logo

الابتلاء في حياة المرأة المؤمنة


بتاريخ : الثلاثاء ، 2 ذو الحجة ، 1447 الموافق 19 مايو 2026
الابتلاء في حياة المرأة المؤمنة

الابتلاء في حياة المرأة المؤمنة ليس علامة نقص، ولا دليل هوان، بل هو في كثير من الأحيان عنوان اصطفاء، وميدان تربية، وطريق رفعة عند الله تعالى، فالأصل في هذه الحياة أنها أمواج من الابتلاء، وما دمتي موجودة على قيد الحياة، فأنت معرضة للابتلاء في كل وقت وحين؛ فهو قدر حتمي من الله تعالى، لا مفرَّ منه ولا مهرب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق: 6]، يا أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحًا، تحمل عبئك، وتجهد جهدك، وتشق طريقك.. لتصل في النهاية إلى ربك، فإليه المرجع وإليه المآب بعد الكد والكدح والجهاد..

يا أيها الإنسان، إنك كادح حتى في متاعك، فأنت لا تبلغه في هذه الأرض إلا بجهد وكد، إن لم يكن جهد بدن وكد عمل، فهو جهد تفكير وكد مشاعر، الواجد والمحروم سواء، إنما يختلف نوع الكدح ولون العناء، وحقيقة الكدح هي المستقرة في حياة الإنسان.. ثم النهاية في آخر المطاف إلى الله سواء.

يا أيها الإنسان، إنك لا تجد الراحة في الأرض أبدًا، إنما الراحة هناك لمن يقدم لها بالطاعة والاستسلام، التعب واحد في الأرض والكدح واحد- وإن اختلف لونه وطعمه- أما العاقبة فمختلفة عند ما تصل إلى ربك (1).

وقال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]، في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح، كما قال في السورة الأخرى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق: 6].

الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء- بإذن ربها- وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض- إلى جانب ما تذوقه الوالدة- ما تذوق، وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم! ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر، يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة، ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد، وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد، والذي يلاحظ الوليد عند ما يهم بالحبو وعند ما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة.

وعند بروز الأسنان كبد، وعند انتصاب القامة كبد، وعند الخطو الثابت كبد، وعند التعلم كبد، وعند التفكر كبد، وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء! ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق هذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره، وهذا يكدح بروحه، وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء، وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف.. وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله، وهذا يكدح لشهوة ونزوة، وهذا يكدح لعقيدة ودعوة، وهذا يكدح إلى النار، وهذا يكدح إلى الجنة.. والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحًا إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء، وتكون الراحة الكبرى للسعداء.

إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا، تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكبد في النهاية، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى، وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله (2).

وينبغي أن يُعلَمَ أن الابتلاء هو اصطفاء وعلامة خير للعبد، ودليل حب الله تعالى له؛ ففي صحيح مسلم عن صهيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له» (3)، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يُرِدِ الله به خيرًا يُصِب منه» (4)، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (5).

الابتلاء في حياة المرأة المؤمنة هو علامة محبة من الله، تهدف لرفع درجاتها، تكفير ذنوبها، وتمحيص إيمانها بالصبر والرضا، اقتداءً بالأنبياء، يشمل الابتلاء فقدان الأحبة، ضيق الرزق، مشاكل زوجية أو تربوية، أو أمراضًا، وتواجهه المرأة بـتقوى الله، الثبات، وكثرة الدعاء، مع اليقين بأن أجر الصبر بغير حساب.

فالمرأة المؤمنة تُبتلى كما يُبتلى الرجال، بل قد تحمل من ألوان البلاء ما لا يحتمله كثير من الخلق؛ لأنها بطبيعتها تحمل همّ نفسها، وهمّ بيتها، وهمّ زوجها وأبنائها، فتتضاعف عليها الأعباء، ويتكاثر عليها الاختبار.

والابتلاء في حقيقته له حكم عظيمة:

أولها: أنه يختبر صدق الإيمان:

فليست العبرة بكثرة الكلام، ولا بحلاوة العبارات، بل بثبات القلب عند الشدة، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3)} [العنكبوت: 2- 3]، إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم.

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم، وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحدًا إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه (6).

يقول الزمخشري: والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان: أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب المحن، حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من العابد على حرف، كما قال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] (7).

ثانيها: أنه يطهّر القلب ويرفع الدرجات:

فكل دمعة صبر، وكل وجع مكتوم، وكل ليلٍ تُقضيه المرأة تناجي ربها، هو في ميزانها رفعة، وإن خفي على الناس قدره.

إرادة الله تعالى رفعة درجات المؤمن الصابر، فيبتليه بالمصيبة ليرضى ويصبر فيُوفَّى أجر الصابرين في الآخرة، ويكتب عند الله من الفائزين، وقد رافق البلاء الأنبياء والصالحين فلم يغادرهم، جعله الله تعالى مكرمة لهم ينالون به الدرجة العالية في الجنة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله؛ ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده» (8).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (9).

وقد جُمع السببان في حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة» (10).

ألا ترى أن من ابتلاه الله بمصيبة بسبب ذنبه فصبر وشكر غفر الله تعالى له ذنبه، ورفع درجته في الجنة، ووفاه أجر الصابرين المحتسبين .

كما أن من بتلاه الله بالمصيبة ليبلغ المنزلة الرفيعة التي كتبها له في الجنة، تكفر عنه ذنوبه السالفة، وتعتبر جزاء له عليها في الدنيا، فلا تكرر عليه في الآخرة، كما وقع لبعض الرسل والأنبياء: كآدم عليه السلام، ويونس عليه السلام، حين ابتلى الله سبحانه وتعالى آدم بالإخراج من الجنة، وابتلى يونس بن متى بالغرق في بطن الحوت، فرفعهما الله بهذا البلاء لصبرهما واحتسابهما الثواب عنده سبحانه، وكانت كفارة للمخالفة التي وقعت من كل منهما عليهما الصلاة والسلام .

ويدلك على ذلك أن الجزاء الدنيوي لا ينفصل عن الجزاء الأخروي، وأن اقتران ذكر هذين السببين جاء في كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة، منها ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (11).

ومع ذلك فقد يكون أحد هذين السببين أظهر في بعض صور البلاء من السبب الآخر، ويمكن فهم ذلك من خلال قرائن الحال التي تتعلق بتلك المصيبة :

فإذا كان المبتلى كافرًا: فلا يمكن أن يكون بلاؤه لرفعة درجته، فالكافر ليس له عند الله وزن يوم القيامة، لكن قد يكون في ذلك عبرة وعظة لغيره، ألا يفعل مثل فعله، وقد يكون من ذلك من عاجل عقاب الله له في الدنيا، زيادة على ما ادخره له في الآخرة، قال الله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)} [الرعد: 33- 34].

وأما إذا كان المبتلى مسلمًا عاصيًا مجاهرًا، أو فاسقًا ظاهر الفسق: فقد يغلب على الظن وجه المجازاة والعقوبة بهذا الابتلاء، لأن تكفير السيئات أسبق من رفع الدرجات، والعاصي أحوج إلى تكفير سيئاته من رفع درجاته .

وفي المقابل إذا كان المسلمة عابدة طائعة صالحة، ليس بينها وبين الله إلا العبودية الحقة، والشكر والحمد والإنابة والإخبات إليه سبحانه: فهذا يغلب على الظن في ابتلائها وجه المكرمة ورفع الدرجات، والعباد شهداء الله في الأرض، فإذا عرفوا فيها الصلاح كان لهم أن يبشروها برفعة الدرجات عند الله تعالى إن هي صبرت على بلائه .

وأما إذا أبدت المبتلية السخط والجزع، فلا يظن أن يكون ابتلاؤها مكرمة من الله لها لرفع درجاتها، وقد علم سبحانه منها عدم الصبر والرضا، فالأقرب في هذه القرينة وجه المجازاة والعقوبة، وقد قال بعض الصالحين: علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع والشكوى إلى الخلق .

وعلامة الابتلاء تكفيرًا وتمحيصًا للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات .

وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف.

ثالثها: أنه يربّي التعلّق بالله:

حين تضيق الأسباب، وتنقطع الحيل، لا يبقى إلا باب الله، وهنا تنشأ أعظم صلة، وأصدق عبودية.

الابتلاءُ ليس مجرد ألمٍ يعبر القلب؛ بل هو نداءٌ خفيٌّ يوقظ الروح لتعود إلى ربّها؛ ففي لحظات الضيق، حين تتهاوى الأسباب، وتخفت ضوضاء الدنيا، يتجلّى معنى التعلّق بالله في أنقى صوره، حيث لا ملجأ ولا منجى إلا إليه، ينكسر العبد لا ضعفًا بل صدقًا، ويطرق باب السماء لا عادةً بل اضطرارًا، فيجد من لذّة القرب ما لم يعرفه في سعة الرخاء.

إن الابتلاء يجرّد القلب من تعلّقه بالخلق، ويعيد توجيهه نحو الخالق، حتى يصبح الدعاء أنفاسًا، والتوكل يقينًا، والرجاء حياة.

وقال ابن القيم: لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد -من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب- ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمة أرحم الراحمين: أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حِمْيَةً له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان مَن يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه (12).

فلا ينبغي للإنسان أن ييأس من رحمة ربه، أو أن يضجر من الدعاء، أو يستطيل زمن البلاء؛ لأنه لا يعلم حكمة البلاء ولا يعي كنه أسراره، وأن تَفَقُّدَ الله تعالى للمكلفين بالمصائب والابتلاءات إنما هو رحمة بهم، وحفظًا لصحة عبوديتهم؛ قال الإمام ابن الجوزي في: فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء؛ فإنك مبتلى بالبلاء، متعبد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله، وإن طال البلاء (13).

وصور الابتلاء في حياة المرأة كثيرة:

- قد تُبتلى في زواجها، بزوج قاسٍ أو بعيد عن الله، وهذا من أشدّ ما تُبتلى به المرأة المؤمنة أن تُجاور قلبًا قاسيًا، أو تعيش مع زوجٍ بعيدٍ عن الله؛ فتجد نفسها بين ألم المعاملة، ووحشة الطريق، تثبّت نفسها بنفسها، وتستمدّ نورها من ربها لا ممّن حولها. هناك، في خلواتها، تتشكّل حقيقة الصبر، ويتجلّى صدق الالتجاء، إذ لا تملك تغيير قلبٍ أُغلق، لكنها تملك أن تفتح قلبها لله أكثر، فكل كلمةٍ تكظمها، وكل دمعةٍ تُخفيها، وكل دعاءٍ تُردّده في جوف الليل، إنما هو بناءٌ خفيٌّ لعلاقتها بربها، وارتقاءٌ في مدارج الإيمان. وربّ ابتلاءٍ في زوجٍ قاسٍ كان سببًا في قلبٍ ألين، وأقرب إلى الله، حتى تصير المرأة ثابتةً بالله، لا تهزّها قسوة بشر، ولا تُطفئ نورها جفوةُ أحد.

- في أولادها، تعبًا في تربيتهم، أو خوفًا عليهم؛ فهم قطعةٌ من قلبها، ومحلّ رجائها، فإذا رأت فيهم تعبًا أو انحرافًا أو تقصيرًا، كان الألم مضاعفًا، يمسّ عاطفتها وإيمانها معًا، وهنا يتجلّى سرّ التعلّق بالله؛ إذ تدرك أن القلوب بيده، وأن الهداية ليست بجهدها وحدها، بل بتوفيقه سبحانه، فتجتهد في التربية، وتبذل ما تستطيع، ثم ترفع كفّيها في خضوعٍ صادق، تسأله أن يُصلحهم كما لا تستطيع هي. وكل دمعةٍ تنزل خوفًا عليهم، وكل دعاءٍ يُرفع لأجلهم، إنما هو عبادةٌ خفيّة، يُربّي الله بها قلبها قبل أن يُصلح بها أبناءها، فربّ أمٍّ أرهقها السعي، وأحزنها الواقع، لكن الله جعل من صبرها ودعائها نورًا يهدي أبناءها يومًا، أو يرفعها به درجاتٍ عالية، ولو لم ترَ الثمرة بعينها.

- وقد تُبتلى المرأة المؤمنة في نفسها؛ في جسدٍ يضعف، أو نفسٍ تُرهق، أو قلبٍ يتقلب بين إقبالٍ وإدبار، فتجد معركتها صامتة لا يراها أحد، لكنها في داخلها عظيمة، وهنا يتجلّى عمق العبودية؛ إذ تتعلّم أن تثبت لله ولو اختلّ كل شيء، وأن تُجاهد نفسها حين تفتر، وتُداوي روحها بالذكر والدعاء حين تثقل، فكل صراعٍ تخوضه مع ضعفها، وكل مرةٍ تعود فيها إلى الله بعد انكسار، إنما هو دليل حياة قلبها، لا موته. وربّ ابتلاءٍ في نفسها كان بابًا لمعرفة الله معرفةً أصدق، إذ جرّدها من حولها وقوتها، وربطها بربّها ربطًا لا ينفصم، حتى صارت أقوى بالله، وإن بدت في ظاهرها ضعيفة.

- وقد تُبتلى المرأة المؤمنة في مجتمعها؛ بنظراتٍ تُثقلها، أو كلماتٍ تُؤذيها، أو بيئةٍ تُحاصر قيمها وتُغرّب ثباتها، فتجد نفسها غريبةً وهي بين أهلها، ثابتةً وهي تُدفع إلى التنازل، وهنا يظهر معدن الإيمان؛ إذ تختار رضا الله على رضا الناس، وتصبر على أذى لا يُرى، وثباتٍ لا يُصفَّق له، فكل موقفٍ تقف فيه وحدها لأجل الحق، وكل مرّةٍ تُخالف التيار محافظةً على دينها، إنما هو بناءٌ خفيٌّ لعزّتها عند الله، ورفعةٌ في ميزانها، وربّ مجتمعٍ ضاق بها، فوسّع الله به صدرها، وربّاها على أن تكون بالله قوية، لا تستمدّ قيمتها من قبول الناس، بل من صدق وقوفها بين يدي ربها.

- وقد تُبتلى المرأة المؤمنة في قلبها؛ بصراعٍ خفيٍّ بين نورٍ يدعوها إلى الطاعة، وهوى يشدّها إلى الغفلة، فتعيش معركةً لا يراها أحد، لكنها أشدّ من كثيرٍ من الظواهر، تتقلّب بين إقبالٍ وانكسار، وبين عزمٍ وفتور، تخاف على إخلاصها، وتخشى أن تُخالط نياتها شوائبُ الرياء أو حبّ الثناء، وهنا يكون الابتلاء تربيةً دقيقة؛ يُنقّي الله بها سريرتها، ويُعلّمها أن تراقبه في الخفاء قبل العلن، وأن تُجاهد قلبها لتبقى له وحده، فكل مرةٍ تردّ نفسها عن هوى، وكل لحظةٍ تُصحّح فيها نيتها، هي خطوةٌ نحو قلبٍ أنقى، وأقرب إلى الله، وربّ صراعٍ في الداخل، لا يراه الناس، كان سببًا في رفعةٍ عظيمة، لأن الله ينظر إلى القلوب، ويعلم صدق من جاهدها لأجله.

- وقد تُبتلى المرأة المؤمنة في أحمائها؛ فتجد نفسها بين واجب الإحسان، ومرارة ما قد تلقاه من تضييقٍ أو سوء فهم، فتسير على خيطٍ دقيق بين حفظ بيتها، وصيانة كرامتها، والثبات على خُلقها، هنا يشتدّ الاختبار؛ لأن الأذى قريب، والكلمة أثقل، والموقف يتكرر، لكنها تستحضر أن هذا بابٌ من أبواب الصبر التي لا يطّلع عليها إلا الله، فتُحسن ما استطاعت، وتكفّ أذاها، وتزن ردودها بميزان الحكمة، لا باندفاع الألم، فكل صبرٍ تكظمه، وكل إحسانٍ تقدّمه رغم الجفاء، إنما هو رفعةٌ في ميزانها، وتربيةٌ لقلبها على الإخلاص، وربّ ابتلاءٍ في الأحماء كان سببًا في نفسٍ أوسع حلمًا، وألين خُلقًا، وأقرب إلى الله، لأنها تعلّمت أن تتعامل معه قبل أن تتعامل مع الناس.

- وقد تُبتلى المرأة المؤمنة في جيرانها؛ بأذىً يُثقل يومها، أو تضييقٍ يُكدّر سكينتها، أو تعاملٍ يخلو من المروءة، فتجد نفسها بين رغبة الردّ، وواجب الصبر، وبين ألم الواقع، وأمل الأجر. وهنا يتهذّب الخلق، وتسمو النفس؛ إذ تختار الإحسان مع القدرة على المقابلة، وتكفّ أذاها وإن لم يُكفّ عنها، وتستحضر أن ما عند الله أبقى، فكل أذىً تصبر عليه، وكل معروفٍ تُقدّمه في بيئةٍ قاسية، إنما هو نورٌ يُكتب لها، ورفعةٌ تُدّخر عند ربها، وربّ جارٍ ضيّق عليها في الدنيا، فوسّع الله به صدرها، وربّاها على خُلقٍ عظيم، حتى صارت تُحسن لا لأن الناس يستحقون، بل لأن الله يحبّ المحسنين.

مقومات الصبر على الابتلاء:

أولًا: الصبر: هذه الشدائد تبين دور الزوجة الصالحة من غيرها، وتظهر عن معدنها النبيل، وأصلها الطيب الصادق، فالله تعالى يحب ويبشر الصابرين، والصبر درجة عالية لا ينالها إلا من وفقه الله، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري» قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (14).

قال ابن حجر: والمعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر (15).

وقال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو، وحكى الخطابي عن غيره؛ أن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه؛ وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره، وقال بن بطال أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر (16).

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه إن ابنا لي قبض، فأتنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب» (17).

قال الملا الهروي: وقدم الأخذ على الإعطاء مع أن الأخذ متأخر في الواقع لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع؛ لأن من يستودع الأمانة لا ينبغي له الجزع إذا استعيدت، ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، وثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك (18).

وقرين الصبر الاحتساب، وإيكال أمرها لربها وذلك عندما تسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» (19)، وفي هذا تكفير للذنوب ومحو للسيئات ورفع للدرجات ونيل المنزلة في الآخرة، فالصبر والاحتساب هو ما يهون البلاء.

ثانيًا: الرضا: الرضا بقضاء الله هو سكون القلب وطمأنينته إلى ما قدره الله تعالى، يقينًا بحكمته ورحمته، وهو واجب شرعي يجلب السعادة، ويُهوّن المصائب، ويورث محبة الله.

الرضا هو تقبّل الأقدار (الخيرة أو المؤلمة) بنفس راضية، واليقين بأن اختيار الله للعبد خير من اختياره لنفسه، فكلما اشتد ضيقها حمدت الله بقلب راض، حينئذ تشعر بالراحة وسعة الصدر والتفاؤل؛ فإنها تعلم أن ما عند الله خير وأبقى، يقول صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (20)، ونعلم جيدًا أن مرتبة الرضا مرتبة قد تشق على كثيرات من النساء، لكنها أيضًا تسهل وتتيسر على كل صالحة وثقت في موعود ربها سبحانه، وفي بشارة نبيه صلى الله عليه وسلم، إن الرضا في الملمات والأزمات يذيق المرء طعم الإيمان ويصلب عوده، ويجيزه من العقبات، ومن الرضا عدم الشكوى للناس، والقناعة بالقليل، والاستبشار بالقادم.

ثالثًا: الإيجابية: بمعنى عدم الاستسلام للانكسار، أو الركون للقعود، أو انتظار الهموم، فهنا تظهر حقيقة المرأة الصالحة في الصعاب والأزمات، فلا تجلس تنوح وتبكي حظها ولا يأخذها القلق منها مأخذه، ولا تستبد بها الرجفة، ولا يلفها القنوط، ولا يحاصرها الحزن مهما شعرت به، ولكن يكون تفاعلها مع الأزمة هو التفاعل الإيجابي، تفاعل يدفعها ويحركها نحو فضائل الأعمال وفضائل المواقف، تفاعل لا يجمد أعضاءها بل تستقبل البلاء بإيجابية الثبات، وتقوم بدورها على أكمل وجه وأفضل ما ينبغي.

ولننصح المرأة ها هنا عند الأزمات أن تبدي الصلابة في المواقف، وأن تزيد أكثر وأكثر من وقارها في بيتها ومن حشمتها، ومن انكبابها على أسرتها، وألا تفتح مجالًا للغرباء أيًا كانوا، وأن تستر حالها وحال بيتها مهما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

وقد علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم تلك الإيجابية والتفاعلية في شتى المواقف، فيروي عنه أنس رضي الله عنه يقول: كان صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال» (21).

قال المؤلف: جميع أبواب الاستعاذة التي ترجم بها تدل آثارها على أنه ينبغي سؤال الله والرغبة إليه في كل ما ينزل بالمرء من حاجاته، وأن يعين كل ما يدعو فيه، ففي ذلك إطالة الرغبة إلى الله تعالى والتضرع إليه وذلك طاعة الله تعالى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يتعوذ بالله من كل ذلك ويعينه باسمه، وإن كان الله قد عصمه من كل شر، ليلزم نفسه خوف الله تعالى وإعظامه، وليسن ذلك لأمته ويعلمهم كيف الاستعاذة من كل شيء (22).

رابعًا: تربية أبنائها: وهنا تظهر صورة المرأة المؤمنة الصالحة المصلحة، فليس فقط مطلوبًا منها أن تكون صالحة في نفسها بينما هي تهمل دورها المنوط بها؛ بل أيضًا ينبغي عليها في الأزمات خصوصًا أن تكون صالحة مصلحة، تلك التي تقف وتصمد أمام الرياح، وتواجه كل العقبات، وتقف وقفة شامخة تربي أبناءها التربية التي ترضي الله تعالى وتجد ثمرة هذه التربية في صلاح أبنائها وتميزهم عن غيرهم، وذلك بتوفيق الله تعالى لها لأنها استمدت العون من الله تعالى حينما اتجهت لرعاية أبنائها فهو سبحانه يتولى الصالحين.

وننصح المرأة الصالحة ها هنا أن تبدي أمام أبنائها الصلابة، وأن تستعمل الحزم وتغلبه على اللين، فالأبناء إذا فقدوا أباهم أو غاب عنهم مال أكثرهم على إثبات ذاته بالقوة والتصميم على الرأي، وهنا يجب أن تبدي الأم موقفًا قويًا حتى لا تنكسر إرادتها أمام ابنائها، كما أنصحها أن تبدي أمام الآخرين الثبات مهما كانت متألمة، وتجعل شكواها لربها فحسب، فهو كافيها ومفرج كربتها.

خامسًا: توطيد الصلة بالله سبحانه: فإذا اشتد الضيق ضيقًا والهم هما والحزن حزنًا، فالخروج من كل ذلك هو بفرارها إلى الله تعالى، ذلك الذي يخفف عنها الكثير ولا يشعرها بالتعب مهما كانت مدته، وتتسم المرأة الصالحة عند نزول البلاء بها بعدم الشكوى إلا لله تعالى، فالمشاكل قد تزداد عليها الواحدة بعد الأخرى والأعباء تتزايد، وعليها في غمرة كل هذه الصعاب ألا تعجز؛ بل ترفع رأسها إلى السماء تنادي وتناجي مالك الملك، القادر المعين، فإليه المشتكى وحده، ومنه العون سبحانه الذي يجيب دعوة المضطر فهو سبحانه قريب..

سادسًا: حرصها أن تكون قدوة: لن تنجح المرأة في المهمة التي تنتظرها إلا إذا اصبحت قدوة لأبنائها، وكلما ارتقت في عيونهم كان التقليد فأفلحت التربية، كما تكون قدوة لأهل بيتها وجيرانها وأقاربها، والقدوة ليست بكلام يقال بل بعمل يقدم وصورة منيرة ساطعة فتتبع، وعلى المرأة المؤمنة إذا ضاق بها الحال تذكر غيرها اللاتي هن أشد منها بلاء، فمن نظر إلى بلاء غيره هانت عليه مصيبته وبلاؤه، وتذكر أهل الشقاء والمحرومين وشعر بآلامهم.

وبالعموم على المرأة الصالحة أن تعلم أن الله تعالى يمحص الناس في الابتلاء، ويختارهم ويعلمهم، فيظهر نفاق المنافق وكذب الكاذب، وكذلك يظهر ويتضح إيمان المؤمن قال تعالى: {وَلِيُمَحِّص الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَق الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141] (23).

قال ابن القيم رحمه الله: إن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ويبتليها، فيظهر بالامتحان طيبها وخبيثها، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح، وليمحص النفوس التي تصلح له، ويخلصها بكير الامتحان كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان، إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة، فقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية، فإذا خرج في هذا الدار وإلا ففي كير جهنم، فإذا هذب العبد ونقي أذن له في دخول الجنة (24).

وفي الختام تبقى الحقيقة الأجمل: أن المرأة المؤمنة لا تُهزم ما دامت متصلةً بالله؛ قد تُرهقها الطريق، وقد تثقلها الأيام، لكنها في كل مرةٍ تعود أقرب، وأنقى، وأقوى، فالابتلاءات، على قسوتها، ليست إلا خيوطًا تنسج بها الأقدار قلبًا يعرف ربّه حق المعرفة، ويأنس به حين يضيق كل شيء، فطوبى لقلبٍ صبر، وثبت، وأحسن الظن بربه، حتى أدرك أن كل ما مرّ به لم يكن ليكسره، بل ليصنعه؛ وأن كل دمعةٍ كانت طريقًا لنور، وكل ألمٍ كان بداية قرب، وهكذا تمضي، لا تحمل فقط آثار ما عانت، بل تحمل معها روحًا تعلّمت أن تكون بالله… كلّ شيء.