أزمة الأولويات عند الدعاة

إن من أعظم التحديات التي تواجه العمل الدعوي في هذا العصر: أزمة الأولويات، وهي أن يختل ميزان التقديم والتأخير في ذهن الداعية أو في واقع الدعوة؛ فيُقدَّم ما حقه التأخير، ويُؤخَّر ما حقه التقديم، وتُستهلك الطاقات في معارك جانبية بينما تبقى القضايا الكبرى بلا معالجة.
وليس الخطر في قلة الأعمال الدعوية، وإنما في سوء ترتيبها؛ فكم من جهد عظيم ضاع أثره لأنه وُضع في غير موضعه، وكم من طاقات مباركة استُنزفت في الجزئيات بينما كانت الأمة أحوج إلى الكليات.
معنى فقه الأولويات:
فقه الأولويات هو: وضع كل أمر في مرتبته الشرعية الصحيحة، وتقديم الأهم على المهم، والأصل على الفرع، والواجب على المستحب، والمصلحة الكبرى على المصلحة الصغرى.
وهذا الفقه ليس اجتهادًا بشريًا مجردًا؛ بل هو أصل راسخ في الشريعة كلها؛ فالله تعالى جعل للأعمال مراتب، وللواجبات درجات، وللمصالح ميزانًا، قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ} [التوبة: 19].
لقد كان المشركون بمكة يفاخرون دائمًا بأنهم سدنة البيت الحرام يسقون حجيجه، ويعمرونه بالتنظيف والتشييد، والقيام على شئونه وما يحتاج إليه من عمارة، وهم أهل جواره الذين يستقبلون الناس ويتطاولون على الناس بهذه المكانة، حتى إنه ليروى أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه كان يقول قبل إسلامه أو قبل أن يظهر إسلامه لابن أخيه علي بن أبي طالب: تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا، كنا نسقى الحجيج ونعمر البيت، ونطعم الطعام، ونأوي المعاني.
بل إنه يروى أن بعضهم قال لليهود الذين كانوا يمالئونهم على النبي صلى الله عليه وسلم: أينا خير؟ أنحن الذين نقوم بالسقاية والسدانة، ونطعم الطعام، أم محمد؛ فيقول لهم اليهود الذين لم يجر على ألسنتهم قول الحق قط: أنتم (1).
وعن ابن عباس أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم، ويستكبرون به، من أجل أنهم أهله وعماره، فخير الله الإيمان والجهاد مع رسوله صلى الله عليه وسلم على عمارة المشركين البيت، قيامهم على السقاية، وبيّن أن ذلك لا ينفعهم مع الشرك، وأنهم ظالمون بشركهم، لا تغني عمارتهم شيئًا (2).
فليس كل خير في مرتبة واحدة، وإنما تتفاوت الأعمال بحسب مقاصدها وآثارها.
الأولويات في دعوة الأنبياء:
من تأمل دعوات الأنبياء وجد أنهم بدأوا بالأصول قبل الفروع، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ} [النحل: 2].
فجميع الرسل كان أول وأهم ما دعوا إليه هو التوحيد، توحيد الله بالعبادة وتقواه وطاعته وطاعة رسله، وكما ذكر الله عنهم ذلك على سبيل التعميم، فقد ذكر ذلك عن بعضهم على التفصيل: فنوح عليه السلام، قال لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]، وكذلك هود عليه السلام، قال لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 65]، وصالح عليه السلام، قال لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73]، وإبراهيم عليه السلام، قال لقومه: {اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ} [العنكبوت: 16].
فالدعوة إلى التوحيد، والتحذير من الشرك، وصحة العقيدة وسلامتها هما الأصل الأول في دعوة المرسلين، من لدن نوح إلى محمد عليهم السلام، وهذا هو الغاية الأولى التي بها تصلح كل شئون الدنيا والدين، فإذا صحت العقيدة أذعن الناس لله وحده وأطاعوا رسله واستقاموا على شرعه على هدى وبصيرة، ومن ثم يصلح كل شيء من أمورهم الدينية والدنيوية.
وهذا لا يعني أن الرسل لم يهتموا بإصلاح المفاسد الأخرى، ولا أنهم لم يدعوا إلى الفضائل الأخرى؛ بل جاءوا بشرائع ومناهج تسير عليها الأمم وتصلح شئون حياتها الدنيا، وأمروا بالمعروف والإصلاح والعدل، ونهوا عن المنكر والفساد والظلم، وأمروا بكل خير وفضيلة، ونهوا عن كل شر ورذيلة تفصيلًا وإجمالًا.
لكن أعظم الفضائل توحيد الله تعالى وتقواه، وأعظم المفاسد الشرك بالله، وهو الظلم العظيم، فكان ذلك أعظم أول ما أرسل الله به الرسل.
وهكذا كل دعوة لا تقوم على هذا الأساس –في أي زمان وأي مكان– فإنها دعوة قاصرة وناقصة، ويخشى أن يكون نصيبها إما الفشل، وإما الانحراف عن الصراط المستقيم، أو هما معًا؛ لأن هذا أصل عظيم من أصول الدين متى غفلت عنه الأمم وقعت في كارثة الشرك والابتداع، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك (3).
فأول قضية شغلت الأنبياء لم تكن الإصلاح الاقتصادي، ولا السياسي، ولا الاجتماعي، وإنما إصلاح العقيدة وتوحيد الله تعالى.
لقد بقي النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا في مكة يرسخ الإيمان قبل أن تنزل أكثر الأحكام العملية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس» (4).
وهذا فيه التدرّج في الدعوة، وأنه يبدأ بالأهم فالأهم، وهذه طريقة الرسل، أنهم أول ما يبدؤون بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، لأنها الأصل والأساس، الذي يُبنى عليه الدين، فإذا تحققت شهادة أن لا إله إلا الله، فإنه يمكن البناء عليها بالأمور الأخرى، أما إذا لم تحقق شهادة أن لا إله إلا الله، فلا فائدة من بقية الأمور، فلا تأمر الناس بالصلاة وعندهم شرك، ولا تأمرهم بالصيام والصدقة والزكاة وصلة الأرحام وكذا وكذا، وهم يشركون بالله، لأنك لم تضع الأساس أولًا، وهذا بخلاف كثير من دعاة اليوم الذين لا يهتمون بشهادة أن لا إله إلا الله، وإنما يدعون الناس إلى ترك الربا، وإلى المعاملات الحسنة (5).
قال الإمام ابن أبي العز رحمه الله: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل (6).
مظاهر أزمة الأولويات عند بعض الدعاة:
إن من أخطر ما يواجه العمل الدعوي في كل زمان اختلالُ ميزان الأولويات، إذ لا تكمن المشكلة دائمًا في قلة الجهود أو ضعف الإمكانات، وإنما في توجيه الطاقات إلى غير ما ينبغي أن تُوجَّه إليه، فالداعية قد يبذل وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا؛ لكنه ينشغل بقضايا جزئية أو مسائل فرعية على حساب القضايا الكبرى التي تمس عقيدة الناس وإيمانهم وأخلاقهم وسلوكهم، ومن هنا تظهر أزمة الأولويات حين يختلط المهم بالأهم، والوسائل بالمقاصد، والفروع بالأصول، فتفقد الدعوة شيئًا من تأثيرها وفاعليتها.
ومن هنا كان من الضروري الوقوف مع أبرز مظاهر أزمة الأولويات عند بعض الدعاة؛ لتشخيص الداء أولًا، ثم البحث عن العلاج الذي يعيد للدعوة توازنها، ويجعلها أكثر قدرة على تحقيق مقاصدها الشرعية في هداية الناس وإصلاح المجتمعات.
أولًا: الانشغال بالخلافات الجزئية:
ومن أبرز مظاهر أزمة الأولويات عند بعض الدعاة؛ الانشغال المفرط بالخلافات الجزئية والمسائل الفرعية التي وسع فيها الشرع دائرة الاجتهاد، حتى تتحول أحيانًا إلى محور الخطاب الدعوي، وميدان الولاء والبراء، ومعيار الحكم على الأشخاص والجماعات، فتُستنزف الأوقات في مناقشات وجدالات لا يترتب عليها كبير أثر في إصلاح العقائد أو تهذيب الأخلاق أو معالجة مشكلات الأمة، بينما تبقى القضايا الكبرى التي تمس دين الناس وإيمانهم وسلوكهم في دائرة الإهمال أو التقصير.
قال الشاطبي: كل مسألة لا ينبني عليها عمل؛ فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، من حيث هو مطلوب شرعًا، والدليل على ذلك استقراء الشريعة؛ فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملًا مكلفًا به؛ ففي القرآن الكريم: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، فوقع الجواب بما يتعلق به العمل؛ إعراضًا عما قصده السائل من السؤال عن الهلال: لم يبدو في أول الشهر دقيقًا كالخيط، ثم يمتلئ حتى يصير بدرًا، ثم يعود إلى حالته الأولى؟ (7).
عن أنس رضي الله عنه، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها»، قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أنت مع من أحببت» (8).
ومن المؤسف أن يرى العامة بعض الدعاة يتشددون في قضايا يسوغ فيها الخلاف، ويشتد نزاعهم حول هيئات أو جزئيات، في حين تنتشر بينهم مظاهر التقصير في الصلاة، أو ضعف الإيمان، أو التفلت الأخلاقي، أو الجهل بأصول الدين.
قال الشيخ على حسب الله: عامة المشتغلين بالعلوم التي لا يتعلق بها التكليف، ولا ترتبط بها مصلحة دنيوية معتد بها كثيرًا ما يفتنون في دينهم، ويحرفون عن سواء السبيل بسبب توغّلهم في هذه البحوث توغلًا تضطرب به عقولهم، وتفسد فطرهم، وقد ينتهى أمرهم إلى الإلحاد ومحاولة صرف الناس عن التدين، وما لهذا أنزل القرآن ولا بمثله يصلح بنو الإنسان (9).
إن الحكمة تقتضي أن تُعطى كل قضية حجمها الحقيقي، وأن تُوضع المسائل في مراتبها الشرعية؛ فلا يُهمل الحق، ولا تُضخَّم الجزئيات حتى تطغى على الكليات، فالداعية البصير هو الذي يفرق بين ما يُبنى عليه الدين وما يُكمّله، وبين ما يجب الاجتماع عليه وما يسع فيه الخلاف، فيجمع القلوب على الأصول الثابتة، ويعذر في المسائل التي اختلف فيها أهل العلم سلفًا وخلفًا.
وبذلك تبقى الدعوة متجهة إلى أهدافها الكبرى، بعيدة عن المعارك الجانبية التي تستهلك الجهود وتفرق الصفوف.
ثانيًا: تضخيم القضايا الثانوية:
ومن مظاهر أزمة الأولويات عند بعض الدعاة تضخيم القضايا الثانوية وإعطاؤها مساحة من الاهتمام تفوق حجمها الحقيقي في ميزان الشريعة، حتى تبدو للناس وكأنها من أعظم قضايا الدين وأخطرها، فتُستنفد الجهود، وتُعقد المجالس، وتُلقى الخطب والمحاضرات حول مسائل فرعية أو قضايا محدودة الأثر، بينما تُترك القضايا الكبرى التي تمس عقيدة الأمة وعبادتها وأخلاقها وسلوكها دون العناية الكافية.
والشريعة الإسلامية قائمة على التفريق بين مراتب الأعمال والأحكام؛ فليست جميع المسائل في درجة واحدة من الأهمية؛ بل منها ما هو أصل لا يقوم الدين إلا به، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب أو مكمل، ومن الخلل أن يُجعل المكمل في منزلة الأصل، أو أن تُصرف طاقات الدعوة إلى معالجة قضايا جزئية في وقت تعاني فيه الأمة من ضعف الإيمان، وانتشار الجهل، وتفشي المنكرات، وابتعاد كثير من الناس عن تعاليم الدين الأساسية.
فهل من العدل أن نستغرق وقتاً في الحديث عن جزئية، من هذه السنن الواردة في الصلاة؛ كالحديث عن جلسة الاستراحة، أو الحديث عن التورك، أو الحديث عن صفة الهوي إلى السجود، هل يسجد على يديه أولًا، أو على ركبتيه أولًا؟
هل ترى أن من الحكمة أن نستغرق في هذه المسألة ونقتلها بحثًا، ونؤلف فيها عددًا من الكتب، وتكون هي حديثنا في مجالسنا، وهي مجال للمنافرة والمنافسة بين الأقران وبين الطلاب، ويتلقاها صغار طلاب العلم قبل كبارهم؟
وقد يقع بعض الدعاة في هذا المسلك بدافع الحماس أو التأثر بالبيئة المحيطة أو الرغبة في معالجة قضية معينة، لكن النتيجة تكون اختلالًا في الميزان الدعوي؛ إذ ينشأ جيل يظن أن هذه القضايا الثانوية هي محور التدين وعلامته الكبرى، بينما تغيب عنه المقاصد العظمى للإسلام، ولذلك كان من فقه الداعية أن ينزل كل قضية منزلتها، وأن يوجه الناس إلى ما هو أعظم نفعًا وأشد أثرًا في إصلاح دينهم ودنياهم، مقتديًا في ذلك بمنهج الأنبياء عليهم السلام الذين بدأوا بالأصول قبل الفروع، وبالكليات قبل الجزئيات، وبما يحقق أعظم المصالح وأدومها.
ثالثًا: الاهتمام بالمظاهر أكثر من الحقائق:
فتجد العناية منصبة على صورة التدين وهيئته الخارجية أكثر من العناية ببناء القلب وتزكية النفس وترسيخ الإخلاص والخشية والصدق مع الله تعالى، ولا شك أن الإسلام يهتم بالظاهر والباطن معًا، لكن الخلل يقع حين يُجعل الظاهر هو المعيار الوحيد للحكم على صلاح الأفراد والمجتمعات، بينما يُغفل ما وراءه من إيمان وتقوى واستقامة.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يولي القلوب عناية عظيمة؛ لأنها مصدر الأعمال ومنبع السلوك، قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (10)، فصلاح الظاهر الحقيقي ثمرة لصلاح الباطن، أما الاكتفاء بالمظاهر دون إصلاح القلوب فقد يورث تدينًا شكليًا لا يصمد أمام الفتن ولا يثمر أخلاقًا فاضلة وسلوكًا مستقيمًا.
إن الدعوة الناجحة لا تقتصر على إصلاح المظهر؛ بل تسعى إلى بناء الإنسان من داخله، فتغرس الإيمان في قلبه، وتعظم مراقبة الله في نفسه، ثم ينعكس ذلك على جوارحه وسلوكه وأخلاقه، فالعبرة ليست بكثرة الشعارات، وإنما بحقائق الإيمان وآثاره في حياة الناس؛ إذ المقصود من الدين أن يعبد العبد ربه على بصيرة، وأن يتحول الإيمان إلى واقع عملي يزكي النفس ويصلح المجتمع ويقرب العبد من ربه سبحانه وتعالى.
رابعًا: الانشغال بردود الأفعال:
أن تصبح الدعوة أسيرةً لردود الأفعال، تتحرك تبعًا للأحداث الطارئة والضغوط الإعلامية والجدالات المثارة، بدل أن تسير وفق رؤية شرعية واضحة وخطة دعوية متوازنة، فكلما ظهرت قضية جديدة أو أثارت وسائل الإعلام موضوعًا معينًا، انصرف الاهتمام إليه، وأصبحت الخطب والدروس والبرامج تدور في فلكه، ولو كان أقل أهمية من قضايا أخرى أشد حاجة وأعظم أثرًا.
وهذا المنهج يفقد الدعوة توازنها واستقرارها؛ إذ تنتقل من موضوع إلى آخر دون بناء علمي أو تربوي متدرج، فينشغل الداعية بمعالجة النتائج الظاهرة ويغفل عن الأسباب الحقيقية للمشكلات، وقد كان هدي الأنبياء عليهم السلام قائمًا على الثبات على الأهداف الكبرى وعدم الانجرار وراء كل ما يفرضه الواقع من أحداث عابرة، فظلوا يركزون على ترسيخ التوحيد والإيمان وإصلاح النفوس مهما تنوعت التحديات وتبدلت الظروف.
ومن آثار هذا الانشغال أن تضيع المشاريع التربوية طويلة المدى، ويضعف الاهتمام ببناء العقيدة والأخلاق والعلم الشرعي، لأن هذه الجوانب تحتاج إلى صبر واستمرار، بينما تستحوذ القضايا الطارئة على معظم الجهود والاهتمامات، كما قد يؤدي ذلك إلى تشكيل وعي الناس وفق ما تفرضه الأحداث لا وفق ما يقرره الشرع من أولويات، فيظنون أن كل ما يكثر الحديث عنه هو بالضرورة أهم ما تحتاجه الأمة.
لذلك فإن الداعية البصير لا يتجاهل أحداث واقعه؛ لكنه لا يجعلها تقوده وتحدد له مسار دعوته؛ بل يتعامل معها في إطار منهج شرعي واضح، يحافظ من خلاله على الأولويات الكبرى، ويوازن بين معالجة المستجدات ومواصلة البناء الإيماني والتربوي الذي تقوم عليه نهضة الأفراد والمجتمعات.
أسباب أزمة الأولويات:
الأخطاء في ترتيب الأولويات لا تنشأ غالبًا من سوء النية أو ضعف الرغبة في خدمة الدين؛ وإنما قد تكون نتيجة عوامل علمية أو تربوية أو واقعية تؤثر في رؤية الداعية وتقديره للأمور، فربما امتلك الداعية الحماس والإخلاص، لكنه يفتقر إلى البصيرة التي تمكنه من التمييز بين الأهم والمهم، أو بين ما هو أصل وما هو فرع، فيقع الخلل في توجيه الجهود وترتيب الاهتمامات.
ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى ظهور أزمة الأولويات عند بعض الدعاة:
ضعف العلم الشرعي:
فالعلم الشرعي الراسخ يعلّم صاحبه أن التوحيد مقدم على سائر الأعمال، وأن الفرائض مقدمة على النوافل، وأن إصلاح العقائد أولى من الخوض في كثير من المسائل الخلافية والفرعية.
وقد يقود هذا الضعف إلى التشدد في مواضع التيسير، أو التساهل في مواضع الحزم، بسبب عدم الإحاطة بالنصوص الشرعية وجمعها وفهمها على الوجه الصحيح.
ولهذا كان طلب العلم الشرعي من أعظم ما يعين الداعية على فقه الأولويات؛ لأن العلم يمنحه بصيرة نافذة، ورؤية متوازنة، وقدرة على تنزيل الأحكام في مواضعها، فيسير في دعوته على هدى من الله، ويضع كل قضية في منزلتها التي أنزلها الشرع، فلا يطغى فرع على أصل، ولا يزاحم مهمٌّ ما هو أهم منه وأعظم أثرًا، قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]، فالبصيرة أساس الدعوة، والعلم هو سبيلها وركيزتها.
قلة فقه الواقع:
إن الجهل بالواقع قد يدفع الداعية إلى معالجة قضايا لا تمثل أولوية حقيقية في مجتمعه، أو إلى التركيز على مشكلات محدودة بينما تتفاقم قضايا أعظم خطرًا وأشد تأثيرًا، فقد يكون الناس في حاجة ماسة إلى ترسيخ العقيدة، أو معالجة الانحرافات الأخلاقية، أو مواجهة الشبهات الفكرية، فينشغل الداعية بقضايا أخرى أقل أهمية وأضعف أثرًا، ومن هنا ينشأ الخلل في ترتيب الأولويات، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن لم يحسن فهم الواقع لم يحسن توجيه الدعوة إليه.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الناس فقهًا بواقع من يدعوهم؛ فكان يخاطب كل قوم بما يناسب أحوالهم، ويراعي ظروفهم ومستوياتهم، ويختار من الأساليب والموضوعات ما يحقق المقصود الشرعي، ولهذا لما أرسل معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن نبّهه إلى طبيعة القوم الذين سيواجههم فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب...»، ليكون على بصيرة بواقعهم قبل أن يبدأ دعوتهم.
فالداعية الناجح هو الذي يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، فينزل أحكام الشرع على حياة الناس بحكمة وبصيرة، ويضع كل قضية في موضعها الصحيح ضمن سلم الأولويات الدعوية.
التأثر بالضغوط الإعلامية:
فالإعلام المعاصر يمتلك قدرة هائلة على توجيه الانتباه وصناعة القضايا وتضخيم بعض الأحداث، حتى تصبح محور حديث الناس واهتمامهم، بغض النظر عن حجمها الحقيقي أو مكانتها في ميزان الشرع.
وعندما يفقد الداعية استقلالية نظره وبصيرته الشرعية، قد يجد نفسه منقادًا وراء هذه الموجات الإعلامية، فيجعل اهتمامه منصبًا على ما يشغل الرأي العام في لحظته، لا على ما تحتاجه الأمة فعلًا من قضايا الإيمان والعلم والتربية والإصلاح، فتتحول الدعوة من مشروع بناء طويل المدى إلى مجرد ردود أفعال متلاحقة تلاحق الأحداث ولا تقودها، وتتبع اهتمامات الناس بدل أن ترتقي بها وتوجهها.
ففي سيرة ابن هشام: وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير فسلم عليه بتحية النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل»، قال: فأنت -يا رسول الله-العزيز وهو الذليل. ثم قال: يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد استلبته ملكًا.
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أمسوا، ليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين (11).
ولا يعني ذلك تجاهل الأحداث أو القضايا المعاصرة، فالداعية مطالب بفهم ما يدور حوله والتفاعل مع واقع أمته، لكن الواجب أن يكون هذا التفاعل منضبطًا بميزان الشرع وأولوياته، لا بميزان الإعلام وتقلباته، فليست كل قضية تتصدر الشاشات هي القضية الأهم، وليست كل ضجة إعلامية تستحق أن تستأثر بجهود الدعاة واهتماماتهم.
حب الظهور والجدل:
إن النفس البشرية قد تستلذ ثناء الناس والتفافهم حولها، وقد تجد في القضايا المثيرة والجدالات المحتدمة طريقًا سريعًا إلى الشهرة والانتشار، وعندئذٍ قد تتحول بعض الجهود الدعوية من خدمة الحق ونفع الخلق إلى البحث عن الحضور الإعلامي أو الانتصار للنفس والرأي.
ولهذا كان السلف الصالح شديدي التحذير من الجدل الذي لا يقصد به الوصول إلى الحق. قال الله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [غافر: 4]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا» (12).
فالجدل المذموم هو الذي يكون باعثه التعصب أو طلب الغلبة أو حب الشهرة، لا بيان الحق وإرشاد الخلق.
ومن آثار هذا الداء أن ينشغل الداعية بالقضايا التي تثير الجدل وتجذب المتابعين، ويُعرض عن الأعمال التربوية والعلمية الهادئة التي تحتاج إلى صبر وطول نفس، مع أنها أعظم أثرًا وأبقى نفعًا، فيكثر الحديث عن الخصومات والردود، وتقل العناية ببناء العقيدة، وتعليم الناس أمور دينهم، وتزكية نفوسهم، وإصلاح أخلاقهم، وقد تتحول بعض المنابر إلى ساحات للمواجهة والانتقاد، بدل أن تكون منارات للهداية والتوجيه.
ومن هنا فإن معالجة أزمة الأولويات تقتضي مجاهدة النفس ومحاسبتها باستمرار، وتجديد الإخلاص لله تعالى، والحذر من الوقوع في أسر الشهرة والجدل العقيم؛ فإن الدعوة المباركة ليست بكثرة الضجيج والظهور، وإنما بصدق التوجه إلى الله، وحسن التأثير في عباده، والثبات على منهج الأنبياء في الدعوة والإصلاح.
نماذج عملية من السيرة:
وإذا كان الحديث عن فقه الأولويات وأهمية ترتيب الأعمال قد يتجلى في النصوص والقواعد النظرية، فإن أعظم ما يوضح هذا الفقه ويجسده واقعًا عمليًا هو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهي التطبيق الكامل لمنهج الإسلام في تقديم الأهم على المهم، ومراعاة المصالح والمفاسد، والنظر إلى مآلات الأمور ونتائجها، فقد كان صلى الله عليه وسلم مؤيدًا بالوحي، يسير وفق ميزان دقيق يضع كل أمر في موضعه، فلا تستفزه الأحداث، ولا تشغله الجزئيات عن الكليات، ولا تدفعه العواطف إلى ما يخالف الحكمة والمصلحة الشرعية.
النموذج الأول: تأخير هدم الكعبة وإعادة بنائها:
ومن النماذج النبوية العظيمة التي تبرز فقه الأولويات ومراعاة المصالح والمفاسد، موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الكعبة المشرفة، مع أن إعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام كانت مصلحة شرعية عظيمة، فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، ولأدخلت فيها من الحجر» (13).
ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن البناء القائم للكعبة آنذاك ليس على الهيئة التي بناها عليها إبراهيم عليه السلام، وأن إعادتها إلى أصلها أمر مشروع ومحبوب، فإنه لم يقدم على ذلك؛ لأنه نظر إلى ما قد يترتب عليه من آثار سلبية في نفوس الناس الذين أسلموا حديثًا، فقد يظنون أن في الأمر اعتداءً على حرمة الكعبة أو تغييرًا لما اعتادوه وعظموه، مما قد يثير الشبهات والاضطراب في قلوبهم.
وفي هذا الموقف درس بليغ للدعاة والمصلحين، وهو أن نجاح الدعوة لا يقوم على مجرد معرفة الحق؛ بل على معرفة الوقت المناسب والأسلوب المناسب لتطبيقه، فليس كل ما يُعلم أنه حق يُفعل فورًا؛ بل قد تقتضي الحكمة تأجيل بعض المصالح إذا كان في تعجيلها مفسدة أعظم أو فتنة للناس، ولذلك كان من أصول الشريعة النظر في المآلات والعواقب، وتقديم أعظم المصالح، ودرء أكبر المفاسد.
النموذج الثاني: المنافقون في المدينة:
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم نفاق بعض الأشخاص وما يُضمرونه من عداوة للإسلام وأهله، وكانوا يثيرون الفتن وينشرون الشائعات ويسعون إلى إضعاف الصف المسلم، ومع ذلك لم يعاملهم بما يستحقونه من العقوبة الظاهرة، بل راعى مصلحة أعظم وأوسع أثرًا.
فحين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن عبد الله بن أُبيّ: دعني أضرب عنق هذا المنافق، أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا، يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (14).
لقد قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة حماية سمعة الدعوة واستمرار انتشارها على مصلحة معاقبة أفراد بعينهم، مع أن هؤلاء المنافقين كانوا يستحقون الذم والعقوبة، وكان هذا من أعظم صور الحكمة السياسية والدعوية؛ حيث نظر إلى المصلحة العامة للأمة، وإلى ما يترتب على الأفعال من نتائج وآثار بعيدة المدى.
وهكذا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نجاح الدعوة لا يقوم على الحماسة المجردة، وإنما على الحكمة والبصيرة وبعد النظر، وأن الداعية الموفق هو الذي لا ينشغل بالمكاسب الآنية على حساب المصالح الكبرى؛ بل يجعل نصب عينيه حفظ الدين، وجمع الكلمة، وتأليف القلوب، وتحقيق المقاصد العظمى التي جاءت بها الشريعة الغراء.
آثار اختلال الأولويات:
إذا اختل ميزان الأولويات عند الداعية أو في العمل الدعوي عمومًا، فإن آثار ذلك لا تقف عند حدود الخطأ في التقدير أو سوء ترتيب الجهود؛ بل تمتد لتؤثر في مسيرة الدعوة كلها، فتضعف ثمارها، وتتبدد طاقاتها، وتفقد كثيرًا من قدرتها على الإصلاح والتغيير، ذلك أن الأولويات تمثل البوصلة التي توجه العمل الدعوي نحو أهدافه الصحيحة، فإذا انحرفت هذه البوصلة ضلَّت المسيرة، مهما كانت النيات صالحة والجهود كبيرة.
ومن هنا كان اختلال الأولويات سببًا في ظهور جملة من الآثار السلبية التي تعيق نجاح الدعوة وتحد من تأثيرها، ومن أبرزها:
تفرق الصف الدعوي:
إن الخلل في ترتيب القضايا والاهتمامات كثيرًا ما يؤدي إلى تضخيم المسائل الجزئية والخلافية حتى تصبح محورًا للنزاع والخصومة بين العاملين للإسلام، فبدل أن تتجه الجهود إلى مواجهة التحديات الكبرى التي تعاني منها الأمة، تنصرف إلى معارك جانبية تستنزف الطاقات وتورث الشحناء والبغضاء.
وعندما تغيب الأولويات الشرعية يضيق مجال الاتفاق ويتسع مجال الاختلاف، فتُجعل بعض المسائل الاجتهادية أو القضايا الفرعية سببًا للتبديع أو التنازع أو القطيعة، مع أن الواجب أن تبقى دائرة الاجتماع على الأصول والثوابت الكبرى التي جاء بها الكتاب والسنة، وقد نهى الله تعالى عن التفرق والتنازع لما يترتب عليه من ضعف الأمة وفشلها، فقال سبحانه: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
ومن هنا فإن فقه الأولويات يسهم في توحيد الصفوف وجمع الكلمة؛ لأنه يضع كل قضية في منزلتها الصحيحة، ويجعل الدعاة يلتقون على الأصول والكليات والمقاصد الكبرى، ويتسع صدرهم لما يسوغ فيه الخلاف، فتتوجه الطاقات نحو البناء والإصلاح بدل الجدل والتنازع، وتبقى الدعوة قوية بتماسك أهلها ووحدة مقصدهم.
ضياع الجهود:
فحين يغيب فقه الأولويات قد ينشغل الدعاة بمسائل محدودة الأثر، أو بمعارك جانبية، أو بخلافات لا تعود على الأمة بنفع يذكر، بينما تبقى القضايا الكبرى التي تحتاج إلى معالجة وإصلاح دون اهتمام كافٍ.
والدعوة إلى الله تقوم على استثمار الطاقات والإمكانات فيما يحقق أعظم المصالح وأوسعها أثرًا، لأن الموارد البشرية والمالية والزمنية محدودة، ومن الحكمة الشرعية توجيهها إلى ما هو أولى وأهم، أما إذا أُنفقت الأعمار في تتبع الجزئيات، أو الردود المتكررة، أو القضايا الهامشية، فإن الحصيلة تكون ضعيفة مقارنة بما بُذل من جهد، وتفقد الدعوة كثيرًا من فاعليتها وتأثيرها.
لذلك فإن الداعية البصير هو الذي يسأل نفسه دائمًا: هل ما أبذله من جهد يتناسب مع أثره وثمرته؟ وهل ما أعمل عليه اليوم هو مما تحتاجه الأمة فعلًا؟ فإذا استقامت الأولويات حُفظت الطاقات، وأثمرت الجهود، وبارك الله في الأعمال، أما إذا اختل الميزان ضاعت كثير من الإمكانات في طرق لا توصل إلى الغايات المنشودة، مهما كانت النيات حسنة والمقاصد طيبة.
تشويه صورة الدعوة:
إن كثيرًا من الناس لا يعرفون الإسلام من خلال الكتب والدراسات بقدر ما يعرفونه من خلال ما يبرز أمامهم من خطاب الدعاة واهتماماتهم وسلوكهم، فإذا انشغل بعض الدعاة بالقضايا الثانوية، وأعطوها حجمًا أكبر من قدرها الحقيقي، أو أكثروا من الجدل والخلافات، فإن المتابعين قد يظنون أن هذه الأمور هي جوهر الدين ولبُّ رسالته.
ومن صور هذا التشويه أن يرى الناس الدعاة يتنازعون حول مسائل فرعية أو اجتهادية، بينما يقل الحديث عن الإيمان بالله، ومحاسن الأخلاق، وتزكية النفوس، وبر الوالدين، والعدل، والرحمة، والإحسان إلى الخلق، فينشأ لدى بعضهم تصور خاطئ بأن الدين مجموعة من الخلافات والجزئيات، لا رسالة هداية وإصلاح وبناء للحياة والإنسان.
كما أن تضخيم بعض المسائل على حساب غيرها قد يؤدي إلى تقديم صورة غير متوازنة عن الإسلام، فتختفي مقاصده العظيمة وأهدافه الكبرى خلف قضايا محدودة الأثر، وقد حذر الله تعالى من كل ما يصد الناس عن سبيله أو ينفرهم من دينه، فقال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، لأن الحكمة تقتضي وضع كل أمر في موضعه، وتقديم الدين للناس بالصورة التي أرادها الله ورسوله.
ولهذا فإن من واجب الدعاة أن يحرصوا على تقديم الإسلام كما جاء به الوحي: دينًا شاملًا يجمع بين العقيدة والعبادة، والأخلاق والمعاملة، والرحمة والعدل، والتزكية والإصلاح، فكلما استقامت الأولويات ظهرت حقيقة الدين وجماله، وأصبحت الدعوة أكثر قبولًا وتأثيرًا في النفوس، وأقرب إلى تحقيق مقاصدها في هداية الناس وإرشادهم إلى صراط الله المستقيم.
ضعف التأثير في المجتمع:
فالدعوة إنما وجدت لإصلاح الناس، وتقويم السلوك، وترسيخ الإيمان، وبناء مجتمع يسير على هدي الله تعالى، فإذا انشغل الدعاة بما ليس من أولويات الواقع، أو صرفوا جهودهم إلى قضايا محدودة الأثر، فإن قدرتهم على إحداث التغيير الحقيقي في المجتمع تضعف، مهما كثرت الأنشطة والبرامج وتعددت الوسائل.
ومن مظاهر هذا الضعف أن تكثر الخطب والمحاضرات والبرامج الدعوية، بينما لا يظهر تحسن ملموس في مستوى التدين والأخلاق والعلاقات الاجتماعية، والسبب في كثير من الأحيان ليس قلة الجهد؛ بل عدم توجيهه إلى ما يحقق أعظم النفع وأكبر الأثر، فكم من مشروع دعوي استهلك سنوات من العمل، لكنه لم يلامس القضايا الجوهرية التي يحتاجها المجتمع، فكانت نتائجه أقل من المأمول.
ومن هنا فإن فقه الأولويات يعد من أهم أسباب نجاح الدعوة وتأثيرها؛ لأنه يوجه الجهود نحو ما يحتاجه الناس فعلًا، ويجعل العمل الدعوي أكثر واقعية وفاعلية، فتظهر آثاره في صلاح الأفراد، واستقامة الأسر، وتماسك المجتمع، وانتشار الخير والفضيلة بين الناس، أما إذا اختل هذا الفقه، فإن الدعوة قد تبذل الكثير من الجهد، لكنها لا تحقق من النتائج إلا القليل.
كيف نعالج أزمة الأولويات؟
إن علاج هذه المشكلة لا يكون بالشعارات العامة، وإنما بالرجوع إلى الأصول التي أرساها القرآن الكريم والسنة النبوية، واستحضار منهج الأنبياء في الدعوة والإصلاح، مع الأخذ بالأسباب العلمية والتربوية التي تعين على حسن التقدير وترتيب الأعمال.
فأزمة الأولويات في حقيقتها أزمة فقه وبصيرة، وكلما ازداد الداعية علمًا بالله وبدينه، وفهمًا لمقاصد الشريعة، وإدراكًا لواقع الناس وحاجاتهم، كان أقدر على وضع كل قضية في منزلتها الصحيحة، وتوجيه جهوده إلى ما يحقق أعظم المصالح وأبقى الآثار.
ومن أهم الوسائل التي تعين على معالجة هذه الأزمة:
أولًا: الرجوع إلى القرآن والسنة
إن الوحي هو الميزان الذي تُوزن به الأعمال، وتُعرف به مراتب الأحكام، وتُضبط به اتجاهات الدعوة ومساراتها، فكل انحراف في ترتيب الأولويات إنما سببه في الغالب ضعف الصلة بالوحي أو عدم استيعاب دلالاته ومقاصده على الوجه الصحيح.
فالقرآن الكريم لم يأتِ بمجرد أوامر ونواهٍ متفرقة؛ بل رسم منهجًا متكاملًا يبين ما هو أصل في الدين وما هو فرع، وما هو ثابت وما هو متغير، وما هو مقصد كلي وما هو وسيلة، ومن تأمل آياته وجد أن أعظم ما اعتنى به هو توحيد الله تعالى، وتصحيح العقيدة، وبناء الإيمان في القلوب، ثم تأتي بعد ذلك سائر التشريعات والأحكام في سياق متوازن يحقق مصالح العباد في الدنيا والآخرة.
فكلما ازداد الداعية اتصالًا بالقرآن والسنة ازداد بصيرة في ترتيب الأعمال، ووضوحًا في تحديد ما يُقدم وما يُؤخر، واستقامة في توجيه جهوده الدعوية، وبذلك تعود الدعوة إلى منهجها الأصيل القائم على الهداية والبصيرة والحكمة، بعيدًا عن العشوائية وردود الأفعال أو تضخم القضايا الثانوية على حساب الأصول الكبرى.
ثانيًا: طلب العلم الراسخ:
فالعلم الراسخ يورث صاحبه بصيرة نافذة تُمكّنه من التفريق بين الأصول والفروع، وبين القضايا الكبرى التي يقوم عليها صلاح الدين والدنيا، والمسائل الجزئية التي لا ينبغي أن تستنزف الجهود والاهتمامات، ولذلك كان العلماء الربانيون أكثر الناس اتزانًا في الدعوة، وأحسنهم ترتيبًا للأولويات، لأنهم ينظرون إلى النصوص الشرعية نظرة شاملة تجمع بين الدليل ومقاصده، وبين الحكم ونتائجه.
إن الداعية حين يطلب العلم الشرعي على وجهه الصحيح، ويتدرج في تحصيله، ويجمع بين فهم النصوص وفقه الواقع، فإنه يكتسب قدرة على ضبط الأولويات وتوجيه الجهود نحو ما يحقق مقاصد الشريعة الكبرى، وبذلك يصبح أكثر حكمة في خطابه، وأدق في اختياراته، وأبعد عن الانشغال بالقضايا الثانوية على حساب القضايا الجوهرية التي تمس حاجة الأمة وواقعها.
ثالثًا: معرفة حاجات الناس:
فالداعية الذي يجهل واقع الناس قد يركز على قضايا لا تمثل أولوية في بيئته، بينما تكون هناك حاجات ملحّة تمس عقائدهم أو أخلاقهم أو سلوكهم اليومي، فتضيع بذلك فرصة الإصلاح الحقيقي، أما إذا أحسن فهم المجتمع، فإنه يقدّم ما يحتاجه الناس فعلًا، ويعالج جذور المشكلات لا مظاهرها فقط، فيكون تأثيره أعمق وأبقى.
ومن هنا فإن الداعية الناجح هو الذي لا ينفصل عن مجتمعه، بل يعيش همومه، ويتلمس احتياجاته، ويستمع إلى مشكلاته، ثم يربط ذلك كله بميزان الشرع ومقاصده، وبهذا يتحقق فقه الأولويات على الوجه الصحيح، حيث تُقدَّم القضايا التي تمس حياة الناس ودينهم أولًا، وتُؤخر ما دونها، فتكون الدعوة أقرب إلى الواقع، وأقدر على الإصلاح والتغيير الإيجابي.
فليس من الحكمة أن نخاطب مجتمعًا غارقًا في الشهوات بنفس الخطاب الذي يُوجَّه إلى طلاب العلم.
رابعًا: التركيز على بناء الإنسان:
إن بناء الإنسان في المنهج الدعوي يبدأ بتصحيح العقيدة وتثبيت التوحيد، ثم غرس الإيمان ومراقبة الله تعالى في القلوب، ثم تربية النفس على العبادات والأخلاق الفاضلة، كالصدق والأمانة والصبر والرحمة والإحسان، وهذه الجوانب هي الأساس الذي تقوم عليه جميع صور الإصلاح الأخرى، الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.
ومن هنا فإن الداعية الذي يعي هذه الحقيقة يجعل جلّ جهده في بناء القلوب قبل كثرة البرامج، وفي صناعة الوعي قبل كثرة الجدل، وفي ترسيخ القيم قبل الانشغال بالفروع، وبذلك يستقيم ميزان الأولويات، وتصبح الدعوة أكثر عمقًا وأثرًا، لأن التغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان، فإذا صلح الإنسان صلحت الأمة تبعًا لذلك بإذن الله تعالى.
خامسًا: الموازنة بين المصالح والمفاسد:
تُعد الموازنة بين المصالح والمفاسد من أهم القواعد الشرعية التي يُعالج بها اختلال الأولويات عند الدعاة؛ إذ ليست كل مصلحة تُطلب على الإطلاق، ولا كل مفسدة تُدفع على كل حال؛ بل الشريعة مبناها على تحصيل أعظم المصالح الممكنة ودفع أعظم المفاسد بحسب الاستطاعة والظروف، ومن هنا كان فقه الموازنات ميزانًا دقيقًا يضبط حركة الدعوة ويمنعها من الاندفاع غير المنضبط أو الجمود غير المثمر.
فقد يقع الداعية أحيانًا في معالجة أمرٍ صحيح في أصله، لكنه يؤدي إلى مفسدة أعظم إذا أُسيء تقديره أو لم تُراعَ ظروفه وملابساته، كما قد يُترك أمرٌ فيه مصلحة شرعية معتبرة إذا كان في تعجيله ضرر أكبر على الناس أو على استقرار الدعوة، ومن هنا تظهر الحاجة إلى النظر في العواقب والمآلات قبل اتخاذ المواقف أو تبنّي القضايا.
ولهذا فإن الداعية البصير لا ينظر إلى الحكم الشرعي مجردًا عن سياقه؛ بل ينظر إليه مع ظروف تطبيقه ونتائجه، حتى لا يؤدي التسرع أو ضعف التقدير إلى نتائج عكسية تضر بالدعوة أكثر مما تنفعها. وبذلك يتحقق التوازن الشرعي في العمل الدعوي، وتُصان الأولويات من الاضطراب، وتُوجَّه الجهود نحو ما يحقق أعظم الخير للأفراد والمجتمعات.
وقفة للدعاة:
إن الدعوة إلى الله شرف عظيم، ومسؤولية جسيمة، لكنها في الوقت نفسه أمانة تحتاج إلى بصيرة قبل الحماس، وإلى حكمة قبل كثرة العمل، وإلى فقهٍ يضبط المسار قبل تعدد الجهود، فليس كل ما يُعلم يُقال في كل وقت، وليس كل ما هو حق يُقدَّم على غيره في كل حال، وإنما النجاح في الدعوة مرتبط بحسن ترتيب الأولويات، ومعرفة ما يُقدَّم وما يُؤخَّر، وما يُشدَّد فيه وما يُوسَّع فيه.
إن الأمة اليوم لا ينقصها كثرة الأصوات، بقدر ما تحتاج إلى وضوح المنهج، وسلامة التوجيه، وتركيز الجهود على القضايا الكبرى التي تُصلح الإيمان وتُقيم الأخلاق وتُبني الإنسان من داخله، فكم من طاقاتٍ استُهلكت في الجدل، وكم من أوقاتٍ ضاعت في مسائل فرعية، بينما بقيت ميادين التربية والإصلاح والبناء في حاجة ماسة إلى من ينهض بها بصدق وإخلاص.
فاتقوا الله في جهودكم، وراقبوا مقاصدكم، وجددوا نياتكم، واجعلوا معياركم في العمل هو ما يرضي الله ويحقق أعظم النفع لعباده، واعلموا أن الداعية الناجح ليس الأكثر جدلًا، ولا الأوسع انتشارًا؛ بل هو الأصدق أثرًا، والأحكم توجيهًا، والأقرب إلى منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله بالحكمة والبصيرة.
