الذنوب الخفية التي تحرم لذة العبادة

قد يكثر المرء من الطاعات والعبادات، ومع ذلك يشكو قسوة القلب، وفتور الهمّة، وجفاف الدمع، وفقدان الروح، وغياب الشعور بحلاوة الطاعة ولذة العبادة، وكأن باب الأنس موصد في وجهه… والسبب ليس في قِلّة العمل؛ بل في خفاء الداء.
ولذة العبادة هي تلك النشوة الهادئة التي تسكن القلب حين يقف بين يدي ربّه صادقًا، لا يشغله نظرُ الناس ولا صدى المدح؛ بل يملؤه شعور القرب والأنس، لذّة لا تُقاس بطول الركوع ولا بكثرة النوافل وحدها، وإنما بصفاء النيّة وحضور القلب، قد تكون دمعةً خفيّة في جوف الليل، أو طمأنينةً تنساب مع آيةٍ تُتلى فتوقظ في الروح حياة.
عن القاسم بن محمد، قالَ: كنت غدوت يومًا فإذا عائشة قائمة تسبح -يعني: تصلي- وتبكي، وتقرأ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27]، وتدعوا وتبكي، وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي، تصلي وتبكي (1).
ولذّة العبادة ليست دائمًا سيلَ مشاعرٍ جارفة؛ أحيانًا تأتي سكينةً راسخة، وثباتًا على الطاعة وقت الفتور، ورضًا يخفّف ثِقل التكليف، من ذاقها علم أن الطاعة ليست عبئًا بل شرفٌ، وأن الحرمان الحقيقي ليس في قلّة العمل؛ بل في غياب الإخلاص الذي يسكب في العمل روحَه.
لذة العبادة هي انشراح القلب بالذكر، وطمأنينته بالصلاة، وحلاوة الطاعة التي لا يعرفها إلا من ذاقها، قال ابن القيم: في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدًا (2).
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
وهذه الراحة والطمأنينة والسعادة تكون بعبادة الله وحدَه، وتعلُّق القلب به، ودوام ذكره، قال ابن القيم: والإقبال على الله تعالى والإنابة إليه والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته واللَّهَج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته؛ ثواب عاجل، وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة (3).
وأما من أعرض عن هدى الله، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسيعيش عيشة القلق والضنك: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124]، فهو لا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره؛ بل صدره ضيِّق حرج لضلاله؛ وإن تنعَّم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى؛ فهو في قلق وحيرة وشكٍّ، فلا يزال في رَيبه يتردَّد، فهذا من ضنك المعيشة (4).
ومن أعظم ما يحجب هذه اللذّة: الذنوب الخفيّة، وحبّ المدح، والتعلّق بثناء الناس، فإذا صَحَّت السريرة، وانكسرت النفس بين يدي الله، فُتحت أبواب الأنس، وصارت العبادة لقاءً لا عادة، وقُربةً لا قيدًا، ومن هذه الذنوب:
أولًا: الرياء الخفي وحبّ المدح:
ليس كل رياء يُرى، ولا كل طلب للمدح يُسمَع، فهناك رياء يتخفّى في زوايا القلوب، لا يظهر في هيئة قول ولا عمل؛ بل في ميل داخلي صامت، وفي التفاتة خفية للنفس وهي تؤدي الطاعة.
ذلك الرياء الخفي لا يدفعك إلى ترك العبادة؛ بل قد يدفعك إلى إتقانها، ولا يمنعك من الخير، بل يُزيّنه… ثم يسلبه روحه، تقوم بالطاعة، لكن قلبك يلتفت: هل رآني الناس؟ هل أُثني عليّ؟ هل سيُذكَر اسمي؟ فإن ذُكرتَ سررت، وإن غُفلتَ انقبض صدرك، وكأن القبول لا يتم إلا إذا مر عبر أعين الخلق.
عن محمود بن لبيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة: إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (5).
وإذا أمعَن الإنسان النظر: يجد أنَّ المُرائي في الحقيقة جعل العبادات مطيةً لتحصيل أغراض نفسِه الدنيئة، واستعمل العبادة فيما لم تُشرَع لأجْله، وهو تلاعُب بالشريعة، واستهانة بمَقام الألوهية، ووضع للأمور في غير مواضعها، وقد توعَّد الله صنفًا مِن الناس يراؤون في صلاتهم بالويل والهلاك، فقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)} [الماعون: 4- 7].
قال بعض الحكماء: مثل من يعمل رياء وسمعة، كمثل من ملأ كيسه حصًى، ثم دخل السوق؛ ليشتري به، فإذا فتحه بين يدي البائع افتضح، وضرب به وجهه، فلم يحصل له به منفعة سوى قول الناس: ما أملأ كيسه، ولا يُعطَى به شيء، فكذلك من عمل للرياء والسُّمعة، لا منفعة له في عمله سوى مقالة الناس، ولا ثواب له في الآخرة.
عن سلمة، قال: سمعت جندبًا، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أسمع أحدًا يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم غيره، فدنوت منه، فسمعته يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» (6).
قال الزمخشري: السمعة أن يسمع الناس عمله وينوه به على سبيل الرياء، يعني من نوه بعمله رياء وسمعة نوه الله بريائه وتسميعه، وقرع به أسماع خلقه فتعارفوه وأشهروه بذلك فيفتضح (7).
وحبّ المدح داءٌ لطيف المسلك، عظيم الأثر؛ يدخل على القلب فيلبس ثوب الفرح بالطاعة، ثم لا يلبث أن يتحوّل إلى فرحٍ بالنفس، وإلى اعتمادٍ على الثناء، حتى يصبح العمل –وهو لله في صورته– لغيره في حقيقته.
وهنا الخطر الأعظم؛ أن يعمل العبد عملًا صالحًا، فيُحرم بركته، ويُطفأ نوره، وتُنزَع لذّته، لأنه أُشرب في قلبه التعلق بمدح الناس بدل التعلق بنظر الله.
فالرياء الخفي لا يهدم العمل من ظاهره، لكنه يُفسده من باطنه، ولا يمنع السجود، لكنه يمنع حلاوة السجود، ولا يقطع الطريق إلى العبادة، لكنه يقطع الطريق إلى الإخلاص… ومن قُطع عن الإخلاص، قُطع عن الأنس بالله.
وما أشد حاجة القلوب إلى التفتيش، لا في عدد الأعمال؛ بل في لمن تُعمل، ولا في صورة الطاعة، بل في سرها.
قال أحمد بن حرب: عبدتُ الله خمسين سنة فما وجدت حلاوة العبادة حتى تركت ثلاثة أشياء: تركت رضا الناس حتى قدرت أتكلم بالحق، وتركت صحبة الفاسقين حتى وجدت صحبة الصالحين، وتركت حلاوة الدنيا حتى وجدت حلاوة الأخرى (8).
ليس الرياء دائمًا أن تعمل لأجل الناس صراحة، بل قد يكون: فرحك بمدحهم أكثر من فرحك بنظر الله، أو حزنك لعدم رؤيتهم طاعتك، أو تحسّرك إذا لم يُذكر اسمك مع الصالحين.
العلاج:
استحضار نظر الله وحده:
أن يتيقن القلب أن عين العناية لا تغيب، وأن نظر الله أقرب إليه من كل نظر، فإذا استحضر العبد هذا المقام، سقطت هيبة الخلق من قلبه، وخفت ضجيج الثناء واللوم، وبقي وجهُ الله مقصدًا واحدًا، عندها تصح النية، وتستقيم السريرة، ويصير العمل وإن صغُر عظيمًا، لأنّه وُجِّه لمن لا يخفى عليه خافٍ، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4]، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19].
استحضار نظر الله ليس فكرة عابرة؛ بل حال يُدرب عليه القلب: بتجديد الإخلاص عند البدء، ومراقبة الخواطر أثناء العمل، ومحاسبة النفس بعده، هو أن تعمل كأنّك لا تُرى، وتترك ما تحب أن تُرى به، فإذا استقر هذا المعنى، انقلبت العبادة أُنسًا، والطاعة حياة، والسر أثقل في الميزان من العلن.
عن عمر ابن الخطاب: في حديث جبريل الطويل وفيه: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (9).
ومن ذاق حلاوته، عرف أن السلامة كلّها في رضاه وحده، وأنّ من أصلح ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه وبين الناس.
الإكثار من الأعمال السرّية:
إن من أعظم ما يُزكِّي القلوب، ويُحيي الإخلاص، ويورث العبد لذة العبادة؛ أن يكون له مع الله خبيئة لا يطلع عليها بشر، عمل صالح يُوارى عن أعين الخلق كما توارى الجواهر النفيسة، لا يُبتغى به إلا نظرُ الله وحده.
فالأعمال السِّرِّيَّة هي ميزان الصدق، ومحكُّ النيات، وبها تُعرَف منزلة العبد عند ربّه؛ إذ يقول سبحانه: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 271]، فدلّ على أن الخفاءَ أزكى للقلب، وأبعد عن شوائب الرياء. ويقول جلّ شأنه: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف: 205]، فجعل الذكرَ الخفيَّ طريقًا إلى الخشوع والإنابة.
وقد يبين النبي صلى الله عليه وسلم عظيمَ قدر العمل السري حين قال في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (10)، فجعل الخفاء سببًا للنجاة يوم لا ظلّ إلا ظلّه، ولما كان الإخلاص روح العبادة، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» (11)، ولا تُمحَّص النيّات ولا تُصفى إلا في الخلوات، حيث يسقط نظر الخلق، ويبقى نظر الحق، فطوبى لعبد جعل له من الطاعات سرًّا، ومن القربات خبيئة، فإنها أثقل في الميزان، وأقرب للقبول، وأبقى أثرًا في صلاح القلب وثباته على الطريق.
ثانيًا: الغفلة وكثرة الانشغال:
ولذة العبادة لا تمنح لقلب غافل، ولا تُسكب في روح مُزدحمة بكل شيء إلا بالله؛ فكما أن الجسد لا يذوق حلاوة الطعام وهو مريض، كذلك القلب لا يذوق حلاوة الطاعة وهو أسيرُ الغفلة وكثرة الانشغال، إن الغفلة تُفرغ العبادة من روحها، وتحوّل الذكر إلى ألفاظ، والصلاة إلى حركات، حتى يشكو العبد قسوةً لا يدري مصدرها، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]، لأن الغفلة حجاب، والحجاب يمنع الأنس، وقال سبحانه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1]، فسمّى الانشغال لهوًا؛ لأنه يسرق القلب من موضع لذّته الحقيقي.
وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن حياة القلب معلّقة بالذكر فقال: «مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحيِّ والميت» (12)، فكيف يُرجى لذّة العبادة من قلبٍ وُصِف بالموت؟! وقال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (13)، فالغفلة في زمن الفراغ تُورِث قسوة، والانشغال بلا نيّة يُولِّد حرمانًا.
ومن هنا كان أهل الإخلاص أشدَّ الناس حذرًا من تفرق القلب، يعلمون أن لذة العبادة ثمرة حضور، وأن من أراد أن يجدها فليُخلِ القلب من الفضول، وليزاحم الذكر سائر الأشغال؛ إذ لا تُفتح أبواب الأنس إلا لمن أقبل بكليته، ولا تُذاق الحلاوة إلا حيث يغيب كلُّ شيءٍ ويبقى الله.
العلاج:
تقليل الملهيات:
ومن أعظم أبواب استرداد لذّة العبادة: تقليلُ الملهيّات التي تسرق القلب قبل أن تُضيِّع الوقت؛ فالقلب إن ازدحم بالصور والأصوات والشواغل، ضاق عن الأنس بالله، وإن تفرّغ له اتّسع للخشوع والحلاوة، وقد نبّه القرآن إلى خطورة اللهو الذي يصرف عن الذكر فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ} [المنافقون: 9]، فسمّى الاشتغال إلهاءً؛ لأنه يحجب القلب عن مصدر طمأنينته، وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]، فجعل الإعراض عن الفضول علامة فلاح؛ لأن اللغو يبدّد الحضور ويقتل اللذّة.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ميزان دقيق في التعامل مع الدنيا فقال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (14)، فليس الحرمان في قلّة المتع، وإنما في كثرة ما لا يعني، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة» (15)، ومن حكمة العبد أن يحمي وقت عبادته من الملهيات، ليبقى للقلب إقبال لا تفرّق فيه.
فمَن أراد أن يجد لذّة العبادة، فليُقلّل من ضجيج الدنيا حوله، وليصن خلواته من الشواغل، وليعلم أن ما يُترَك لله لا يُفقَد، وأن القلب إذا خلا من الملهيّات امتلأ بالأنس، وإذا صُفِّيَت الجوارح انسكبت الحلاوة في الصلاة والذكر وسائر القُرُبات.
التهيؤ للعبادة قبل دخولها:
ومن مفاتيح لذّة العبادة التي يغفل عنها كثيرون: التهيؤ لها قبل دخولها؛ فإن القلب إذا فُوجِئ بالطاعة لم يُحسِن الإقبال، وإذا أُعِدَّ لها لانَ وخشع وذاق، فالعبادة لقاء، واللقاءات العظيمة لا تُدخَل فجأة، وإنما يُسبَق لها استعداد وهيبة، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى حين قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، فجعل الطهارة مفتاح القيام، لأنها ليست غسلَ جوارح فحسب؛ بل تهيئة قلبٍ للدخول على الله، وقال سبحانه: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، ولا تعظيم أعظم من أن يستعدّ العبد لعبادته ظاهرًا وباطنًا.
وحيث تُطلَب لذّةُ العبادة، فإن من أعظم أبوابها كثرةُ الخُطى إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة؛ فالقلب الذي يأنس بالطريق إلى بيت الله، لا يثقُل عليه الوقوف بين يديه.
إن الخطوات إلى المساجد ليست انتقالًا بالأقدام فحسب، بل هجرةُ قلبٍ من ضجيج الدنيا إلى سكينة القرب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط» (16)، فجعلها رباطًا؛ لأن القلب فيها مرابط على باب الأنس، لا ينفكّ عن مولاه.
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد وراح، أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح» (17)، فكيف لا تُذاق لذّةُ العبادة، وقد ضُمِن لصاحبها كرامة الوفادة؟
وانتظار الصلاة بعد الصلاة مدرسة حضور ومجاهدة؛ فيه يتخفّف القلب من شواغله، ويُربى على تعظيم الوقت واللقاء، حتى تصبح الصلاة شوقًا لا واجبًا، وراحةً لا ثِقلًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الملائكة تصلّي على أحدكم ما دام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» (18)، فعبدٌ تحفّه دعوات الملائكة، كيف يحرم لذة القرب؟! إن من ألفَ المساجد ألفته الطمأنينة، ومن أطال الانتظار ذاق الحلاوة؛ لأن اللذة لا تُعطى للعَجول، وإنما توهب لمن جعل قلبه مقيمًا حيث يُذكَر الله.
وكان من دعاء الصالحين استعدادًا للطاعة: اللهم بلغنا رمضان؛ إذ كانوا يرون بلوغ المواسم نعمةً لا تنال بالأماني، بل تُسأل وتُستجدى، فكانوا يدعون الله أشهرًا قبل رمضان أن يُبلِّغهم إيّاه، ثم يدعونه بعده أن يتقبّله منهم؛ لأنهم علموا أن التوفيق للطاعة اصطفاء، وأن الاستعداد لها عبادة قبل العبادة.
فالذي يسبق عبادته بالتهيؤ، ويقطع عنها شواغله، ويجمع قلبه قبل تكبيرته، هو الذي تُفتح له أبواب الخشوع، وتُرزق روحه حلاوة الأنس؛ لأن اللذة لا تُعطى للمُقتحِم، وإنما تُهدى للمُقبِل.
ثالثًا: الكِبر الخفي واحتقار الناس:
داء يتسلل إلى القلب فيلبس ثوب الصلاح، ويفسد العمل من حيث لا يشعر صاحبه، قد لا يظهر في مشيةٍ ولا لفظ، لكنه يستقر في نظرة، أو مقارنة، أو شعور داخلي بالاستعلاء، فيحجب القلب عن لذّة العبادة؛ لأن الله لا يفتح أبواب الأنس لقلبٍ امتلأ تعظيمًا لنفسه، قال سبحانه: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35]، فالكِبر طابع، وإذا طبِع القلب حُجِب، وقال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا}، فانتفاء العلوّ شرطُ النجاة، فضلًا عن ذوق الحلاوة.
وفي السنّة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من كِبر» (19)، فلما سُئل عن حقيقته قال: «الكِبر بطرُ الحقّ وغمطُ الناس» (20)، فجعل احتقار الناس أصل الكِبر وحقيقته، وقال صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (21)، فكيف يُرجى لقلبٍ يحتقر الخلق أن يذوق الأنس بالخالق؟! إن لذّة العبادة لا تسكن إلا قلبًا منكسرًا، يرى فضل الله عليه لا فضلَه على الناس، ويعلم أن أقرب الخلق إلى القبول أشدّهم تواضعًا، وأن من عرف قدر نفسه بين يدي الله، رقّ قلبه، وصفَت عبادته، وفاضت عليه حلاوة القرب.
والكبر هذا قد لا تشعر به، لكنه يظهر في:
استصغار ذنوبك مقارنة بغيرك:
ومن أخطر مكايد النفس وأدقّها: استصغارُ العبدِ ذنوبَه إذا نظر إلى ذنوب غيره؛ فيهوّن معصيته، ويستعظم تقصير الناس، فيسلم من وخز الندم ظاهريًا، ويُحرَم في الباطن من لذّة العبادة، فالمقارنة تُطفئ نور الخوف، وتُسكِت صوت المحاسبة، حتى يقف العبد بين يدي الله بعملٍ كثيرٍ وقلبٍ غافل، وقد حذّر الله من تزكية النفس فقال: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]، لأن من زكّى نفسه استصغر ذنبه، ومن استصغر ذنبه أَمِنَ مكرَ الله. وقال سبحانه: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]، فالعبرة ليست بحجم الذنب في عينك، بل بعظمة من عُصي.
عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» (22)، فالصغائر إذا استُصغِرت تراكمت، وإذا تراكمت قسّت القلوب، وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، والفاجر يراها كذبابٍ مرّ على أنفه فقال به هكذا» (23)، ففرّق بين قلبٍ حيّ يستعظم ذنبه، فينكسر، فيُرزَق الحلاوة؛ وبين قلبٍ ميت يستهين، فيُحرَم الأنس.
إن لذّة العبادة لا تُعطى لقلبٍ يرى نفسه خيرًا من غيره، وإنما تُوهَب لمن اتّهم نفسه، واستصغر عمله، واستعظم ذنبه، فكان أقرب إلى الانكسار، وأصدق في التوبة، وأحرى بالقبول.
الإعجاب بنفسك لطاعتك:
ومن أفسد ما يُكدِّر صفو العبادة ويقتل لذتها: الإعجاب بالنفس بسبب الطاعة؛ أن يرى العبد عمله كبيرًا، ونفسه مميَّزة، فينصرف قلبه من المُنعِم إلى النعمة، ومن المُوفِّق إلى العمل، وهذا داءٌ خفيٌّ، قد يُجاور كثرة العبادة، لكنه يُفرغها من روحها؛ لأن الله لا يجمع لعبده بين الإعجاب والانكسار، ولا يفتح باب الأنس لمن وقف عند عمله ولم يقف عند فضل ربّه، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)} [النساء: 49- 50]، فنهى عن تزكية النفس؛ لأن المعجَب بها لا يرى تقصيره. وقال سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53]، فكل طاعة فضل، وكل توفيق منّة، ومن نسي المنّة أُوكِل إلى نفسه.
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الداء فقال: «ثلاثٌ مُهلِكات: شُحٌّ مُطاع، وهوًى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» (24)، أي تحسين كل أحد نفسه على غيره وإن كان قبيحًا، قال القرطبي: وإعجاب المرء بنفسه هو ملاحظة لها بعين الكمال مع النسيان لنعمة الله، والإعجاب وجدان شيء حسنًا، قال تعالى في قصة قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78]، قال الله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: 81]، فثمرة العجب الهلاك؛ قال الغزالي: ومن آفات العجب أنه يحجب عن التوفيق والتأييد من الله تعالى، فإذا انقطع عن العبد التأييد والتوفيق فما أسرع ما يهلك (25).
فجعله في مصافّ المهلكات؛ لأنه يُفسد القلب من الداخل، وقال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تُذنبوا لخشيتُ عليكم ما هو أكبر من ذلك: العُجب» (26)، لأن الذنب يُورِث انكسارًا، والعُجب يُورِث استعلاءً، ولذّة العبادة لا تسكن إلا قلبًا منكسرًا.
فمن أراد الحلاوة، فليشهد تقصيره مع طاعته، وليَرَ فضل الله سابقًا ولاحقًا، وليعلم أن الطاعة إن لم تُورِث تواضعًا وخشية كانت حُجّةً على صاحبها لا له، وأن أقرب الناس إلى القبول أشدّهم افتقارًا وإن كثر عملهم.
عدم قبول النصيحة:
ومن علامات القلوب المحجوبة عن لذّة العبادة؛ عدمُ قبول النصيحة؛ إذ يرى العبد نفسَه مكتملة، فيضيق صدره بالتوجيه، ويأنف من التذكير، وكأن النصيحة انتقاص لا رحمة، وهذا المسلك يُغلِق أبواب التزكية؛ لأن القلب الذي لا يقبل الحقّ من غيره، يُحرَم الانتفاع به من ربّه، قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146]، فبيّن أن الكِبر يحجب الهداية، ومن حُجِب عن الهداية حُجِب عن الأنس. وقال سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11)} [الأعلى: 9 - 11]، فربط الانتفاع بالنصيحة بخشية القلب، لا بحدّة الذهن ولا بكثرة العمل.
وفي السنّة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» (27)، فجعل قبولها من صلب الدين، لا من فضائله الزائدة.
قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام؛ بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة (28).
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (29)، فلا يميل إلا بحكم الدين، ولا يهوى إلا بأمر الشرع فهو المؤمن الفريد الكامل الوحيد الذي يقبل منه التوحيد، ومن أعرض عنه متبعًا لما هواه مبتغيًا لمرضاه فهو الكافر الخاسر في دنياه وعقباه، ومن اتبع أصول الشريعة دون فروعها فهو الفاسق، ومن عكس فهو المنافق (30).
وكان عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي (31)؛ لأنهم علموا أن النصيحة حياةٌ للقلوب.
إن لذة العبادة لا تسكب في قلب مغلق، وإنما توهب لقلبٍ لين، يتهم نفسه، ويفرح بمن يدله على عيبه؛ فمتى رق القلب لقبول النصيحة، رق للذكر، وخشع في العبادة، وذاق حلاوة القرب.
علاجه:
تذكر عيوب النفس:
ومن أعظم ما يحيي القلب، ويكسر حدة النفس، ويمهد الطريق إلى لذة العبادة: تذكّرُ العبدِ عيوب نفسه؛ فمن شغل بعيبه خف نظره إلى عيوب الناس، ومن عرف تقصيره لأن قلبه، ورقت عبادته، وذاق حلاوتها.
وإذا كان العبد بهذه الصفة -مشغولًا بنفسه عن غيره- ارتاحت له النفوس، وكان محبوبًا من الناس، وجزاه الله تعالى بجنس عمله، فيستره ويكف ألسنة الناس عنه، أما من كان متتبعا عيوب الناس متحدثًا بها مشنعًا عليهم فإنه لن يسلم من بغضهم وأذاهم، ويكون جزاؤه من جنس عمله أيضًا؛ فإن من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه» (32).
كأن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه، فيدركه مع خفائه، فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به، مثل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويعيرهم به، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة، وذلك من أقبح القبائح وأفضح الفضائح، فرحم الله من حفظ قلبه ولسانه، ولزم شأنه، وكف عن عرض أخيه، وأعرض عما لا يعنيه، فمن حفظ هذه الوصية دامت سلامته، وقلت ندامته، فتسليم الأحوال لأهلها أسلم والله أعلى وأعلم (33).
فمن داوم على تذكّر عيوبه، صغر عمله في عينه، وعظم ربه في قلبه، فخشع في صلاته، وصدق في دعائه، ووجد في عبادته ما لا يجده المعجبون بأنفسهم؛ إذ لذة العبادة لا تُهدى لمن نسي نفسه، بل لمن عرفها ففر منها إلى الله.
مجالسة المتواضعين:
ومن أنفع ما يلين القلوب، ويكسر حدة النفس، ويهيئها لذة العبادة: مجالسة المتواضعين؛ فإن الأرواح تتأثر بالأرواح، والقلوب تكتسب من جِلساتها قبل كلماتها، فمجالسة المتواضع تذكرك بعيبك دون أن يجرحك، وتدلك على الله دون أن يعلو عليك، حتى تجد في العبادة خشوعًا لم تكن تجده وحدك.
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]، فربط الصحبة الصالحة بإرادة وجه الله، لأنها تعين على الإخلاص، وتذهب العجب، وقال سبحانه: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88]، فالتواضع خُلُقُ القرب، ومن خفض جناحه رق قلبه.
وفي السنّة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرءُ على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يُخالِل» (34)، لأن الجليس إا أن يرفعك بتواضعه، أو يحجبك بكِبره.
وكان صلى الله عليه وسلم يجلس مع الفقراء والمساكين، عن أبي سعيد الخدري، قال: أحبوا المساكين، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول في دعائه: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» (35)؛ لأن التواضع يفتح باب الأنس، والكِبر يغلقه.
فمن لازم المتواضعين، تعلم صغر النفس أمام عظمة الله، وصفاء القصد، وسهولة الانكسار، فخفت عبادته على جوارحه، وحلَت في قلبه؛ إذ لذة العبادة لا تصاحِب الاستعلاء، وإنما تقيم حيث يقيم التواضع.
كثرة الدعاء: اللهم لا تكلني إلى نفسي:
ومن أصدق ما يحفظ على القلب حياته، ويصونه من العجب والخذلان، ويُبقي لذّة العبادة متدفّقة: كثرةُ الدعاء بالافتقار، وأعظمه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوات المكروب «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» (36)؛ لأن النفس إذا وُكِلَت إلى نفسها هلكت، وإذا عُلِّقت بالله أُحييت، وقد قرر القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88]، فالتوفيق أصل كل طاعة، والحرمان ثمرة الاعتماد على النفس، وقال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فقرن العبادة بالاستعانة؛ لأن العبادة بلا عون ذل، وبلا استعانة انقطاع.
إن كثرة هذا الدعاء تبقي القلب منكسرًا، والعمل صغيرًا في عين صاحبه، والفضل كله لله؛ ومن دام افتقاره دام أنسه، ومن دام أنسه ذاق لذة العبادة؛ إذ لا تعطى الحلاوة لمن اعتمد على نفسه، وإنما توهب لمن علم أنه لا يقوم ولا يثبت إلا بالله.
رابعًا: التسويف:
ومن أخطر ما يقطع الطريق إلى لذة العبادة: التسويف؛ ذلك الداء الهادئ الذي لا يمنع الطاعة صراحة، لكنه يؤجلها حتى تذبل الرغبة، ويبرد الشوق، ويقسو القلب، فالمسوِّف لا يقول: لن أطيع، بل يقول: غدًا… وبعد قليل… وحين تهدأ الظروف، حتى يُفاجَأ بأن قلبه لم يعد يشتاق، وأن العبادة صارت ثقيلة بلا حلاوة.
وقد حذر الله من طول الأمل فقال تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} [الحجر: 3]، فجعل الأمل الممدود حجابًا عن اليقظة، وقال سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، لأن القلوب إن لم تسارع فترت، وإن لم تبادر قست.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (37)، معنى الحديث: الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر(38)، فأمر بالمبادرة؛ لأن التأخير يفتح باب الفتور، وقال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك… وفراغك قبل شغلك» (39)، فالتسويف تضييع للاغتنام، ومن ضيع الوقت ضاعت عليه لذة القرب، إن لذة العبادة وليدة المبادرة، لا المؤجَّلات؛ تُعطى لمن طرق الباب في أول النداء، لا لمن أقبل بعد أن خبًا الشوق.
قال حجة الإسلام: الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى والبدن مركب، ومن ذهل عن تدبير المنزل والمركب لم يتم سفره، وما لم ينتظم أمر المعاش في الدنيا لا يتم أمر التبتل والانقطاع إلى الله الذي هو السلوك (40).
علاجه:
- الإقبال الفوري على الطاعة بلا تأجيل:
الإقبال الفوري على الطاعة علامة صدقٍ مع الله، ودليل حياة القلب؛ فالقلب الحي لا يؤجل لقاء ربه، ولا يساوم على القرب منه، ولا ينتظر صفاء الأحوال ليطرق باب السماء.
إذا ناداه النداء، لبّى، وإذا لاح له باب الخير، دخله، غير ملتفت إلى تردد النفس ولا إلى تثاقل الهوى، فالتأخير سمٌّ بطيء، أمّا المبادرة فشفاء؛ وما سارع عبد إلى الطاعة إلا فُتِحت له أبواب التوفيق، ولا أقبل على الله في وقته إلا أقبل الله عليه بفضله، فإن القلوب تفتح عند أول طرق، وتغلق بكثرة التردد.
والعاقل من اغتنم لحظة الإقبال قبل أن تخبو، وبادر إلى السجود قبل أن يقسو القلب، واغتنم صفاء الخاطر قبل أن تزاحمه الشواغل؛ فإن الطاعة إذا أخرت ضعفت، وإذا فعلت حضرت، وإذا بادرت إليها ذقت لذتها.
ومن فقه هذا علم أن الله لا ينتظر، بل يقصد، ولا يؤجل لقاؤه، بل يبادر إليه، وأن أجمل لحظات القرب هي تلك التي تغالب فيها النفس، وتقول لها: الآن… لا غدًا.
- محاسبة النفس يوميًا:
محاسبة النفس يوميًّا ليست ترفًا إيمانيًا، ولا مرحلة لمن فرغ من المعاصي؛ بل هي علامة يقظة، ودليل خوف محمود، ووسيلة السائرين إلى الله لحفظ الطريق من الانحراف الخفي.
فالنفس إن تركت بلا حساب، جمعت التقصير إلى التقصير، وإن حوسبت بلطفٍ وصدق، انكسرت، وصلحت، وأقبلت.
هي كالتاجر الحصيف؛ لا يفرح بكثرة رأس المال، حتى يحصي الربح والخسارة، ولا يغتر بحسن الظاهر حتى يفتّش في الدفاتر.
ومحاسبة النفس ليست جلدًا لها، ولا يأسًا من رحمة الله؛ بل وقوف صادق في آخر اليوم: ماذا أردت بعملي؟ أين غفلت؟ أين أخلصت؟ وأي باب خير فتح لي فتأخرت عنه؟
فمن حاسب نفسه خف حسابه، ومن راقب قلبه رق قلبه، ومن عاتب نفسه في الدنيا، أراحه الله من طول العتاب في الآخرة.
وما صلحت القلوب، ولا دامت لذة العبادة، إلا بنفوس تراجع، وتؤدب بالمحاسبة، وتقاد إلى الله بقيود الصدق لا بسياط القسوة.
- تذكر أن اللذة الحقيقية في القرب من الله:
اللذة الحقيقية في القرب من الله، لا في كثرة المتاع، ولا في ضجيج الإنجاز، ولا في تصفيق الناس، هي لذة لا تشترى، ولا توصف، ولا تنال إلا لمن صدق في الطلب، وخلع قلبه على باب مولاه.
هي لذة أن يسكن القلب وإن اضطربت الدنيا، وأن يطمئن الفؤاد وإن ضاق السبب، وأن يجد العبد في سجدةٍ واحدة ما لا يجده غيره في متاع سنين، لذة إذا ذاقها القلب استصغر ما دونها، وإذا عرفها استوحش من البعد، ولو كان في أوسع نعيم.
ليس القرب من الله حالًا طارئًا؛ بل مقامًا يُرتقى، ولا شعورًا عابرًا، بل سكينة تقيم في الصدر.
قد يُحرم منها صاحب العمل الكثير، ويرزقها صاحب القلب المنكسر، لأن الله لا ينظر إلى كثرة الصور، بل إلى صدق السرائر.
ومن ذاق لذة القرب، هانت عليه مشقة الطاعة، وصغرت في عينه لذات المعصية، وصار يقول بلسان حاله قبل مقاله: ما وجدت شيئًا أطيب من أن يكون الله معي.
- عدم انتظار “الوقت المناسب” الوهمي:
عدم انتظار “الوقت المناسب” الوهمي فقهٌ عظيم في السير إلى الله، لأن أخطر ما يخدع القلوب أن تقنع نفسها أن الطاعة مؤجَّلة لا مرفوضة، وأن القرب ممكن… لكن ليس الآن.
فالوقت المناسب الذي تنتظره النفس غالبًا لا يأتي؛ لأنه ليس زمنًا خارجيًّا؛ بل عذر داخلي يتبدل ولا ينتهي.
إن الله لا يعبد في فراغ المشاغل، ولا في اكتمال الاستعداد، بل يعبد في زحمة الحياة، وفي ضعف النفس، وفي نقص الحال، ومن انتظر الكمال ليبدأ، لم يبدأ، ومن انتظر صفاء القلب ليُقبل، طال عليه الانتظار وقسا قلبه.
فالبداية لا تحتاج زمنًا مثاليًّا؛ بل تحتاج قلبًا صادقًا وخطوةً شجاعة، ابدأ الآن ولو قليلًا، فإن القليل مع الصدق يفتح باب الكثير، وإن اللحظة الحاضرة هي أنسب الأوقات… لأنها الوحيدة التي تملكها.
فمن وجد في عبادته جفافًا، فليفتّش لا عن زيادة العمل فقط؛ بل عن: ذنبٍ خفي، أو قلبٍ غافل، أو إخلاصٍ مجروح.
