logo

آفة الحسد بين العاملين للإسلام


بتاريخ : السبت ، 4 صفر ، 1448 الموافق 18 يوليو 2026
آفة الحسد بين العاملين للإسلام

إن من أخطر الأمراض التي تتسلل إلى القلوب في صمت، حتى إذا تمكنت منها مزقتها وأفسدت صفاءها، وأحرقت حسناتها، مرضُ الحسد، وهو داءٌ قديم، كانت أول جريمة في الأرض بسببه، وأول معصية في السماء كان للشيطان نصيب منها حين حسد آدم عليه السلام.

وإذا كان الحسد مذمومًا في عامة الناس، فإنه بين العاملين للإسلام أشد خطرًا؛ لأنه لا يفسد قلب صاحبه وحده؛ بل يفسد الدعوة كلها، ويزرع الشقاق بين صفوف الدعاة، ويصد الناس عن سبيل الله، ويجعل المعارك داخل الصف أعظم من المعارك مع الأعداء.

أولًا: حقيقة الحسد:

الحسد هو تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، بخلاف الغبطة فإنها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط، والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود. وهو نوعان: أحدهما كراهة للنعمة عليه مطلقًا فهذا هو الحسد المذموم، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه فيكون ذلك مرضًا في قلبه، ويلتذ بزوال النعمة عنه وإن لم يحصل له نفع بزوالها.

والنوع الثاني: أن يكره فضل ذلك الشخص عليه فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه؛ فهذا حسد وهو الذي سموه الغبطة.

ثم إن الحسد على درجات: الأولى أن يحب الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم وإن كانت لا تنتقل إليه؛ بل يكره إنعام الله على غيره ويتألم به، الثانية: أن يحب زوال تلك النعمة لرغبته فيها رجاء انتقالها إليه، الثالثة: أن يتمنى لنفسه مثل تلك النعمة من غير أن يحب زوالها عن غيره؛ وهذا جائز وليس بحسد وإنما هو غبطة، والحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: أحدها اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام، الثانية سوء الأدب مع الله تعالى، فإن حقيقة الحسد كراهية إنعام الله على عبده واعتراض على الله في فعله، الثالثة تألم قلبه من كثرة همه وغمه (1).

قال الغزالي: اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان:

إحداهما: أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسدًا، فالحسد حده كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه.

الحالة الثانية: أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهي لنفسك مثلها، وهذه تسمى غبطة، وقد تختص باسم المنافسة، وقد تسمى المنافسة حسدًا والحسد منافسة ويوضع أحد اللفظين موضع الآخر ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني.

فأما الأول فهو حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق، فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها، فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ولو أمنت فساده لم يغمك بنعمته (2).

عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (3)، أي: لا غبطة محمودة إلا في هذين الأمرين.

فلم يتمن أن يسلب صاحب المال ماله، أو صاحب الحكمة حكمته، وإنما تمنى أن يصير في مثل حاله، من تفعل الخير، وتمنى الخير والصلاح جائز وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار (4).

ثانيًا: لماذا يكثر الحسد بين العاملين للإسلام؟

قد يتساءل البعض: كيف يحسد الداعية أخاه؟ وكيف يغار طالب العلم من زميله؟ وكيف ينافس المصلح أخاه حتى يتمنى سقوطه؟

والجواب أن الانتساب إلى الدعوة لا يعصم صاحبه من آفات النفوس، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، والنفس البشرية مجبولة على حب المنزلة والثناء والتقدُّم، ولا ينجو من غوائلها إلا من زكَّاها بالإخلاص، وجاهدها بالمراقبة والمحاسبة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].

بل إن الشيطان قد يجعل ميدان الدعوة نفسه بابًا للدخول إلى القلوب، فيحوِّل التنافس في الطاعات إلى تنافس على المكانة، والرغبة في خدمة الدين إلى رغبة في تصدُّر المجالس، والحرص على نفع الناس إلى حرص على كثرة الأتباع والثناء، فإذا رأى أحدُ العاملين أخاه قد فُتح له باب من القبول، أو انتفع الناس بعلمه، أو التفَّ الشباب حوله، أو أُسندت إليه مسؤولية دعوية، تسللت إليه خواطر الحسد من حيث لا يشعر.

ومن هنا كان خطر الحسد بين العاملين للإسلام أعظم من خطره بين عامة الناس؛ لأن أثره لا يقف عند صاحبه؛ بل يتعداه إلى الدعوة كلها، فقد يُفسد علاقة الإخوة، ويزرع الشكوك بين العاملين، ويعطل المشاريع، ويفرق الصفوف، ويُشغل الدعاة ببعضهم عن رسالتهم، حتى تتحول الطاقات التي كان ينبغي أن تُوجَّه إلى بناء الأمة إلى صراعات داخلية تستنزف الجهود وتُفرح الأعداء.

وقد قال تعالى في وصف أهل الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].

ومن المؤلم أن كثيرًا من المشاريع الدعوية لم تُهزم بقوة خصومها، وإنما نال منها ما نال بسبب أمراض النفوس، وفي مقدمتها الحسد والتنافس على الجاه والرياسة، ولذلك فإن الحديث عن هذه الآفة ليس تشهيرًا بالعاملين للإسلام، وإنما هو لون من ألوان المصارحة التربوية، التي تُشخِّص الداء لتصف الدواء، وتحفظ للصف الدعوي وحدته، وللقلوب صفاءها، وللأعمال بركتها وقبولها عند الله تعالى.

ومن أبرز الأسباب التي تؤدي إلى انتشار الحسد بين الدعاة والمصلحين، ما يلي:

1- حب الظهور:

وهو داءٌ خفيٌّ يتسلل إلى القلوب في ثيابٍ قد تبدو صالحة، حتى يظن صاحبه أنه يعمل لله تعالى، بينما يكون قلبه قد تعلَّق بنظر الناس وثنائهم أكثر من تعلقه برضا الله سبحانه.

والعمل للدين يضع صاحبه في مواطن يكثر فيها الثناء والتقدير؛ من خطابة، وتعليم، وإمامة، وتأليف، وإصلاح بين الناس، فيجد الشيطان في ذلك مدخلًا واسعًا، فيزيِّن للنفس أن تكون هي المتصدرة، وأن يُشار إليها بالبنان، وأن يكون ذكرها على كل لسان، فإذا تقدَّم غيره، أو فُتح لأخيه من القبول ما لم يُفتح له؛ ضاق صدره، وربما وجد في قلبه مرارةً لا يدري مصدرها، وهي بذرة الحسد التي بدأت تنبت في أعماقه.

وقد نبَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خطورة التنافس على الجاه والرياسة، فقال: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (5)، فحبُّ الشرف والسمعة قد يفسد الدين كما تفسد الذئاب الجائعة القطيع، لأنه يحوِّل العبادة إلى وسيلة للمجد الشخصي، والدعوة إلى ميدان للمنافسة على الألقاب والمكانة.

قال الإمام الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم، ولم يُنسب إليَّ منه شيء (6)، إنها إعلان صريح بأن غاية العالِم ليست أن يُعرف، وإنما أن يُعرف الحق، وأن ينتشر الخير، ولو لم يُذكر اسمه أبدًا.

ومن علامات حب الظهور أن يحزن المرء إذا برز غيره، أو يضيق إذا كثر الثناء على أخيه، أو يسعى إلى التقليل من نجاحه، أو يتمنى أن تخلو الساحة له وحده؛ وهذه كلها صور من الحسد، منشؤها تعظيم النفس، لا تعظيم الرسالة.

أما المخلص حقًا، فإنه يفرح بكل نجاح يحققه إخوانه؛ لأنه ينظر إلى الدعوة نظرةً شمولية، فهو يعلم أن المقصود هو رفعة الإسلام، لا رفعة الأشخاص، وأن الدعاة جنودٌ في ميدان واحد، فإذا تقدم أحدهم فقد تقدمت الدعوة كلها.

2- التنافس على المكانة:

الأصل أن المؤمن يتنافس مع إخوانه في الطاعات، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، فهذا تنافسٌ محمود، غايته تعظيم العمل الصالح، لا تعظيم العامل، ورفع راية الدين، لا رفع اسم الإنسان.

لكن الخلل يبدأ حين تتحول الأنظار من الرسالة إلى المنزلة، ومن الإخلاص لله إلى الحرص على المكانة بين الناس، فيصبح همُّ بعض العاملين: من يتصدر المجلس؟ ومن يخطب الجمعة؟ ومن تُسند إليه المسؤوليات؟ ومن يُستشار؟ ومن تكثر حوله الأتباع؟ فإذا رُشِّح غيره، أو قُدِّم أخوه، أو ذاع صيته، اضطرب قلبه، وربما وجد في نفسه ضيقًا لا يملك له تفسيرًا، وهو في حقيقته حسدٌ لبس ثوب الحرص على المصلحة.

ولقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الإمارة والرياسة، فقال لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعِنت عليها» (7)، قال الطيبي: أي فوضت إلى الإمارة، ولا شك أنها أمر شاق لا يقوم بها أحد بنفسه من غير معاونة من الله إلا أوقع نفسه في ورطة خسر فيها دنياه وعقباه، وإذا كان كذلك فلا يسألها اللبيب الحازم (8).

فالمؤمن لا يجعل المناصب غايةً يسعى إليها، وإنما يحملها إذا كُلِّف بها ابتغاء مرضاة الله وخدمةً لعباده.

ومن صور هذا الداء في الواقع الدعوي أن يضيق بعض الناس إذا رأى شابًا فتح الله عليه بالقبول، أو خطيبًا اجتمع الناس حوله، أو داعيةً انتشر أثره، فيبدأ في التقليل من شأنه، أو البحث عن عثراته، أو إثارة الشبهات حوله، لا غيرةً على الدين، وإنما غيرةً على مكانته هو، وهنا تتحول المنافسة إلى معول هدمٍ للصف، ويصبح النجاح الذي ينبغي أن يُفرح المؤمنين سببًا للفرقة والخصومة.

أما القلب المخلص، فإنه يدرك أن القبول بيد الله وحده، وأن الأرزاق ليست أموالًا فحسب؛ بل منها رزق التأثير، ورزق المحبة في قلوب الخلق، ورزق حسن الذكر، وكلها مواهب يختص الله بها من يشاء، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 4].

3- ضعف الإخلاص:

المخلص لا يطلب إلا وجه الله، ولا يعنيه أن يكون الخير على يديه أو على أيدي غيره، ما دام الدين قد انتفع، والحق قد ظهر.

والإخلاص هو أن يقصد العبد بعمله الله وحده، لا يبتغي محمدة الناس، ولا ينتظر جزاءهم، ولا يفرح بمدحهم فرحًا يورثه العجب، ولا يحزن إذا لم يُذكر اسمه، لأنه يعلم أن الجزاء الحقيقي عند الله، وأن العبرة ليست بكثرة الأضواء، وإنما بقبول العمل في السماء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

فإذا ضعف الإخلاص، تغيَّرت المقاييس؛ فبدل أن يكون السؤال: هل انتفع الناس؟ يصبح: هل ذُكر اسمي؟ وبدل أن يكون الفرح بنجاح الدعوة، يصبح الفرح بنجاح الذات.

والإخلاص ليس منزلةً يبلغها الإنسان ثم يستريح، بل هو جهاد دائم، يحتاج إلى مراقبة النفس، وتجديد النية، والخوف من الرياء وحب المحمدة.

ولهذا كان من أخطر ما يبتلى به العامل للإسلام أن يبدأ عمله لله، ثم تتسلل إلى قلبه رغبةٌ خفية في الثناء والتميز، حتى يصبح نجاح الآخرين مصدر قلق له، لا مصدر سرور، وهنا يبدأ الحسد في النمو، وتبدأ الدعوة في دفع ثمن فساد النيات.

إن علاج هذا الداء يكون بالرجوع إلى الله، وكثرة محاسبة النفس، واستحضار أن القبول بيده سبحانه، وأن الناس لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، وأن العمل الذي يُبتغى به غير وجه الله مردود على صاحبه، كما في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (9)، فمن صفا إخلاصه، سلم صدره، وفرح بكل خير يجريه الله على أيدي إخوانه، لأنه يرى أن الغاية هي انتصار الحق، لا انتصار النفس.

عن مطرف بن الشخير قال: من صفى صفي له ومن خلط خلط له (10).

4- نسيان أن الفضل بيد الله:

ومن الأسباب العميقة التي تُورث الحسد بين العاملين للإسلام الجهل، أو ضعف استحضار أن الفضل كله بيد الله تعالى، يؤتيه من يشاء بحكمته وعدله، لا بمعايير البشر وأهوائهم، فمن لم يرسخ هذا المعنى في قلبه، ضاق صدره إذا رأى الله قد خصَّ غيره بموهبة، أو فتح عليه بابًا من القبول، أو بارك في علمه وعمله، وكأنه ينازع قضاء الله في قسمته.

إن الله سبحانه هو الذي يقسم الأرزاق، وليس المال وحده هو الرزق؛ بل من أعظم الأرزاق: العلم، والفهم، والقبول بين الناس، وحسن البيان، والتأثير في القلوب، ومحبة الخلق، وبركة العمل. وكل ذلك عطايا ربانية، لا تُنال بمجرد الذكاء أو كثرة الجهد، وإنما هي فضل من الله يؤتيه من يشاء.

قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32]، فإذا كان الناس لا يملكون تقسيم أرزاق الدنيا، فمن باب أولى أنهم لا يملكون تقسيم مواهب الدين، ولا منازل القبول، ولا بركة الدعوة.

وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 4]، فكل نجاح في ميدان الدعوة، وكل قبول في قلوب الناس، وكل أثر مبارك في التربية والإصلاح؛ إنما هو فضل من الله قبل أن يكون ثمرة جهد العبد.

قال ابن القيم: والشيطان يقارن الساحر والحاسد، ويحادثهما ويصاحبهما، ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان؛ لأن الحاسد شبيه بإبليس، وهو في الحقيقة من أتباعه؛ لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس، وزوال نعم الله عنهم، كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسدًا، فالحاسد من جند إبليس، وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه، وربما يعبده من دون الله، حتى يقضي له حاجته، وربما يسجد له (11).

وليس من الحكمة أن يجتمع كل فضل في شخص واحد، وإنما اقتضت سنة الله أن تتكامل المواهب، ليحتاج الناس بعضهم إلى بعض، ويتعاونوا على البر والتقوى.

فما أحوج العاملين للإسلام إلى أن يوقنوا بأن الخزائن خزائن الله، والفضل فضل الله، والقبول بيد الله، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن؛ فمن امتلأ قلبه بهذا اليقين، زال عنه الحسد، واستبدله بالرضا، والدعاء لإخوانه، والفرح بكل خير يجريه الله على أيديهم، لأنه يعلم أن فضل الله واسع، لا ينقصه أن يفيض على هذا وذاك، وأن نجاح أحد العاملين هو في حقيقته نجاح للدعوة كلها، لا خسارة لإخوانه.

ثالثًا: الحسد أول معصية:

إذا أراد الإنسان أن يدرك خطورة الحسد، فليكفِه أن يعلم أنه من أقدم الذنوب في تاريخ الخليقة؛ فهو أول معصية ظهرت في عالم الملائكة والجن، وأول جريمة وقعت في عالم البشر، وكأن الله تعالى أراد أن يبيّن لعباده أن هذا الداء إذا تمكن من القلب جرَّ صاحبه إلى كل شر، ولم يقف به عند حد.

وقال بعض العلماء: الحسد أول معصية عصي الله بها في السماء والأرض أما في السماء فحسد إبليس لآدم وأما في الأرض فقتل قابيل لأخيه هابيل بسبب الحسد (12).

أولًا: حسد إبليس لآدم عليه السلام:

كانت بداية المأساة حين خلق الله آدم عليه السلام، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له سجود تكريم لا سجود عبادة، فامتثل الجميع أمر ربهم، إلا إبليس؛ فإنه لم يمنعه من الطاعة مجرد الكبر؛ بل كان الكبر ثمرةً لحسدٍ استقر في قلبه، إذ رأى آدم قد اختصه الله بالتكريم والاصطفاء، فلم يرض بقضاء الله، واعترض على حكمته، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]، وقال سبحانه حاكيًا قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].

قال ابن كثير: حسد عدو الله إبليس آدم عليه السلام، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم عليه السلام (13).

لقد رأى نعمة الله على آدم، فلم يسأل الله من فضله، ولم يرض بحكمه، وإنما امتلأ قلبه غيظًا واعتراضًا، فكان الحسد أول الطريق إلى الكبر، ثم إلى المعصية، ثم إلى اللعنة والطرد من رحمة الله.

وهكذا يصنع الحسد بصاحبه؛ يبدأ بخاطرة، ثم يتحول إلى اعتراض، ثم إلى عداوة، حتى يوقعه في المهالك.

ثانيًا: حسد قابيل لهابيل:

ثم انتقل هذا الداء إلى الأرض، فكانت أول جريمة عرفتها البشرية بسبب الحسد، فيخبرنا القرآن أن الله تقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل، فبدل أن يراجع نفسه، أو يصلح عمله، استولى عليه الحسد، وقال لأخيه: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27]، فكان جواب هابيل جواب المؤمن الصادق: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].

وهكذا يبدو هذا القول- بهذا التأكيد المنبئ عن الإصرار- نابيًا مثيرًا للاستنكار لأنه ينبعث من غير موجب اللهم إلا ذلك الشعور الخبيث المنكر، شعور الحسد الأعمى الذي لا يعمر نفسًا طيبة (14).

ولكن الحسد إذا استبد بالقلب أعمى البصيرة، فلم ينتفع قابيل بالموعظة، بل قال الله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30].

والحسد قديم في الخليقة قدم الإنسان فيها، فهذا أحد ولدي آدم يحسد أخاه، حتى في العبادة التي تقتضي تنقية النفوس وتقوى القلوب، وذلك دليل على كمون الحسد في بعض النفوس مما لا علاج له إلا الصبر على الذين تصيبهم هذه الآفة، كما صبر الأخ الذي قتله أخوه، فإذا كان في النصوص بيان لآفة الحسد، ففيها أيضًا بيان لحلية الصبر والصفح والرضا بما يقدره رب العالمين من أذى المؤذين، والإخلاص لله تعالى (15).

وإذا كان الحسد قد أخرج إبليس من رحمة الله، وأوقع قابيل في أول جريمة قتل في تاريخ البشر، فكيف يأمن العاملون للإسلام أن يتسلل هذا الداء إلى صفوفهم؟

إن كثيرًا من الخصومات بين الدعاة، والانقسامات بين العاملين، والتشويه المتبادل، وإسقاط الناجحين، إنما بدأت بخاطر حسد لم يُجاهد صاحبه نفسه على دفعه، حتى تحول إلى كلمة، ثم إلى موقف، ثم إلى قطيعة، وربما إلى هدم مشروع دعوي كامل.

ومن أيقن أن الحسد هو أول معصية، وأنه أصل لكثير من الشرور، سارع إلى تطهير قلبه، وسأل ربه أن يرزقه سلامة الصدر، وأن يجعله ممن يفرحون بفضل الله على إخوانهم كما يفرحون بفضله على أنفسهم.

رابعًا: صور الحسد بين العاملين للإسلام:

إن من أخطر ما في الحسد أنه يتخفى وراء الشعارات الجميلة، ويظهر في صور تبدو في ظاهرها مشروعة، بينما يكشف التأمل في البواعث عن حقيقتها، ومن تلك الصور:

أولًا: الفرح بزلة الأخ:

ومن أوضح صور الحسد أن يفرح الإنسان إذا وقع أخوه في خطأ، أو أخفق في عمل، أو فقد شيئًا من مكانته بين الناس، وكأن نجاح أخيه كان يثقله، فلما تعثر شعر بالارتياح.

وهذا خلق يناقض أخلاق المؤمنين، فالمؤمن يحزن لزلة أخيه، ويدعو له، ويسعى في إصلاحه، لا أن يجعل عثرته مناسبةً للشماتة والانتقاص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك» (16).

عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك» (17)، وفي بعض الأخبار: البلاء موكل بالمنطق.

ثانيًا: الحزن لنجاح الآخرين:

ليس الحسد دائمًا أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن غيره؛ بل قد يبدأ بصورة أخفى وأدق، وهي أن يضيق صدره إذا رأى أخاه ينجح، أو يحزن إذا رأى الله يفتح عليه أبواب القبول والتوفيق، وهذه الحال من أخطر أمراض القلوب؛ لأنها تكشف أن النفس لم تتخلص بعد من حب التميز والانفراد بالمكانة.

فالمؤمن الصادق يفرح بكل خير ينصر الله به دينه، سواء أجراه على يديه أو على يدي غيره، لأن غايته انتصار الحق لا انتصار الذات، أما صاحب القلب المريض، فإنه يقيس الأمور بمقياس الشهرة والمنزلة، فإذا ارتفع ذكر أخيه شعر في قرارة نفسه بأنه قد انخفض، وكأن فضل الله محدود لا يتسع إلا لشخص واحد، وقد ذم الله تعالى هذا المسلك بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54].

فالمحسود لم يسرق النعمة من أحد، وإنما هي عطية من الله، والله سبحانه هو الذي يقسم فضله بحكمته، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32].

أما الحزن لنجاح الآخرين، فإنه يجر صاحبه إلى آفات متتابعة؛ فيبدأ بضيق الصدر، ثم التقليل من إنجازات الآخرين، ثم تتبع أخطائهم، وربما انتهى إلى الغيبة والطعن والتشويه، فيتحول مرض القلب إلى فساد في اللسان والعمل.

إن نجاح أخيك لا يحجب عنك فضل الله، ولا ينقص من رزقك شيئًا؛ بل هو دليل على سعة فضل الله، ومن عرف ربه علم أن خزائنه لا تنفد، وأن فضله لا يضيق بكثرة العطاء، ومن صفا قلبه فرح لكل نعمة يراها في إخوانه، وعدَّها نصرًا للإسلام، لا منافسةً لنفسه.

ثالثًا: تتبع العثرات وتضخيم الأخطاء:

ومن أخطر ما يثمره الحسد في نفوس العاملين للإسلام أن يتحول صاحبه من طالبٍ للحق إلى متربصٍ بإخوانه، لا تقع عينه على فضيلةٍ فيشكرها، ولا على حسنةٍ فيذكرها، وإنما يظل مترقبًا الزلة، متشوفًا إلى العثرة، فإن وجد هفوةً صغَّر بها جبلًا من الحسنات، وإن لمح خطأً اجتهاديًا نفخ فيه حتى بدا للناس وكأنه أصل الدين وعموده.

وهكذا يصبح همه إسقاط الأشخاص بدل تقويم الأخطاء، وتشويه السمعة بدل إصلاح العيوب، فينسى سنواتٍ من البذل والدعوة والتعليم، ويختزلها في كلمةٍ زلت بها القدم، أو موقفٍ جانبه فيه الصواب، وما أقسى هذا المسلك على القلوب، وما أشد خطره على الصف الدعوي؛ إذ يزرع الريبة، ويقطع أواصر الثقة، ويُذهب هيبة الدعاة من نفوس الناس، ويشغل العاملين بمعارك داخلية تستنزف الجهود وتصرفهم عن ميادين البناء والإصلاح.

وإن المؤمن الصادق إذا رأى من أخيه زلةً سترها، وناصحه سرًا، ودعا له بالتوفيق، وعلم أن الكمال عزيز، وأن العصمة ليست إلا للأنبياء، أما من جعل تتبع العثرات صناعةً، وتضخيم الأخطاء رسالةً، فقد استبدل خُلُق الناصح الأمين بخُلُق الحاسد المتربص، فكان هادمًا لما كان ينبغي أن يكون من بناته وحماته.

رابعًا: التقليل من الإنجازات:

ومن دلائل الحسد الخفية أن يعجز المرء عن إنكار نجاح أخيه، فيلجأ إلى التقليل من شأنه، والتهوين من أثره، فلا يرى في الإنجازات إلا عيوبها، ولا في النجاحات إلا نقائصها، فإذا أثمرت الدعوة، قال: "هذا أمرٌ عادي"، وإذا كثر المنتفعون، قال: "إنما هو إعلامٌ وشهرة"، وإذا بارك الله في مشروعٍ دعوي، نسبه إلى الأسباب الدنيوية، وأغفل فضل الله ثم جهود العاملين، فهو لا يطيق أن يسمع ثناءً إلا سعى إلى إطفائه، ولا يرى نجاحًا إلا حاول أن يحجبه بستار الانتقاص والتشكيك.

وهذا المسلك ليس من الإنصاف الذي أمر الله به؛ بل هو ثمرة قلبٍ ضاق بفضل الله على عباده؛ إذ إن المؤمن إذا رأى نعمةً على أخيه حمد الله عليها، وفرح بها، وعدَّها مكسبًا للإسلام قبل أن تكون مكسبًا للأشخاص، أما الحاسد، فإنه يخشى أن يعلو ذكر غيره، فيحاول أن يُنزل من قدره، ولو كان في ذلك إضعافٌ للدعوة وإحباطٌ للعاملين.

وما أحوج العاملين للإسلام إلى أن يتخلقوا بخلق الكرام، فيعترفوا بالفضل لأهله، ويشكروا كل جهدٍ مخلص، فإن النفوس الكبيرة تفرح بإنجازات إخوانها كما تفرح بإنجازاتها، وتدرك أن الفضل كله بيد الله، يؤتيه من يشاء، وأن من شكر نعمة الله على غيره كان ذلك أرجى لدوام النعمة عليه، وأزكى لقلبه، وأقرب إلى الإخلاص الذي لا يطلب صاحبه المجد لنفسه، وإنما يطلبه لدين الله.

خامسًا: إخفاء الفضائل وذكر المثالب:

ومن أمارات الحسد، ودلائل ضيق الصدر بفضل الله على عباده، أن يُصبح المرء خبيرًا بعيوب إخوانه، أخرسَ عن فضائلهم؛ فلا يذكر لهم حسنة، ولا يعترف لهم بمنقبة، وإن اضطر إلى الحديث عنهم لم يجد في جعبته إلا المثالب والهفوات، فهو يطوي صفحاتٍ مشرقة من البذل والعطاء، ويقف طويلًا عند زلةٍ عارضة أو اجتهادٍ أخطأ فيه صاحبه، حتى يُخيَّل للناس أن الرجل لم يُقدِّم خيرًا قط، ولم يعرف فضلًا يومًا.

وهذا خلقٌ ينافي العدل الذي أمر الله به، فإن الإنصاف يقتضي أن تُوزن الرجال بحسناتهم وسيئاتهم، وأن تُذكر المحاسن كما تُذكر الأخطاء، لا أن تُدفن الفضائل تحت ركام المثالب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

وكان من هدي العلماء الربانيين أنهم إذا تكلموا في أحدٍ ذكروا فضله وعلمه وسابقته، ثم بينوا ما وقع فيه من خطأ بميزان العدل والإنصاف، لأن المقصود تقويم الخطأ لا محو تاريخ صاحبه، وإقامة الحق لا إسقاط الأشخاص.

أما الحاسد، فيشيع بين الناس ثقافة التجريح بدل ثقافة الإنصاف، ويغرس في القلوب سوء الظن بدل حسن الظن، ويُضعف الثقة بأهل الخير، وهو يظن أنه يحسن صنعًا، وما علم أنه بذلك يهدم من بنيان الأخوة والدعوة أكثر مما يهدمه الخصوم، وإن من تمام التقوى أن يُنصف المسلم إخوانه، وأن يعترف بفضلهم، وأن يعلم أن ذكر المحاسن من شكر الله على نعمه، وأن طمسها بغير حق لونٌ من ألوان الظلم الذي نهى الله عنه.

سادسًا: الطعن في النيات:

ومن أخطر ما يجر إليه الحسد أن يتجاوز صاحبه نقد الأقوال والأفعال إلى اقتحام ما استأثر الله بعلمه، فيجعل نفسه قاضيًا على القلوب، فيفسر كل عملٍ حسن بأسوأ المقاصد، وكل نجاحٍ بدافعٍ مذموم، فإذا رأى أخاه يدعو إلى الله قال: إنما يريد الشهرة، وإذا رآه يُعلِّم الناس قال: يطلب الرياسة، وإذا رأى له قبولًا في القلوب قال: إنه يحسن صناعة الصورة، لا إصلاح السريرة، وهكذا تتحول الظنون إلى أحكام، والشكوك إلى يقينٍ في نظره، حتى يغدو الطعن في النيات ديدنه، وسوء الظن منهجه.

وقد نهى الله عن اتباع الظنون، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» (18).

ولقد كان السلف الصالح يحذرون من الخوض في المقاصد، ويعاملون الناس بظواهرهم، ويكلون السرائر إلى الله، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرتي حسنة (19).

فكم من داعيةٍ أُسيء الظن به، وهو عند الله من المخلصين، وكم من عملٍ عظيم حُمل على غير وجهه بسبب قلبٍ امتلأ بالحسد، فلم يعد يرى الخير خيرًا، ولا الإخلاص إخلاصًا.

وإن الواجب على المؤمن أن يحفظ لسانه عن اتهام النيات، وأن يحمل إخوانه على أحسن المحامل ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وأن يعلم أن الحكم على الظواهر من العدل، أما التفتيش في السرائر افتيات على علم الله، وسبب لفساد القلوب وتمزيق الأخوة، وإشاعة الريبة بين العاملين للإسلام.

سابعًا: السعي لإسقاط الناجحين:

ومن أقبح ثمار الحسد، وأشدها خطرًا على العمل الإسلامي، أن لا يكتفي الحاسد بكراهية نجاح أخيه، بل ينتقل إلى مرحلةٍ أخطر، وهي السعي لإسقاطه وإطفاء أثره؛ فيبذل جهده لتشويه سمعته، وإسقاط مكانته، وإثارة الشبهات حوله، وصرف الناس عنه، لا لأن الحق يقتضي ذلك، ولا لأن المصلحة الشرعية تستلزمه؛ ولكن لأن نجاحه أصبح يؤرقه، وتأثيره يؤلمه، وثناء الناس عليه يملأ قلبه غيظًا وحسرة.

ولقد حذر الله تعالى من الإعانة على الإثم والعدوان، فقال: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وليس من العدوان ما هو أشد من أن يُتخذ البهتان، أو التشويه، أو إثارة الخصومات وسيلةً لإسقاط أهل الفضل وإطفاء نورهم.

أما أصحاب القلوب السليمة، فإنهم إذا رأوا أخًا فتح الله عليه، دعوا له بالثبات، وأعانوه على الخير، وسدوا خلله بالنصيحة، لا بالتشهير، وأكملوا نقصه بالمؤازرة، لا بالمؤامرة، فهم يعلمون أن نجاح فردٍ من العاملين هو قوةٌ للصف كله، وأن هدم المخلصين لا يبني مكانة الحاسدين، وإنما يفتح ثغرةً ينفذ منها أعداء الدعوة.

وما أحوج العاملين للإسلام إلى أن يتنافسوا في البناء لا في الهدم، وفي التكامل لا في الإقصاء، وفي خدمة الدين لا في صناعة الزعامات؛ فإن الدعوة لا تنتصر بكثرة المتصدرين، وإنما تنتصر بصفوفٍ متآلفة، وقلوبٍ سليمة، ونفوسٍ ترى في نجاح إخوانها زيادةً في عز الإسلام، لا انتقاصًا من حظوظها.

ثامنًا: الامتناع عن التعاون:

أن يمتنع المرء عن التعاون مع أخيه لا لخللٍ في المنهج، ولا لاختلافٍ في الحق، وإنما لأن نفسه لا تطيق أن ترى الخير يُنسب إلى غيره، فيبخل بجهده، أو علمه، أو رأيه، أو دعمه، حتى لا يكون شريكًا في نجاح من يحسد، فإذا طُلب منه أن يساند مشروعًا نافعًا تثاقل، وإذا دُعي إلى مؤازرة أخٍ مخلص اعتذر، وإذا استطاع أن يفتح بابًا للخير أغلقه؛ لأن هواه قد غلبه، فصار يرى أن فشل الآخرين أهون عليه من نجاحهم.

وهذا خلقٌ يناقض روح الإسلام التي قامت على التعاون والتكافل، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، فالعمل للدين ليس ميدانًا لتصفية الحظوظ الشخصية، وإنما هو ميدان تتكاتف فيه الجهود، وتتآزر فيه الطاقات، ويُكمِّل بعضُها بعضًا، حتى تؤتي الدعوة ثمارها.

إن النفوس الكبيرة لا تسأل: من الذي سيُنسب إليه النجاح؟ وإنما تسأل: هل سينتفع الإسلام والمسلمون؟ فإذا كان الجواب نعم، بذلت ما تستطيع، وأعانت بكل ما تملك، ورأت أن مشاركتها في نجاح إخوانها قربةٌ إلى الله، وأجرٌ مدخر عنده، أما الحاسد، فإنه يحرم نفسه شرف الإعانة، ويقعد عن ميادين التعاون، فيخسر أجر المشاركة، ويُضعف الصف، ويمنح أعداء الدعوة فرصةً للنفاذ من خلال الفرقة والتنازع.

وما أحوج العاملين للإسلام إلى أن يستحضروا أن الدعوة سفينةٌ واحدة، لا ينجو أهلها إلا إذا تعاونوا على إبحارها، وأن كل يدٍ تمتد بالعون إلى أخٍ في الله إنما تمتد في الحقيقة لنصرة دين الله، ومن أعظم دلائل الإخلاص أن يفرح المسلم بأن يكون لبنةً في بناءٍ عظيم، ولو لم يُعرف اسمه، وأن يوقن أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن البركة إنما تنزل على القلوب المتآلفة، والصفوف المتعاونة، لا على النفوس المتنافسة على حظوظها.

خامسًا: علامات الحسد:

الحسد مرضٌ قلبي، وأمراض القلوب لا تُرى بالعيون، ولكنها تظهر آثارها على الجوارح، كما يظهر الدخان دلالةً على النار، ولهذا فإن الحاسد قد يخفي ما في صدره زمنًا، غير أن لسانه، وتصرفاته، ومواقفه، تكشف ما استقر في قلبه.

قال بعض السلف: ما أسرَّ أحد سريرةً إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا امتلأ القلب بالحسد، ظهرت علاماته وإن حاول صاحبها إخفاءها، ومن ذلك:

أولًا: الحزن لنعمة الآخرين:

من أبرز علامات الحسد أن يضيق صدر الإنسان إذا رأى الله قد أنعم على أخيه بعلم، أو قبول، أو نجاح، أو محبة الناس، وكأن نعمة أخيه نزلت عليه هو بالمصيبة.

أما المؤمن الصادق فإنه يفرح بفضل الله على إخوانه، ويوقن أن خزائن الله لا تنفد، وأن عطاء الله لعبد لا ينقص من عطائه لغيره.

ثانيًا: الفرح بالمصائب والعثرات:

ومن أخطر العلامات أن يشعر بالسرور إذا تعثر أخوه، أو أخطأ، أو فقد مكانته، أو انصرف الناس عنه، وربما أظهر الحزن بلسانه، بينما يفرح قلبه بما حدث، فالمؤمن يستر، ويواسي، ويدعو، أما الحاسد فيترقب السقوط.

ثالثًا: كثرة الغيبة والانتقاص:

إذا ذُكر المحسود في مجلس، لم يجد الحاسد راحته إلا بذكر عيوبه، والتقليل من شأنه، والطعن في علمه أو عمله، وربما قلب حسناته إلى مثالب، حتى يزهد الناس فيه، فالحاسد لا يهدأ حتى يجد في الناس من يشاركه في بغض المحسود.

رابعًا: تتبع الزلات:

فهو لا ينظر إلى سنوات من الخير، وإنما يترقب كلمةً أو موقفًا أو خطأً عارضًا، فإذا وجده نشره، وأشاعه، وجعله عنوانًا لصاحبه، وكأن حسنات المحسود لا تُرى، بينما تُضخَّم هفواته.

خامسًا: التقليل من النجاحات:

فإذا نجح أخوه قال: هذا مجرد حظ، الإعلام هو الذي صنعه، الناس لا يعرفون حقيقته، ليس في عمله جديد.

وهو بذلك يحاول أن ينتزع من النجاح قيمته، لأنه يعجز عن احتمال رؤية فضل الله على غيره.

سادسًا: الطعن في النيات:

ومن علامات الحسد أن يتحول النجاح في نظره إلى تهمة، فيفسر كل عمل صالح بأسوأ تفسير، فيقول: يريد الشهرة، يبحث عن المناصب، يجمع الأتباع، يقصد الدنيا.

مع أن الله وحده هو العليم بما في القلوب، وقد قال سبحانه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].

سابعًا: البخل بالثناء والدعاء:

الحاسد يصعب عليه أن يثني على أخيه، أو يعترف بفضله، أو يدعو له بالتوفيق؛ لأن ذلك يشعره بأنه يعترف بتفوق من يحسده.

أما القلب السليم، فإنه يفرح بالخير حيث كان، ويشكر أهله، ويدعو لهم بالبركة.

ثامنًا: إظهار المودة وإبطان العداوة:

وقد يتصنع الحاسد الابتسامة والكلمات الجميلة في حضور أخيه، فإذا غاب، انطلق لسانه بالغيبة والوقيعة، أو سعى في تشويه صورته بين الناس، وقد وصف بعض السلف الحاسد فقال: يلقاك بالبِشر، ويطعنك في الظهر.

قال بعض العلماء: يعرف الحاسد بأربع: يغتاب إذا غاب المحسود، يتملق إذا حضر، يشمت إذا أصيب، يحزن إذا أُثني عليه.

ومن أخطر العلامات: أن يضيق صدره كلما ازداد أخوه نجاحًا.

سادسًا: آثار الحسد:

الحسد ليس شعورًا عابرًا ينتهي بانتهاء الموقف، بل هو داءٌ إذا استقر في القلب أفسد صاحبه، ثم تجاوز ضرره إلى من حوله، حتى يصيب الدعوة والمجتمع بأضرار جسيمة، ولهذا لم يأتِ تحذير الشريعة منه عبثًا؛ بل لأنه من أخطر أمراض القلوب وأشدها إفسادًا للأفراد والجماعات.

أولًا: فساد القلب وذهاب الإيمان:

الحسد يحرق القلب قبل أن يحرق غيره؛ فيعيش صاحبه في همٍّ دائم، وحزنٍ متصل، لا يهنأ بنعمة، ولا يطمئن إلى قضاء الله، لأنه ينظر دائمًا إلى ما في أيدي الناس، ولا ينظر إلى ما أنعم الله به عليه، والمحسود في نعمة والحاسد في كرب ونقمة.

والحسد لا يكتفي بإفساد القلب، بل يلتهم ثواب الأعمال، حتى يجد صاحبه نفسه قد خسر حسناته بسبب مرضٍ كان يستطيع أن يجاهد نفسه عليه.

ثانيًا: الاعتراض على قضاء الله وقدره:

الحاسد في حقيقة أمره غير راضٍ بقسمة الله، لأنه يتمنى زوال النعمة التي منحها الله لعبدٍ من عباده، وكأنه يرى أن ذلك العبد لا يستحقها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54].

ومن رضي بقضاء الله عاش مطمئن القلب، ومن نازع الله في قسمته عاش أسيرًا للحزن والضيق.

ثالثًا: تمزيق الأخوة الإيمانية:

الأخوة في الله تقوم على المحبة، والنصيحة، والإيثار، والدعاء، أما الحسد فإنه يقلب هذه المعاني إلى بغضاء، وخصومة، وشك، وسوء ظن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» (20)، فجمع بين النهي عن الحسد والنهي عن البغضاء؛ لأن أحدهما يورث الآخر.

رابعًا: تفريق الصف الدعوي:

من أخطر آثار الحسد بين العاملين للإسلام أنه يفتت الصف، ويزرع الانقسام، ويحوّل الإخوة إلى خصوم، فينشغل الدعاة بالطعن في بعضهم، وتتبدد الجهود في الصراعات الداخلية، بدل أن تتوجه إلى خدمة الدين والدعوة إلى الله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، فما ذهبت قوة أمة، ولا ضعفت هيبة جماعة، إلا وكان التنازع الداخلي من أعظم أسباب ذلك.

خامسًا: تعطيل المشاريع الدعوية:

كم من مشروعٍ واعدٍ توقف، لا لضعف الإمكانات، ولا لقوة الأعداء، وإنما لأن الحسد دبَّ بين القائمين عليه، فتحول التعاون إلى تنافس، والنصح إلى تشهير، والاجتماع إلى خصومة.

إن المشروع الذي لا تهدمه العواصف، قد تهدمه أمراض النفوس إذا لم تُعالَج بالإيمان والإخلاص.

سادسًا: تنفير الناس من الدعوة:

حين يرى عامة الناس العاملين للإسلام يتخاصمون، ويتحاسدون، ويتبادلون الاتهامات، تهتز ثقتهم بالدعوة، وربما ظنوا أن هذه الأخلاق ثمرة الالتزام بالدين، فينصرفون عن الحق بسبب سوء تمثيل أهله له، ولهذا كان صلاح أخلاق الدعاة من أعظم وسائل الدعوة، كما أن فسادها من أعظم أسباب الصد عنها.

سابعًا: الفرح الذي يجده الأعداء:

ليس هناك ما يسر أعداء الإسلام أكثر من رؤية العاملين له متفرقين متنازعين، لأنهم يدركون أن الصف الممزق لا يستطيع أن يحمل رسالة، ولا أن يواجه التحديات، وقد قيل قديمًا: إذا اشتغل أهل الحق ببعضهم، وجد أهل الباطل الطريق إلى غاياتهم.

ثامنًا: الحرمان من بركة العمل:

إن العمل الصالح لا يبارك الله فيه إلا إذا صاحبه الإخلاص وسلامة الصدر، أما إذا امتلأت القلوب بالحسد، فإن البركة تُرفع، ويقل التوفيق، ويصبح الجهد كبيرًا والثمرة قليلة.

ولهذا كان السلف يهتمون بإصلاح القلوب قبل إصلاح الأعمال، لأن القلب هو موضع نظر الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (21).

كيف نعالج الحسد؟

إذا كان الحسد من أخطر أمراض القلوب، فإن الشريعة لم تترك هذا الداء دون علاج، بل وضعت له وسائل إيمانية وتربوية تعيد للقلب صفاءه، وللنفوس طهارتها، وللصف الإسلامي وحدته، وعلاج الحسد ليس بكلمات تُقال، وإنما هو مجاهدةٌ للنفس، ومراقبةٌ لله، وتربيةٌ مستمرة للقلب؛ لأن الحسد إذا تُرك نما، وإذا جُوهد ضعف حتى يزول بإذن الله.

أولًا: تعظيم الإخلاص وتجديد النية:

إن أول دواء للحسد أن يفتش العامل قلبه، ويسأل نفسه: لمن أعمل؟ فإن كان يعمل لله، فلن يضره أن يجري الخير على يدي أخيه، لأن غايته هي رضا الله لا تصفيق الناس.

فالمخلص يفرح إذا انتصر الحق، سواء كان على يده أو على يد غيره، لأنه لا يعبد ذاته، وإنما يعبد ربه.

ثانيًا: الرضا بقضاء الله:

من أيقن أن الله هو الذي يقسم الأرزاق، ويهب المواهب، ويمنح القبول، اطمأن قلبه، ولم يعترض على فضل الله، قال سبحانه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]، وقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ [الجمعة: 4].

فليس من الحكمة أن يُعطى كل إنسان ما أُعطي غيره، وإنما لكل عبد نصيب كتبه الله له، ومن رضي عاش سعيدًا، ومن نازع الله في قسمته عاش شقيًا.

ثالثًا: الدعاء للمحسود بالبركة:

وهذا من أنفع الأدوية وأقواها أثرًا؛ فإن النفس قد تجد في أول الأمر مشقةً في الدعاء لمن تحسده، لكن إذا جاهدها صاحبها على ذلك، انكسر سلطان الحسد شيئًا فشيئًا.

فإذا رأيت الله قد أنعم على أخيك، فقل من قلبك: اللهم بارك له، وزده من فضلك، وارزقني من واسع عطائك، فالدعاء يطهر القلب، ويطفئ نار الحسد، ويبدلها محبةً ومودة.

رابعًا: استحضار نعم الله عليك:

الحاسد ينظر دائمًا إلى ما عند غيره، وينسى ما بين يديه من نعم، ولو تأمل نعم الله عليه في دينه، وصحته، وأهله، ورزقه، وما فتح الله له من أبواب الخير، لاستحيا أن يعترض على فضل الله على غيره، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].

خامسًا: شغل النفس بعيوبها:

فإن من عرف تقصيره، واستحضر كثرة ذنوبه، وضَعُفَ عمله، لم يجد في عمره متسعًا لتتبع زلات الناس، ولا في قلبه فراغًا لمراقبة نجاحاتهم. إن النفس إذا اشتغلت بإصلاح عيوبها سمت، وإذا اشتغلت بعيوب الآخرين قست، وربما نسيت عيوبها وهي أعظم وأخطر.

يقول الحسن البصري رحمه الله: يا بن آدم، إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان شُغْلَك في خاصة نفسك، وأحبُّ العباد إلى الله مَن كان هكذا (22).

سادسًا: الفرح بنجاح الآخرين:

قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة (23).

فالقلوب الكريمة لا تنسى مواقف المؤازرة والفرح، كما أن القلوب السليمة ترى في نعمة أخيها نعمةً لها، وفي توفيقه رفعةً للدين كله، لا مزاحمةً لها على حظوظ الدنيا.

خاتمة:

إن الحسد ليس مجرد شعور عابر، بل نارٌ إذا اشتعلت في القلب أحرقت الإيمان، وإذا سرت في الصف أحرقت الأخوة، وإذا تمكنت من العاملين أحرقت الدعوة نفسها، وما أحوج الدعاة والمربين وطلاب العلم إلى قلوب سليمة، تفرح بفضل الله على إخوانها كما تفرح به على نفسها، وتوقن أن فضل الله واسع، وأن خزائنه لا تنفد، وأن نجاح أخيك ليس نقصًا من رزقك، بل زيادة في قوة الإسلام وانتشار الخير