عرض عسكري لمليشيات حفتر يحمل رسائل للداخل والخارج

تأتي مناورات “درع الكرامة 2” التي تنفذها القوات التابعة لخليفة حفتر في لحظة سياسية وأمنية حساسة تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد، لتشكل حدثاً يتجاوز الإطار العسكري التقليدي نحو مساحة أوسع من الرسائل السياسية
تأتي مناورات “درع الكرامة 2” التي تنفذها القوات التابعة لخليفة حفتر في لحظة سياسية وأمنية حساسة تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد، لتشكل حدثاً يتجاوز الإطار العسكري التقليدي نحو مساحة أوسع من الرسائل السياسية والاستراتيجية الموجهة للداخل الليبي وللخارج في آن واحد. فالمناورات التي يشارك فيها نحو 25 ألف عسكري إلى جانب تشكيلات من الدبابات والمدرعات ووحدات الدفاع الجوي والزوارق البحرية تمثل بحسب القائمين عليها أكبر استعراض للقوة في تاريخ الجيش في الشرق الليبي، وهو توصيف يعكس حجم الرهان على إظهار الجاهزية والتنظيم والقدرة على الحشد العسكري في بيئة منقسمة سياسياً ومؤسساتياً.
يتزامن هذا الاستعراض مع ذكرى “معركة الكرامة” التي أطلقتها حفتر بمساعدة روسيا والإمارات ومصر في عام 2014 للسيطرة على شرق ليبيا، وهو ما يمنح الحدث بعداً رمزياً واضحاً يرتبط بتأسيس شرعية القيادة العسكرية في شرق البلاد وتثبيت سرديتها حول دورها في محاربة الجماعات الإسلامية في مناطق واسعة من الشرق والجنوب. وفي هذا السياق، لا تبدو المناورات مجرد تدريب روتيني، بل رسالة مركبة تعكس محاولة لإعادة تأكيد السيطرة الميدانية وإبراز قدرة المؤسسة العسكرية على العمل بوصفها قوة منظمة قادرة على إدارة مساحات جغرافية شاسعة، في وقت لا تزال فيه ليبيا منقسمة بين سلطتين سياسيتين وعسكريتين متوازيتين في الشرق والغرب.
على المستوى الداخلي، تحمل هذه التحركات دلالات تتعلق بتوازنات السلطة في ليبيا، إذ تسعى القيادة العامة في الشرق إلى ترسيخ موقعها كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي مسار تسوية سياسي مستقبلي، خاصة في ظل استمرار وجود حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة باعتبارها السلطة المعترف بها دولياً. ويعكس هذا الاستعراض العسكري محاولة لتثبيت معادلة مفادها أن القوة على الأرض ما تزال عنصراً حاسماً في تحديد شكل الحل السياسي، وأن أي إعادة تشكيل للسلطة التنفيذية أو البنية السياسية لن تكون ممكنة دون مراعاة الوزن العسكري القائم في الشرق.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن المناورات تأتي في ظل حديث متزايد عن تحركات دبلوماسية تهدف إلى إعادة صياغة المشهد الليبي وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، بما في ذلك محاولات وساطة دولية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية أو الدفع نحو تسويات سياسية جديدة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة “درع الكرامة 2” كرسالة موجهة إلى الخارج مفادها أن القيادة العسكرية في الشرق تمتلك أدوات قوة تجعلها طرفاً أساسياً في أي تفاوض، وليس مجرد مكون محلي ثانوي. كما تعكس المناورات رغبة في تعزيز موقع التفاوض عبر إظهار مستوى متقدم من التنظيم العسكري، سواء في الجنوب الليبي أو على امتداد الحدود الصحراوية.
ويبرز أيضاً البعد الداخلي المتعلق ببنية القيادة نفسها، حيث يلاحظ حضور أبناء حفتر، وفي مقدمتهم الفريق صدام حفتر، في المشهد العسكري، ما يعزز الانطباع بوجود توجه نحو ترسيخ استمرارية القيادة داخل الدائرة المقربة من خليفة حفتر، وهو ما يضيف بعداً إضافياً يتعلق بمستقبل الحكم داخل المؤسسة العسكرية في الشرق، وإمكانية انتقال النفوذ بشكل تدريجي داخل هذا الإطار. وفي المقابل، تستمر بعض المنظمات الحقوقية في توجيه انتقادات تتعلق بسجل حقوق الإنسان في مناطق النفوذ الشرقي، وهو ما يعمّق التباين في قراءة طبيعة الدور الذي تلعبه هذه المؤسسة بين خطاب رسمي يركز على الاستقرار ومكافحة الإرهاب، وتقييمات دولية تطرح تساؤلات حول طبيعة الممارسات على الأرض.
