هل يشكّل سقوط "أوربان" بداية انهيار شبكة الحماية الأوروبية لـ "نتنياهو"؟!

يمثل صعود بيتر ماغيار إلى السلطة في المجر، على حساب المتطرف القومي فيكتور أوربان، تحولاً يتجاوز كونه نتيجة انتخابية داخلية ليأخذ أبعاداً استراتيجية تمس توازنات دقيقة في علاقة بنيامين نتنياهو مع أوروبا
يمثل صعود بيتر ماغيار إلى السلطة في المجر، على حساب المتطرف القومي فيكتور أوربان، تحولاً يتجاوز كونه نتيجة انتخابية داخلية ليأخذ أبعاداً استراتيجية تمس توازنات دقيقة في علاقة بنيامين نتنياهو مع أوروبا، إذ تفقد تل أبيب أحد أهم مرتكزاتها داخل الاتحاد الأوروبي، وهو المرتكز الذي جعله أداة تعطيل منهجية للإجماع الأوروبي. فقد رسّخ أوربان خلال سنوات حكمه موقع بلاده كـ"قوة مانعة" داخل بروكسل، حيث استخدم حق النقض مراراً لتعطيل بيانات أوروبية تدين الاستيطان أو العمليات العسكرية، في وقت كانت فيه دول كإسبانيا وأيرلندا تدفع باتجاه تشديد المواقف. ولم يكن هذا الدعم ظرفياً، بل اتخذ طابعاً أيديولوجياً وشخصياً؛ إذ وصف أوربان نتنياهو في أكثر من مناسبة بأنه "صديق حقيقي للمجر"، بينما ردّ نتنياهو بعبارات مماثلة مؤكداً أن "المجر تقف إلى جانب إسرائيل في المحافل الدولية عندما يتخلى الآخرون".
هذا التماهي لم يقتصر على الخطاب، بل تُرجم إلى مواقف صدامية مع المنظومة الدولية، حيث شكّلت خطوة بودابست في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عقب صدور مذكرة التوقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو، نقطة ذروة في التحدي، عندما سارعت الحكومة المجرية إلى توجيه دعوة رسمية له، في رسالة واضحة مفادها أن قرارات المحكمة "لا تحظى بالاحترام داخل السيادة الوطنية"، وهو موقف انسجم مع توجه أوربان الأوسع الذي كان يصف تدخل المؤسسات الدولية بأنه "تسييس للقانون". وقد بلغ هذا المسار ذروته خلال زيارة نتنياهو إلى بودابست في أبريل 2025، حيث جرى استقباله رسمياً في تحدٍ شبه مباشر للالتزامات القانونية الأوروبية، بالتزامن مع إعلان المجر بدء إجراءات الانسحاب من نظام روما الأساسي، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لتوفير مظلة حماية سياسية وقانونية لحليف استراتيجي.
في السياق ذاته، تلاقت سياسات أوربان مع تيار دولي أوسع يقوده دونالد ترامب، الذي كان أحد أبرز الداعمين له، حيث وصفه ترامب علناً بأنه "زعيم قوي يحمي بلاده" وأشاد بسياساته القومية، بينما تبادل الرجلان الدعم السياسي في ملفات الهجرة. هذا التقاطع بين ترامب وأوربان ونتنياهو شكّل ما يشبه محوراً غير رسمي لليمين الشعبوي، قائم على رفض الضغوط الليبرالية والمؤسساتية، وهو ما منح الدولة العبرية مساحة مناورة أوسع داخل أوروبا عبر بوابة بودابست.
غير أن صعود ماغيار يعكس انقلاباً تدريجياً على هذا النهج، إذ ينطلق من براغماتية تضع المصالح الاقتصادية والسياسية للمجر داخل الاتحاد في المقدمة، خاصة في ظل الحاجة إلى الإفراج عن تمويلات أوروبية ضخمة تُقدّر بنحو 16 مليار يورو. وفي هذا الإطار، تبدو عودة المجر إلى الالتزام بمنظومة المحكمة الجنائية الدولية خطوة شبه حتمية، ليس بدافع قانوني بحت، بل كجزء من إعادة التموضع داخل المنظومة الأوروبية، وهو ما يعني عملياً تضييق المساحات الآمنة التي كان يتحرك فيها نتنياهو داخل القارة. هذا التحول لا يعني بالضرورة تحول المجر إلى خصم للدولة العبرية، فماغيار ينتمي إلى يمين الوسط، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في الانتقال من "الدعم المطلق" إلى "الحياد المنضبط"، أي من استخدام الفيتو إلى الانخراط في الإجماع أو الامتناع عنه في أحسن الأحوال.
وتكمن خطورة هذا التحول بالنسبة للدولة العبرية في كونه لا يحدث في فراغ، بل يتزامن مع تصاعد المزاج الأوروبي الناقد لسياساتها، ومع محاولات متزايدة لربط العلاقات الاقتصادية والاتفاقيات الثنائية بمعايير حقوق الإنسان. وبفقدان المجر كـ"أقلية معطلة"، تصبح قدرة الدولة العبرية على تفكيك الإجماع الأوروبي محدودة، ما يفتح المجال أمام تبني مواقف أكثر صرامة، سواء على مستوى البيانات السياسية أو الإجراءات الاقتصادية أو حتى الدعم غير المباشر للمسارات القانونية الدولية. وقد عبّرت أوساط صهيونية عن هذا القلق بوضوح، معتبرة أن "أوربان كان صمام أمان داخل الاتحاد"، وأن غيابه سيجعل "تشكيل كتلة مانعة أكثر صعوبة من أي وقت مضى".
في المقابل، تحاول الدولة العبرية التكيف مع الواقع الجديد عبر خطاب تهدئة، حيث سارع نتنياهو، إلى جانب يائير لابيد، إلى تهنئة ماغيار، في إشارة إلى رغبة واضحة في الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات، إلا أن هذا المسعى يصطدم بحقيقة أن القيادة المجرية الجديدة تسعى إلى استعادة موقعها داخل أوروبا أكثر من سعيها للحفاظ على تحالفات شخصية. كما أن بعض المؤشرات الاجتماعية والسياسية، مثل النقاش حول السماح برفع "كافة الأعلام" في الفضاء العام، تعكس تحولاً أوسع في المناخ الداخلي، بما قد يفتح المجال أمام تعبيرات كانت مقيدة سابقاً، وهو ما يحمل دلالات رمزية على تراجع البيئة السياسية التي كانت توفر دعماً غير مشروط للدولة العبرية
