logo

سوريا ونظرية "المحيط.. جغرافيا مهددة بإعادة هندستها


بتاريخ : الأربعاء ، 20 شوّال ، 1447 الموافق 08 أبريل 2026
سوريا ونظرية "المحيط.. جغرافيا مهددة بإعادة هندستها

تعيش الساحة السورية لحظة حساسة تتجاوز حدود الأزمة الداخلية لتصل إلى مستوى إعادة تعريف المفاهيم السياسية والأمنية في المنطقة.

تعيش الساحة السورية لحظة حساسة تتجاوز حدود الأزمة الداخلية لتصل إلى مستوى إعادة تعريف المفاهيم السياسية والأمنية في المنطقة. فبعد سنوات من الحرب واستنزاف الدولة المركزية، برز خطاب "الحماية" باعتباره جزءاً من السرديات الجديدة التي تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الهويات الفرعية داخل سوريا. وفي ظل هذا التحول، عاد النقاش حول نظرية "المحيط" التي صاغها بن غوريون ليطل برأسه مجدداً، لكن عبر أدوات أكثر نعومة وخطاب يتخذ طابعه الإنساني الظاهر غطاءً لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والمراكز الجيوسياسية.

ومع تصاعد الحديث عن حماية مكوّنات بعينها، كالمكوّن الدرزي وغيره، يتجاوز الإطار الإنساني إلى مستويات سياسية وجيوسياسية أعمق، حيث يجري توظيف هذه الهويات في سياق لعبة أمم معقّدة لا تضع مصلحة السوريين في مقدمة أولوياتها. ويبدو أن القوى المتدخلة وجدت في هشاشة الدولة السورية فرصة ملائمة لإعادة إنتاج نماذج قديمة قائمة على الفصل بين المجتمع والدولة، وتحويل المكونات الاجتماعية إلى وحدات تتعامل مع الخارج بوصفه الضامن والراعي، لا الدولة الوطنية.

إن العودة إلى نظرية المحيط ليست مجرد إعادة تدوير لتاريخ مضى، بل هي محاولة لاستثمار الواقع السوري الحالي لإعادة تطويق المركز العربي بمنظومات متباينة الهوية والانتماء. ويأتي هذا في ظل خطاب يزعم حماية الأقليات بينما يفتح الباب فعلياً لتكريس الانقسامات وتحويل الهويات الفرعية إلى كيانات قادرة على طلب الدعم الخارجي بحكم الأمر الواقع، الأمر الذي يهدد بإعادة رسم الحدود وفق اعتبارات طائفية وعرقية.

تتضح خطورة هذا المسار في كونه يضع الدولة السورية أمام تحدٍّ وجودي، حيث يتحوّل مفهوم الدولة من إطار جامع إلى كيان هش يجري التشكيك بقدراته وشرعيته. وتصبح خطوط التماس المجتمعي أخطر من خطوط التماس العسكري، إذ يترسخ وهم بأن الحماية لا تتحقق إلا عبر ارتباط مباشر بقوى إقليمية أو دولية. وفي الوقت الذي يروّج فيه الخطاب السياسي والإعلامي لفكرة الحماية الإنسانية، تتجاهل هذه السردية أن معظم مشاريع التفكيك في التاريخ بدأت بادعاءات مشابهة قبل أن تنتهي إلى خرائط جديدة وتمزيق للنسيج الوطني.

إن استمرار هذا التوجّه يحمل مخاطر كبيرة على مستقبل سوريا، من تكريس للانقسام، إلى نشوء كيانات شبه مستقلة، وصولاً إلى إضعاف السيادة الوطنية وتحويل المكونات المجتمعية إلى أوراق ضغط في يد القوى الخارجية. كما أن استغلال ملف الأقليات يفتح الباب أمام تحولات جيوسياسية معقدة قد تُنتج واقعاً صعب التراجع عنه، خاصة إذا ترافق ذلك مع تراجع فعلي لقدرات الدولة السورية على بسط سلطتها في كامل أراضيها. وفي ضوء ذلك، يتضح أن مواجهة هذه التوجهات تتطلب وعياً وطنياً عميقاً بطبيعة الخطورة المتشكلة، وإرادة سياسية قادرة على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، فضلاً عن مقاربة شاملة تحصّن الداخل السوري أمام محاولات التوظيف الخارجي.

لذلك يمكن التأكيد على أن سوريا اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتنازعها مشاريع التفكيك الممنهج من جهة، وإرادة البقاء والتمسك بالوحدة من جهة أخرى. إن إدراك طبيعة اللحظة الراهنة، والتمييز بين الخطاب الإنساني الحقيقي والخطاب السياسي المتلفع بثوب الإنسانية، يمثل خطوة أساسية في منع انزلاق البلاد نحو خرائط جديدة تُرسم على مقاس القوى المتصارعة. وفي النهاية، تبقى سوريا دولة وهوية وتاريخاً أكبر من محاولات التفكيك، وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة سيظل مشروعاً ناقصاً مهما بدا مغلفاً بشعارات الحماية والإنقاذ.