المصابيح في أحكام التراويح

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن مما ميز الله به شهر رمضان قيام الليل، فقد عظّم الله قيام الليل في كتابه الكريم،
وأثنى على أهله المتهجدين، وجعل لهم قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون،
وبالأسحار هم يستغفرون، وصلاة التراويح من أعلام الدين وشعائره الظاهرة في شهر رمضان،
لها في قلوب المؤمنين روح وريحان، وفي أفئدتهم زيادة الإيمان،
وعلى لسانهم وآذانهم التلذذ بحلاوة القرآن.
فكان أول من صلى بالناس القيام والتراويح في رمضان رسول الأنام عليه الصلاة والسلام،
وجمع الناس بعده عمر الفاروق وصحبه الكرام، فتلقّت الأمة ذلك بالقبول،
فكان ما كان من خروج الناس إلى المساجد صغارًا وكبارًا، ذكورًا وإناثًا،
في مناظر تأخذ بمجامع القلوب لتقف بين يدي علام الغيوب،
في مناظر آسرة تفرح المؤمنين وتغيظ أعداء الدين من الشياطين ليصدوهم عن الدين وذكر رب العالمين،
لعلمهم بأثر رمضان في قلوب المسلمين.
قيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهًا؟
قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
وقد جمعتُ في هذا الرسالة عددًا من مسائل صلاة التراويح وأحكامها، وذكرتُ بعض الأدلة والأقوال مختصرة، لتسهل قراءتها، ولا يملّها الملول في زمن الخلاصة والسرعة والاختصار، وعددها: (مائة ونيف وثمانون مسألة)، مذكورة بما نفسي وإخواني، وهي امتداد لسلسلة الخلاصات الفقهية.
وأحكامها مبثوثة في كتب العلماء على مختلف مذاهبهم الفقهية، ومن أراد الاستزادة فيمكنه الرجوع إليها، وتركتُ عددًا منها لضيق الوقت وعدم الإطالة، ولعل الله ييسر ذلك في نسخة قادمة إن كتب الله في العمر بقية.
والعلم يُحيا بالمذاكرة والفكرة والدرس والمناقشة، والعيش مع العلم من أعظم العيش وألذّه وأنفعه وأسماه، وأثناء لمن حسنت نيته وصدقت رغبته، ونسأل الله ذلك
من حاز العلم وذاكره
فاز بميراث الأنبياء
وما أهدى المرء لأخيه المسلم هدية أفضل من حكمة يزيده الله بها هدى أو يرده بها عن ردى.
إذا ذا الإخوان فاتهم التلاقي
فما صلة بأحسن من كتاب
وقد سميته:
(المصابيح في أحكام التراويح)
تقبله الله قبولًا حسنًا، ونفع به العباد والبلاد، والحاضر والبادي، وجعله عملًا صالحًا دائمًا مباركًا على مرّ السنوات والأزمان، صدقة لوالديّ وأهل بيتي، ومشايخي وطلابي، وأن ينفعنا جميعًا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا من متاع الصالحين، وأن ينصر عباده المؤمنين، وأن يصلح نياتنا ويخلص أعمالنا
واعلموا رحمكم الله: أن ينبغي احترام العلماء والمدارس الفقهية وأتباعها، فإن هذا هو منهج الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ما اختلفوا فيه، وسعة الخلاف، والمدارسة والمناصحة والتعايش بين أهل العلم مطلوب دون بغض وإسقاط وتحكم وسخرية وتسفيه وتبديع، وترجيح الموافق والمنع على المخالف وإيذاء الصدور.
ولا نعيد لأذهاننا الصراع العلمي الذي حصل في بعض الأماكن والأزمان، وحصل ما حصل من المنازعات وتقطع الوشائج بين أهل العلم، فما كان العلم إلا رحمة ورحمة بين أهله، ومساحة الاتفاق كبيرة جدًا، والاجتماعات كثيرة جدًا بين أهل السنة والجماعة في المعتقد والمذاهب الفقهية من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة، وفرقة أهل السنة يا أهل السنة، ولنعلم أن كل قوم لهم إمام ودليل وحجة وبرهان، ويعتقدون الحق، كما أن لك إمامًا ودليلًا وحجة واعتقادًا.
وإن ربك يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، ولنعلم أن مسائل الدين منذ اختلاف الصحابة رضي الله عنهم ما زال بينه الخلاف فيها، ولم تجتمع الأمة على قول فيها منذ أربعة عشر قرنًا، فهي مسائل بطبيعتها لا تقبل وحدة الرأي.
للأطلاع على المقال كامل من خلال الرابط
