ليست دليل هداية ولا علامة قبول، فإنك قد تبذل جهدك، وتستفرغ وسعك، وتحرص أشد الحرص، ومع ذلك لا يستجيب إلا القليل، لا لأن دعوتك ناقصة؛ بل لأن ميزان الله لا يقوم على عدد المستجيبين، بل على صدق البلاغ وحكمة الأداء، فاحذر أن تقيس نفسك بميزانٍ أبطله القرآن، واجعل ميزانك هو ميزان الله: إخلاصٌ في الدعوة، وصدقٌ في القصد، وثباتٌ على الحق، ولو خالفك أكثر الناس.
وقال سبحانه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} [الأنعام: 116]، فهذه الآية تهدم الوهم الذي استقر في النفوس، أن الكثرة علامة صواب، وأن اجتماع الناس دليل هداية؛ بل يقرر القرآن أن الأكثرية قد تكون سبيلًا إلى الضلال، وأن الحق لا يُعرف بعدد السالكين؛ بل بنوره في ذاته، وهنا يظهر الفارق الجليّ بين ميزانين: ميزان الناس الذي ينجذب إلى الكثرة ويطمئن إلى الجمهور، وميزان الله الذي يُقيم الحق ولو كان مع الواحد، ويرد الباطل ولو اجتمع عليه أهل الأرض، فإياك أن تجعل كثرة المتبعين معيارًا، أو رضا الناس غاية، فإنك إن جعلت ميزانك ما تهواه الجماهير، انحرفت حيث انحرفوا، وضللت حيث ضلوا، ولكن اجعل بصيرتك معلّقة بميزان الله، فالحق يُعرف بدليله لا بأهله، وحيث النجاة في الثبات لا في الاتباع، ولو خالفك أكثر من في الأرض.
فيا من ترى كثرة المتابعين فتفرح، تذكّر أن الطريق إلى الله لم يكن يومًا طريق الكثرة، بل طريق الصدق.
ثانيًا: دروس من سير الأنبياء:
تأمل في حال الأنبياء عليهم السلام، وهم خير الدعاة:
نوح عليه السلام، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومع ذلك قال الله عنه: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40]، أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسًا، وقيل: كانوا عشرة، وقيل: إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة سام، وحام، ويافث، وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام (5).
عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد» (6).
ميزان السماء يُقيم الأمر على الصدق لا على العدد، وعلى الإخلاص لا على الشهرة، وهذا نبيٌّ كريم، مؤيَّد بالوحي، ومع ذلك لا يتبعه إلا واحد أو اثنان؛ بل قد يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، ومع هذا فهو ناجح كل النجاح، لأنه بلّغ وصدق وأخلص.
فهل كانت دعوتهم فاشلة؟ حاشاهم؛ بل كانوا أنجح الناس، لأنهم حققوا الغاية: بلاغ الرسالة بإخلاص، إذن، معيار النجاح الحقيقي هو: هل بلّغت؟ هل صدقت؟ هل أخلصت؟ لا: كم تابعك؟ وكم شاهدك؟
ثالثًا: فتنة العصر… عبادة الأرقام:
أيها الداعية، لقد تغيّرت وجوه الفتن، ولبست أثوابًا جديدة، ومن أخطرها في هذا العصر: فتنة الأرقام، حتى كأنها صارت معبودًا خفيًا تُشدّ إليه القلوب، وتُقاس به النجاحات، وتُوزن به القيم، أرقامٌ تُعرض على الشاشات، لكنها تُحفر في الصدور؛ ترفع أقوامًا وتُسقط آخرين، لا بميزان الحق، بل بميزان التفاعل والانتشار، فيفرح المرء بكثرة المتابعين، ويغتمّ لقلة المشاهدات، وكأن القبول في السماء يُستمد من إعجاب الأرض.
إنها عبادة صامتة لا تُسجد فيها الجباه، ولكن تنحني لها النيات، وتُحرّف لأجلها الكلمات، ويُزيَّن بها الباطل، ويُخفى بها الحق، فاحذرها… فإنها فتنة تسرق الإخلاص من حيث لا يُدرى، وتجعل العمل الكثير هباءً إن صار ميزانه نظر الناس لا نظر الله.
وهنا تتحول الدعوة من عبادة إلى مسرح استحسان، ومن رسالة إلى سباق شهرة، قال بعض السلف: ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي؛ لأن القلب يتلوّن، والداعية إن لم يراقب نفسه، انزلق من حيث لا يشعر.
ومما ينبغي أن نتنبه له كذلك أن كثرة الأتباع، وحشد الجماهير، وتكثير السواد قد يحصل بعضه بالباطل، وقد يكون شيء منه بالتنازل عن الدين، غير أن الكثرة الكاثرة والسواد العظيم المبارك لا يمكن جمعهم إلا على الوحي الذي يؤلف بينهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (7).. وكما أن للحق أتباع، فإن للباطل أتباعه، ولكل ناعق تابع، وأتباع الشهوات والأهواء كثير، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، غير أن التأليف بين أصحاب الأهواء المختلفة عسير، وتحقيق رغباتهم كلهم يتعذر فهم الأغلبية المتفرقة، فهم أغلبية لكنهم {لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)} [الذاريات: 8- 9].
والذي يتأمل تاريخ الإسلام يجد أكثر الناس تبعًا من بني الإسلام هم ورثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأئمة العاملين المتبعين للوحي الذين لهم قدم صدق في الإسلام ثابتة، قد أخذو الكتاب بقوة، ولم يعرف فيهم متساهل أو مترخص متلاعب، جعل الوحي باسم المصلحة خلفه ظهريًا.
إن تمييع الدين والتنازل عن بعض الثوابت قد يجمع حول الداعية خلقًا بعض الوقت، ثم لا يلبس ذلك الجمع أن ينفض؛ إما بموته فهم ما اتبعوه إلا لتحقيق مآربهم، وإنما امتطوه ليكون ذريعة شرعية نحو شهواتهم، وإما بأن يجد الجمهور من هو أوسع فقهًا منه ولك أن تقول: أرق ديانة.
وإما أن يهدي الله من تلك الجموع فئامًا تبصر الحقيقة فتنفض عمن يزورونها، والنتيجة الحتمية اضمحلال الباطل وذهاب هيبته وظهور الحق وإياب دولته: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17]، ولو تأملنا في حال المجددين والمصلحين الذين تبعتهم الأمة ورفع الله ذكرهم فيها منذ القرن الأول وإلى اليوم، وجدناهم جميعًا مما يعنون بالوحي وإقامته بين الناس، يمسكون بالكتاب، ويحيون السنن، ويحتاطون للأمة، ما عرف واحد منهم بإحياء البدع، ولا الاندفاع في الترخص، وأمثال هؤلاء ومن جرى على سننهم هم من سوف يبقى علمهم ويشاد ببذلهم ولو بعد حين.
فهؤلاء إنما يجددون علم النبوة، أما غيرهم فسيضمحل ولو بعد حين، وتلك هي سنة الله في الأولين وسوف تبقى في الآخرين، إلى آخر الزمان، ومن سِرِّ ذلك أن الوحي هو الذي به يؤمن البشر وبه تصلح شؤونهم في سائر الأوقات والأماكن، فلا غرو أن يكون الداعي إليه أكثر الناس تبعًا، على أن المطلوب من أهل الحق أن يبينوه ويجتهدوا في دعوة العقلاء إليه، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
رابعًا: آفة الرياء الخفية:
أيها الداعية، إن أخطر ما يهدد القلوب ليس الرياء الظاهر الذي تُدركه الأبصار؛ بل ذاك الخفيّ الذي يتسلّل في صمت، كدبيب النمل، حتى يستقر في أعماق النفس دون أن يُشعَر به، آفةٌ لا تُرى، لكنها تُفسد، ولا تُعلن، لكنها تُهلك؛ يبدأها إعجابٌ عابر بثناء الناس، ثم تتحول إلى لذّة خفية، ثم تصير مقصدًا يُطلب، فينحرف العمل عن وجهته شيئًا فشيئًا، فتجد المرء يُحسن إذا نُظر إليه، ويضعف إذا خلا، ويجتهد إذا مُدح، ويكسل إذا أُهمل، وكأن قلبه صار مرآةً لعيون الخلق لا لعلم الخالق.
عن أبي سعيد، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قال: قلنا: بلى، فقال: «الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل» (8).
فانتبه، فإن هذه الآفة لا تُسقط العمل دفعة واحدة، بل تنخر فيه خفية حتى تتركه جسدًا بلا روح، وصورةً بلا قبول، فمن أراد النجاة، فليجاهد قلبه قبل لسانه، وليكن نظره إلى الله أسبق من نظره إلى الناس، فإن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
علامات ظهور المرض:
- أن تفرح بالثناء أكثر من رضا الله:
من دقائق الانحراف وخفايا الخطر: أن يفرح القلب بثناء الناس أكثر من فرحه برضا الله؛ فتراه ينتشي بكلمة مدح، وتزهو نفسه إذا ذُكر بخير، ويثقل عليه أن يخفى عمله أو يُجهل قدره.
وهنا تنقلب الموازين في خفاء؛ فيصبح الثناء وقودًا للعمل، لا الإخلاص، ويصير رضا الناس غايته، لا رضا الله، فإن أقبلوا عليه ازداد نشاطه، وإن أعرضوا فتر عزمه، وكأن قلبه معلّق بأعين الخلق لا بعلم الخالق، وهذه منزلة خطيرة، لأن العمل حين يُغذّى بالمدح يذبل عند فقده، وحين يُبنى على نظر الناس ينهار إذا غابوا.
فاحذر أن يكون فرحك بما قيل فيك أعظم من فرحك بما علمه الله منك، فإن القلوب إن لم تُربَّ على الإخلاص، عبدت الثناء وهي تظن أنها تعبد الله.
- أن تحزن لقلة التفاعل لا لقلة التأثير:
ومن خفايا الخلل أن تحزن لقلة التفاعل، ولا تحزن لقلة التأثير؛ فتضيق نفسك إذا قلّ التصفيق، وتثقل عليك قلة المشاهدات، وكأن قيمة دعوتك مرهونة بصدى اللحظة لا بعمق الأثر، تنظر إلى الأرقام فتأسى، ولا تنظر إلى القلوب فتتفقد: هل تغيّرت؟ هل اهتدت؟ هل اقتربت من الله؟ وهنا ينقلب الميزان في خفاء؛ فيصبح الحزن على غياب الضجيج، لا على غياب الهداية، ويصير همّك أن تُرى، لا أن تُثمر، مع أن الكلمة الصادقة قد تسكن قلبًا واحدًا فتُحييه، وتظل تنبت فيه خيرًا لا ينقطع، ولو لم تُحدث حولها صخبًا ولا تفاعلًا.
إن التأثير الحقيقي هادئٌ عميق، لا يُقاس بالتصفيق؛ بل بما يتركه في السرائر من نور، وما يزرعه في النفوس من ثبات، فاجعل حزنك على ضياع الأثر، لا على ضعف الظهور، فإن من قصد القلوب بلّغه الله، ولو لم تلتفت إليه العيون.
- أن تتكلم ليُقال: مؤثر، بليغ، محبوب:
من أخفى مزالق الطريق أن تتكلم ليقال: مؤثر، بليغ، محبوب؛ فتنتقي عباراتك لا لتبلغ الحق؛ بل لتبلغ القلوب إعجابًا، وتزين خطابك لا لوجه الله؛ بل ليتردد اسمك على الألسن، هناك، حيث تختلط النية بالهوى، يتحول الكلام من دعوة إلى الله إلى عرض للنفس، ومن رسالة تراد بها الهداية إلى وسيلة تطلب بها المكانة، فيظهر الكلام نديًّا في أسماع الناس، لكنه عند الله جاف لأنه فقد ماء الإخلاص.
وما أخطر أن يصفق لك الناس، وقلبك يطلب تصفيقهم، لا رضا ربهم، فاحذر أن يكون همّك وقع كلماتك في الآذان، لا أثرها في الميزان، فإن الكلمة إن خرجت لله بلغت، وإن خرجت لغيره سقطت، ولو حملتها البلاغة وزيّنها البيان.
عن محمود بن لبيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة: إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (9).
والخطر هنا أن الداعية قد يظن نفسه مخلصًا، وهو يطعم قلبه خفية من حب الظهور.
خامسًا: آثار الاغترار بالكثرة:
إذا دخل هذا الداء إلى قلب الداعية، ظهرت آثاره سريعًا:
1- ضعف الإخلاص:
كتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: اعلم أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية، فمن تمت نيته تم عون الله له، وإن نقصت نقص بقدره (10).
إن ضعف الإخلاص ليس أمرًا يُرى في ظاهر العمل، بل يُكشف في باطن القصد؛ إذ قد يكثر العمل وتضعف روحه، ويعلو الصوت ويخفت صدقه، هو داءٌ صامت، يبدأ خفيفًا كخيطٍ دقيق، ثم يتسع حتى يغيّر وجهة القلب دون أن يشعر صاحبه؛ فتراه يعمل، لكن لغير الله نصيب، ويتكلم، لكن للناس حضور، فيختلط المقصد، ويضيع الصفاء، فإذا ضعف الإخلاص، صار العمل ثقيلًا عند الخلوة، خفيفًا عند الشهرة، يزدهر في العلن ويذبل في السر، لأن وقوده لم يعد رضا الله، بل نظر الخلق.
وهنا يكمن الخطر، أن يظن المرء أنه يحسن صنعًا، وهو في الحقيقة يبني بلا أساس، فجدّد نيتك، وفتّش قلبك، واجعل عملك لله خالصًا، فإن القليل مع الإخلاص كثير، والكثير بدونه هباءٌ منثور.
2- تمييع الحق:
أيها الداعية، من أخطر ثمار الانبهار بالناس: تمييع الحق؛ حين لا يُترك صراحة؛ بل يُلبّس ثوبًا خفيفًا يُرضي السامعين، ويُنزَع منه حدّه الذي يوقظ الغافلين، فتجد الخطاب يُقصّ ويُفصّل على مقاس القبول، ويُحذف منه ما يثقل على النفوس، ويُقدَّم في صورة لا تُزعج أحدًا، حتى يخرج حقًّا بلا قوة، وهدًى بلا أثر، وهنا لا يُنكر الباطل صراحة، بل يُترك لينمو في صمت، لأن قول الحق صار مرهونًا بردود الأفعال، لا بوجوب البلاغ.
فاحذر أن تُطفئ نور الحقيقة خشية أن تنفر منها القلوب، فإن القلوب إن لم تُوقظها كلمة صادقة، أفسدها صمتٌ مُجامل، والنجاة في بيان الحق كما هو، لا كما يُراد له أن يُقال.
3- التقلب في المواقف:
من علامات الخلل ونتائج ضعف الميزان: التقلّب في المواقف؛ حين لا يكون الحق هو القائد، بل أهواء الناس وتقلبات رضاهم، فتراه اليوم يقول قولًا يرضي جمهورًا، وغدًا يعدّل موقفه ليرضي آخرين؛ لا لأنه تبيّن له الصواب، بل لأنه خشي الخسارة أو طلب القبول، وهنا يفقد الداعية ثباته، وتضطرب كلمته، فلا يُعرف له أصلٌ يُرجع إليه، ولا مبدأٌ يُطمأن له.
دخل أبو مسعود على حذيفة، فقال: اعهد إلي، فقال له: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى، وعزة ربي، قال: فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون، فإن دين الله واحد (11).
إن الدعوة التي تُبنى على إرضاء الناس، لا تثبت عند أول اختلاف، لأن الناس أنفسهم لا يثبتون، أما من جعل ميزانه الحق، ثبت ولو خالفه الخلق، واستقام ولو تغيّرت الرياح، فاحذر أن تكون مواقفك ظلًّا لآراء الآخرين، تتبدل بتبدلهم، فإن الثبات على الحق رفعة، والتلوّن لأجل الناس مهانة، ولو لبس ثوب الحكمة.
4- الاحتراق الداخلي:
إن العمل إذا انقطع عن نبع الإخلاص، صار جهدًا بلا سكينة، وحركةً بلا بركة؛ يكثر فيه العطاء ويقل فيه الارتواء، فيتعب الجسد، ويضيق الصدر، ويخبو الشغف، لأن القلب لم يعد يستمد قوته من الله؛ بل من تصفيق الناس ونظرهم.
فاحذر هذا الاحتراق، فإن العلاج ليس في تقليل العمل، بل في تصحيح النية، وربط القلب بالله، لتعود الدعوة عبادةً تُحيي صاحبها، لا عبئًا يُثقله ويُفنيه.
5- السقوط المفاجئ:
قد يلمع الاسم، ويكثر الأتباع، ويعلو الصوت… ثم تكشف المحن حقيقة الباطن، فإذا بكل ذلك الزخم يتلاشى، لأن الأصل كان ضعيفًا، والجذر لم يكن ممتدًا في أرض الصدق.
إن الله يمهل ولا يهمل، ويُظهر للناس ما خفي، ليعلموا أن الثبات ليس بكثرة الأتباع، بل بصدق العلاقة مع الله، فاحذر أن يكون صعودك سريعًا بلا أساس، فإن السقوط حينئذٍ يكون أسرع وأشد، ولا نجاة إلا لمن ثبّت قدمه على الإخلاص، فذلك الذي إن ارتفع ثبت، وإن ابتُلي صبر، وإن خذله الناس لم يسقط، لأن ركنه لا يزول.
سادسًا: كيف نحمي أنفسنا؟
1- تجديد النية دائمًا:
إن تجديد النية دائمًا هو حياة القلب وسرّ الثبات في الطريق؛ فالقلب يتقلّب، والنية تبهت إن لم تُسقَ، والعمل يذبل إن لم يُروَ بماء الإخلاص، فكم من عملٍ بدأ لله، ثم تسللت إليه شوائب خفية فغيّرت وجهته دون أن يشعر صاحبه! لذلك كان لزامًا على العاقل أن يقف مع نفسه وقفات صدق، يفتّش فيها عن مقصده قبل قوله، ويُصحّح وجهته قبل عمله، فيسأل قلبه: لمن هذا؟ ولأجل من؟ فإن وجد في نفسه التفاتًا لغير الله، عاد فجدّد، واستغفر، وصحّح المسار.
إن النية ليست كلمة تُقال في البداية، بل عملٌ قلبيّ يتجدّد مع كل خطوة، يُلازم الداعية في سرّه وعلنه، في نشاطه وفتوره، ومن داوم على تجديد نيته، عصمه الله من الانحراف، وبارك له في عمله، وجعل القليل منه عظيمًا، لأن الله إذا علم صدق القصد، تولّى إصلاح الطريق، ورفع شأن صاحبه ولو لم يشعر.
2- تربية القلب على الخفاء:
إن من أعظم ما يُزكّي النفس ويحفظ الإخلاص: تربية القلب على الخفاء؛ أن يكون لك مع الله عملٌ لا يطّلع عليه أحد، ولا تمتد إليه أعين الناس، ولا تُخالطه رغبةُ الثناء، في تلك الخلوات الصادقة، تُبنى حقيقة العبودية، ويصفو القلب من شوائب الرياء، لأن العمل حين يُحجب عن الخلق، يتوجّه بكليّته إلى الخالق، فاجعل لك نصيبًا من طاعةٍ لا يعلمها إلا الله: دمعةٌ في جوف الليل، أو صدقةٌ تُخفى، أو ذكرٌ يفيض به قلبك في صمت… فإن هذه الخبايا هي التي تُقيم علانيتك إذا اضطربت، وتثبّتك إذا زللت.
وما أسرع أن ينكشف من عمر ظاهره، وخرب باطنه، وما أعظم أن يرفع الله عبدًا خفيّ العمل، ظاهر الصدق، لأن سريرته عامرة، فازرع في الخفاء ما تحب أن تحصده في العلن، فإن الله إذا رأى صدقك في السر، تولّى أمرك في العلن، وزيّن ظاهرك بنور إخلاصك.
3- تذكّر زوال الدنيا:
كل ما تراه اليوم من صخبٍ وأتباعٍ وثناء، إنما هو ظلٌّ زائل، وسرابٌ راحل، لا يثبت على حال، ولا يدوم لأحد، وكم من أسماءٍ ملأت الأسماع ثم خفتت، وكم من وجوهٍ ازدحم عليها الناس ثم غابت كأن لم تكن! فأين المادحون؟ وأين المتابعون؟ وأين ذلك الضجيج؟ ذهبوا جميعًا، وبقي العمل بين يدي الله لا ينقص منه شيء.
قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص:60]، فاجعل قلبك أعلى من أن يتعلّق بما يفنى، وأرفع من أن يُفتن بما يزول، وازن أعمالك بميزان الآخرة لا بميزان اللحظة، فإن من استحضر فناء الدنيا، صغر في عينه مدح الناس وذمّهم، واستوى عنده الإقبال والإعراض، لأنه يعلم أن الرحلة قصيرة، وأن الباقي هو ما قُدِّم لله خالصًا، فاعمل لما يبقى، ولا تنشغل بما يفنى، فإن العاقل من باع الزائل بالباقي، وربح رضا الله وإن خسر تصفيق الناس.
4- مصاحبة الصادقين:
إن من أعظم ما يعصم القلب من الانحراف، ويثبّت القدم على طريق الإخلاص: مصاحبة الصادقين؛ أولئك الذين لا يخدعونك بالمدح، ولا يتركونك للهوى، بل يردّونك إلى نفسك إذا غفلت، ويذكّرونك بربك إذا نسيت، صحبتهم نور، وكلامهم ميزان، وأحوالهم تربية صامتة تُصلح ما لا تُصلحه كثرة المواعظ، فهم لا ينظرون إلى صورتك عند الناس، بل إلى حقيقتك عند الله، فإن رأوا خللًا نصحوا، وإن لمسوا انحرافًا قوّموا، لأنهم يريدون لك النجاة لا الشهرة.
وما أسرع أن يضلّ من عاش بين المادحين، وما أثبت من لازم الصادقين؛ إذ بهم تُحفظ النيات، وتُصان القلوب، ويُعرف قدر النفس، فاختر صحبتك بعناية، واجعل حولك من يذكّرك بالله لا بمن يقرّبك من إعجابك بنفسك، فإن المرء على دين خليله، ومن جاور الصادقين صار منهم، ولو بعد حين.
5- قبول النقد:
فالنفس بطبعها تحب المدح وتأنس به، وتضيق بالعتاب وتفرّ منه، ولكن الصادق من جعل مرآته في كلام الناصحين، لا في ثناء المعجبين، فإن النقد الصادق هدية خفية، يكشف العيوب التي تعمى عنها العين، ويوقظ القلب من غفلته، ويعيده إلى جادة الصواب.
أما من أغلق سمعه عن كل ملاحظة، واكتفى بما يوافق هواه، فقد حجب نفسه عن أبواب الإصلاح، وترك خلله ينمو في صمت.
فافرح بمن يهدي إليك عيبك، ولا تنفر ممن يصدقك القول، فإن الذي يجرحك بالحق، خيرٌ ممن يزيّنك بالباطل، واجعل همّك أن تكون أقرب إلى الصواب، لا أن تكون دائمًا على صواب، فإن الرجوع إلى الحق رفعة، والإصرار على الخطأ مهانة، ولو زيّنه المدح وأحاط به الإعجاب.
سابعًا: المفهوم الصحيح للنجاح:
إن المفهوم الصحيح للنجاح ليس كما تصوّره أعين الناس، ولا كما تُروّجه مقاييس الشهرة والانتشار؛ فليس النجاح أن يعلو اسمك، ولا أن تكثر من حولك الجموع، ولا أن تُصفّق لك الآذان؛ بل النجاح الحقيقي أن يثبت قلبك على الإخلاص، وتستقيم كلمتك على الحق، ويكون عملك عند الله مقبولًا، وإن خفي عن الخلق.
إن النجاح في ميزان السماء هو صدقٌ في القصد، وثباتٌ في الطريق، وأثرٌ يُصلح القلوب ولو كان قليلًا، لا ضجيجٌ يملأ الأسماع ثم يزول، فربّ داعيةٍ لم يعرفه الناس، وهو عند الله من المفلحين، وربّ مشهورٍ تُشار إليه الأنظار، وهو عند الله من الخاسرين، لأن العبرة ليست بمن عُرف، بل بمن صَدَق، فاجعل نجاحك أن ترضي الله ولو سخط الناس، وأن تثبت على الحق ولو قلّ السائرون معك، فإن من ربح رضا الله فقد فاز، ولو خسر كل شيء.
واعلم أن الدعوة ليست منصة؛ بل أمانة، وليست عددًا؛ بل عبودية.
***
------------
(1) أخرجه أحمد (3991).
(2) أخرجه النسائي (2527).
(3) فيض القدير (4/ 92).
(4) أخرجه أبو داود (3661).
(5) تفسير ابن كثير (4/ 321).
(6) أخرجه مسلم (220).
(7) أخرجه البخاري (4981).
(8) أخرجه ابن ماجه (4204).
(9) أخرجه أحمد (23630).
(10) إحياء علوم الدين (4/ 364).
(11) أخرجه البيهقي (19896).
