أجود ما يكون في رمضان

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة (1).
هذا الحديث قاعدة في الجود النبوي، والجود في الشرع كما عرفه الحافظ ابن حجر رحمه الله بأنه: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة (2).
والجود: كثرة العطاء من غير سؤال للناس والتعفف عما لديهم، أي بمعنى آخر بذل الكثير وإبقاء القليل، والجَوَاد: هو الذي يعطي بلا مسألة؛ صيانة للآخذ من ذل السؤال ويُفَسَّر الجود أيضًا بالسَّخاء (3).
إن الجود من الأخلاق العريقة القديمة التي عرفها منذ الأزل أصحاب النفوس العظيمة فاعتنقوها في تعاملاتهم، ومدحوا بها ساداتهم، وجعلوها دليل الرفعة والفخار وغاية المجد، لما فيها من علو الهمم.
فالله جواد يحب الإحسان ويحب العطاء، ويحب أن يتفضل على عبده، فالفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه أن يجود على عباده ويوسع عليهم فضله، ويغمرهم بالإحسان وبالجود سبحانه وتعالى، ويتم عليهم النعمة، ويضاعف لديهم المنة، ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، فهو الجواد لذاته، وجود كل جواد خلقه الله أبدًا، فليس الجود على الإطلاق إلا له، وجود كل جواد فمن جوده، ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر ببالك.
وقال النووي: في الحديث فوائد؛ منها الحث على الجود في كل وقت، ومنها الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لفعلاه (4).
قال ابن رجب: فدلك هذا على أنه صلى الله عليه وسلم أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم، وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولم يزل صلى الله عليه وسلم على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق (5)، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافًا كثيرة.
وفي الصحيحين عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس (6).
وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة (7).
وفي رواية: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها (8).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: جاءت امرأة ببردة، قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، اكسنيها، فقال: «نعم»، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، ثم رجع، فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلًا، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه (9).
وكان جوده صلى الله عليه وسلم كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع (10).
عن المقداد، قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «احتلبوا هذا اللبن بيننا»، قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه، قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا، ويسمع اليقظان، قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب.
فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل، قال: ندمني الشيطان، فقال: ويحك، ما صنعت أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك فتذهب دنياك وآخرتك، وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت.
قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي فأهلك، فقال: «اللهم، أطعم من أطعمني، وأسق من أسقاني»، قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي، وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن، فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أشربتم شرابكم الليلة»، قال: قلت: يا رسول الله، اشرب، فشرب، ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله، اشرب، فشرب، ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إحدى سوآتك يا مقداد»، فقلت: يا رسول الله، كان من أمري كذا وكذا وفعلت كذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها»، قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس (11) .
تأمل موقف النبي صلى الله عليه وسلم من مقداد بعد أن علم فعلته، لم يعاتبه ولم يؤنبه أو يؤدبه؛ بل تغاضى عن الأمر برمته صلى الله عليه وسلم.
قال النووي: وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم والأخلاق المرضية والمحاسن المرضية، وكرم النفس والصبر والإغضاء عن حقوقه، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن نصيبه من اللبن (12).
في صحيح البخاري، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلة من حنين، فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا» (13).
قال ابن المنير: وفي جمعه عليه الصلاة والسلام بين هذه الصفات لطيفة؛ وذلك لأنها متلازمة، وكذا أضدادها الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة؛ فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسب سيفه فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد؛ لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، وقوله: «لو كان لي عدد هذه العضاه» تنبيه بطريق الأولى لأنه إذا سمح بمال نفسه، فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى واستعمال، ثم هنا بعد ما تقدم ذكره ليس مخالفًا لمقتضاها، وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد بثم هنا الدلالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنما التراخي هنا لعلوّ رتبة الوصف كأنه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل، ونحو ذلك (13).
قوله: وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، فيه الترغيب في الجود في كل وقت، واستحباب الإكثار منه في شهر رمضان.
وكان جوده صلى الله عليه وسلم يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضًا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة.
وفي تضاعف جوده صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله وهو يذكر أسباب مضاعفة الأجر للأعمال، ومنها: شرف الزمان، كشهر رمضان، وعشر ذي الحجة (14).
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم كما أن: «من جهز غازيًا في سبيل الله، فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير، فقد غزا» (16)، وعن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا» (17).
قال الطبري: وفيه من الفقه أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر فللمعين عليه أجر مثل العامل، وإذا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من جهز غازيًا فقد غزا، فكذلك من فطر صائمًا أو قواه على صومه، وكذلك من أعان حاجًا أو معتمرًا بما يتقوى به على حجه أو عمرته حتى يأتي ذلك على تمامه فله مثل أجره، ومن أعان فإنما يجيء من حقوق الله بنفسه أو بماله حتى يغلبه على الباطل بمعونة فله مثل أجر القائم، ثم كذلك سائر أعمال البر، وإذا كان ذلك بحكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على معاصي الله وما يكرهه الله، للمعين عليها من الوزر والإثم مثل ما لعاملها، ولذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع السيوف في الفتنة، ولعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وكذلك سائر أعمال الفجور (18)
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر، والله تعالى يرحم من عباده الرحماء، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» (19).
وفيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لرحمة الله عز وجل بكل وسيلة، {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»، إشارة إلى أن جزاء الله من جنس العمل، فلما كان هذا الإنسان راحمًا لعباد الله كان الله تعالى راحمًا له، لأن الله تعالى في حاجة العبد إذا كان العبد في حاجة أخيه (20).
فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث.
والصيام والصلاة والصدقة توصل صاحبها إلى الله عز وجل، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة» (21).
ومنها: أن الصيام عمل بشري لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص؛ فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات (22).
قال الزمخشري: صدقة الفطر زكاة إلا أن بينها وبين الزكاة المعهودة أن تلك تجب طهرة للمال وهذه طهرة لبدن المؤدي كالكفارة (23).
ومنها: أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها، ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر؛ لأن الطعام يكون محبوبًا له حينئذ فيواسي منه حتى يكون من أطعم الطعام على حبه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له ورده عليه بعد منعه إياه، فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها وسئل بعض السلف: لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع، وهذا من بعض حكم الصوم وفوائده (24).
واعلم أن المؤمن، يجتمع له في شهر رمضان جهادان: جهاد لنفسه بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما وفِّي أجرُه بغير حساب.
وعن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فيشفعان» (25).
قوله: «فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجود بالخير من الريح المرسلة»، وفيه أن الثمرة العظمى لقراءة القرآن أن يظهر أثرها على القارئ في أخلاقه وأعماله، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه (26).
ولما كان رمضان موسمًا من مواسم الخيرات والقربات، والتنافس في اكتساب الحسنات، والتسابق في رقي الدرجات كان له هذه المزية من الجود النبوي الذي صوره لنا هذا الحديث ومن ذلك:
1- الجود بالعبادة:
رمضان موسم من مواسم العبادة والطاعة، ولهذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيه مزيد أهمية، فيكثر فيه من الطاعات والعبادات، حتى أنه في ثلثه الأخير يتفرغ لعبادة ربه ومناجاته، فيعتكف في تلك الليالي المباركة في مسجده تقربًا إلى الله تعالى.
إن الصيام والقيام وقراءة القرآن وذكر الله والدعاء والعمرة والصدقة كل ذلك من العبادات والطاعات التي هي من مظاهر الجود وغنى النفس بالعبادة، ولهذا كان من بديع ربط الحافظ ابن حجر رحمه الله بين الجود ومدارسة القرآن التي أشار لها الحديث قوله: قيل الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس والغنى سبب الجود (27).
2- الجود بقراءة القرآن:
وقراءة القران جزء من الجود بالعبادة، لكن إفرادها هنا لمزية خاصة بهذا الشهر ذكرت في الحديث: «حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن»، ومن هنا فهم الإمام النووي رحمه الله هذا المعنى فقال وهو يعدد فوائد هذا الحديث: واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لفعلاه (28).
إن رمضان فرصة عظيمة للنهل من معين القران الكريم قراءة وحفظًا وتدبرًا، لقد أنزل القرآن في هذا الشهر العظيم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
ففي الآية الكريمة كما ذكر الإمام ابن كثير: هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه، {وَبَيِّنَاتٍ}، أي: ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال، والحرام (29).
3- الجود بالمال والصدقة:
وكما تحدثنا عن الجود بقراءة القرآن؛ فكذلك الجود بالمال والصدقة يدخل تحت الجود بالعبادة، لكن إفراده أيضًا لميزة خاصة للجود المالي في رمضان وهذا يظهر من جوانب:
النص على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان (أجود الناس) فقد كان صلى الله عليه وسلم كريمًا معطاءً، يجود بالمال والعطاء بفعله وقوله يعطي صلى الله عليه وسلم عطاء من لا يخشى الفقر، قال الله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245].
عاقبة الجود:
الجود هو مفتاح الأرزاق وليس العكس كما يظن الناس، ففي صحيح مسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه» (30).
الجود يؤلف القلوب ويزيل الكراهية والبغضاء:
عن ابن شهاب، قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب، أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (31).
وكان صفوان بن أميه أحد رؤوس قريش الذين كانوا يظاهروا العداء للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما كانت الغلبة للمسلمين؛ أسلم مع من أسلم على غضاضة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتألفه بجوده.
فالإحسان يزيل البغضاء والكراهية، لذلك دائمًا تألف الذي بينك وبينه عداوة بمثل ذلك.
قال الماوردي في أدب الدين والدنيا: قال بعض الحكماء: الجود حارس الأعراض، وقال بعض الأدباء: من جاد ساد، ومن أضعف ازداد، وقال بعض الفصحاء: جود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده (32).
ويظهر عيب المرء في الناس بخله ويستره عنهم جميعًا سخاؤه
تغط بأثواب السخاء فإنني أرى كل عيب والسخاء غطاؤه
وقال مالك بن دينار: المؤمن كريم في كلّ حالة؛ لا يحبّ أن يؤذي جاره، ولا يفتقر أحد من أقربائه، قال: ثمّ يبكي مالك وهو يقول: وهو مع ذلك غنيّ القلب لا يملك من الدنيا شيئًا، إن أزلّته عن دينه لم يزلّ، وإن خدعته عن ماله انخدع، لا يرى الدّنيا من الآخرة عوضًا، ولا يرى البخل من الجود حظًّا، منكسر القلب ذو هموم قد تفرّد بها، مكتئب حزين ليس له في فرح الدّنيا نصيب، إن أتاه منها شيء فرّقه وإن زوي عنه كلّ شيء فيها لم يطلبه ويبكي ويقول: هذا والله الكرم، هذا والله الكرم (33).
والجود ينفع البدن، وهذا ينطبق عليه حديث النبي صلَّ الله عليه وسلم: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (34).
السلامى جمع سلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع وقيل واحده وجمعه سواء ويجمع على سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان وقيل السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام المعنى على كل عظم من عظام بن آدم صدقة.
وقال الخطابي: إن كل عضو ومفصل من بدنه عليه صدقة (35).
قال عياض: يعني أن كل عظم من عظام ابن آدم، وكل مفصل من مفاصله يصبح سليمًا عن الآفات، باقيًا على الهيئة التي تتم بها منافعه؛ فعليه صدقة شكرًا لمن صوره ووقاه عما يغيره ويؤذيه (36).
***
-----------
(1) أخرجه البخاري (6).
(2) فتح الباري لابن حجر (1/ 31).
(3) تاج العروس (7/ 527).
(4) فتح الباري لابن حجر (1/ 31).
(5) أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160).
(6) أخرجه البخاري (2820)، ومسلم (2307).
(7) أخرجه مسلم (2312).
(8) أخرجه مسلم (2312).
(9) أخرجه البخاري (2093).
(10) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 164).
(11) أخرجه مسلم (2055).
(12) شرح النووي على مسلم (14/ 15).
(13) أخرجه البخاري (2821).
(14) شرح القسطلاني (5/ 54).
(15) لطائف المعارف (ص: 168).
(16) أخرجه البخاري (2843)، ومسلم (1895).
(17) أخرجه الترمذي (807).
(18) شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/ 51).
(19) أخرجه البخاري (7448).
(20) شرح رياض الصالحين (4/ 525).
(21) أخرجه مسلم (1028).
(22) أخرجه أبو داود (1609).
(23) فيض القدير (4/ 64).
(24) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 166).
(25) أخرجه الحاكم (2036).
(26) فتح الباري لابن حجر (1/ 31).
(27) المصدر السابق.
(28) فتح الباري لابن حجر (1/ 31).
(29) تفسير ابن كثير (1/ 502).
(30) أخرجه مسلم (2984).
(31) أخرجه مسلم (2313).
(32) أدب الدنيا والدين (ص: 184).
(33) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا (ص: 54).
(34) أخرجه مسلم (720).
(35) عون المعبود وحاشية ابن القيم (4/ 116).
(36) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 350).
