logo

أنين المساجد


بتاريخ : الأحد ، 27 شعبان ، 1447 الموافق 15 فبراير 2026
أنين المساجد

إنها المساجد بيوت الله تعالى في أرضه التي جعلها خالصة له وحده، لا يشاركه فيها أحد، فقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} [الجن: 18- 19]، وهي أحب الأماكن إلى الله تعالى، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى المؤمنين الصالحين، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (1)، وذلك أن المساجد محل ذكر الله عز وجل وتلاوة كتابه، ومحل الصلاة والعبادة، ومحل العلم الشرعي والتعرف على الله، وأما الأسواق فهي محل اللغط والكذب والغش والفحش وما لا ينبغي، فكانت المساجد أحب البقاع إلى الله عز وجل، والأسواق أبغض البقاع إلى الله عز وجل.

بل إن المسجدَ بيتُ كلِّ مؤمنٍ وتقي، ومأوى كل مقبل، ومرجع كل تائب، ورياض كل عابد وطالب، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسجد بيت كل تقي» (2).

بيت لا يُشترى، ولا يُورث، ولا يُغلق بابه في وجه أحد، إنه بيت الله الغني الكريم، وملجأ كل تقي، وركن كل خاشع خفي، بيت كل من أحب الله وأحب لقاءه والأنس به، بيت المناجاة والدعاء والتذلل والتضرع لرب العالمين.

لماذا كان المسجد بيت كل تقي؟

- لأنه مكان الطهارة، فلا يدخله إلا من تطهر ظاهرًا وباطنًا.

- لأنه موطن السجود، والسجود أقرب ما يكون العبد من ربه.

- لأنه مجمع المؤمنين، حيث تتآلف القلوب، وتتعانق الأرواح.

- لأنه منبر العلم والدعوة، حيث يُعلّم الجاهل، ويُرشد الضال، ويُربى الناشئ.

- لأنه مأوى المهمومين، وملاذ التائبين، وملجأ المحتاجين.

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد وراح، أعد الله له نزلًا من الجنة كلما غدا أو راح» (3).

«غدا أو راح» أي ذهب في أول النهار أو آخره، أي في الصباح أو المساء، وهو كناية عن الذهاب المتكرر إلى المسجد، خاصة لصلاة الجماعة.

«نزلًا» أي ضيافة وكرامة، كما يُعد للضيف طعامه ومكانه، فإن الله يُعد للمصلي في الجنة ما يليق بكرامته كلما ذهب إلى المسجد، يدعو ربه بالغداة والعشي يريد رضاه ويأنس بلقياه.

وعن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (4).

لأنهم مشوا في الظلام فيجازيهم الله عز وجل بأن يجعل لهم نورًا تامًا يوم القيامة يبصرون به ويمشون به، والجزاء من جنس العمل، وكما أن هذا فيه مشي في الظلام فإنه يقابله نور، وجزاؤه نور يحصل يوم القيامة، كما جاء في فضل الصيام أن الصائمين يدخلون من باب يقال له: الريان؛ لأنهم عطشوا أنفسهم؛ فجوزوا أن يدخلوا من باب يشعر بالري الذي هو ضد الظمأ.

فهؤلاء لما مشوا في الظلمات إلى المساجد، وحرصوا على الذهاب إلى المساجد في الظلمات يجازيهم الله عز وجل بأن يجعل لهم نورًا يمشون به يوم القيامة يضيء لهم جزاء وفاقًا، والجزاء من جنس العمل، فكما أنهم مشوا في الظلام فالله يعوضهم نورًا يستضيئون به يوم القيامة (5).

حين يُهجر بيت الله:

- تضعف الروح، وتغلب الغفلة، وتُهجر الجماعة.

- تُفقد البركة من البيوت، وتقل الرحمة في المجتمعات.

- يُستبدل نور المسجد بضوضاء الدنيا، ويُستبدل الذكر باللهو.

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: ورجل قلبه معلق في المساجد» (6)، ومعناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود في المسجد (7).

فالقلب هو منبع الصفاء والنقاء، وهو موطن نظر الله من العبد، وهو أهم وأخطر ما في الإنسان، بصلاحه يصلح وبفساده تفسد كل الأعضاء، فعندما يتعلق بشيء صالح فهذا دليل على صلاحه وصلاح صاحبه، وإذا تعلق بخبيث فلخبثه وخبث صاحبه.

دعوة للعودة:

إن المساجد تشتكي، وإن البقاع تبكي، وإن السماء لا تبكي إلا على من كان لله خاشعًا، ولعبادته محافظًا، ولصلاته قائمًا، ولبيت ربه غاديًا ورائحًا، فلنعد إلى المساجد، لنحييها بذكر الله، ولنربط قلوبنا بها كما ربطها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فعن كعب رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر، ضحى دخل المسجد، فصلى ركعتين قبل أن يجلس» (8).

ولنكن من الذين قال الله فيهم: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36]، ولنكن من الذين تبكي عليهم الأرض والسماء، لا من الذين هجروها فنسيتهم البقاع، قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ} [الدخان: 29].

يئِّن المسجد ويشتكي عندما تُهمل عمارته الحسيّة والمعنوية: فالحسيّة البنيان وحاجاته المتعلقة فيه، والمعنوية نشاطاته ودروسه وارتياده: قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18].

قال الشيخ السعدي: ثم ذكر من هم عمار مساجد اللّه فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} [التوبة: 18]، الواجبة والمستحبة، بالقيام بالظاهر منها والباطن، {وَآتَى الزَّكَاةَ} لأهلها، {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ} أي قصر خشيته على ربه، فكف عما حرم اللّه، ولم يقصر بحقوق اللّه الواجبة، فوصفهم بالإيمان النافع، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عمار المساجد على الحقيقة وأهلها الذين هم أهلها، {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}، و«عسى» من الله واجبة، وأمّا من لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا عنده خشية لله، فهذا ليس من عمار مساجد الله، ولا من أهلها الذين هم أهلها، وإن زعم ذلك وادعاه (9).

قال القشيري: لا تكون عمارة المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يعمّرها بتخريب أوطان شهوته، والزاهد يعمرها بتخريب أوطان منيته، والعارف يعمرها بتخريب أوطان علاقته، والموحّد يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومساكنته، وكلّ واحد منهم واقف فى صفته فلصاحب كلّ موقف منهم وصف مخصوص.

وكذلك رتبتهم في الإيمان مختلفة فإيمان من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتان ما هم! قال قائلهم:

لا تعرضنّ بذكرنا في ذكرهم   ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد (10)

يئِّن المسجد ويشتكي عندما يهجر الذكر وقراءة القرآن فيه، ويستبدل بكلام دنيوي صرف كبيع وشراء، وانشغال الناس بالدرهم والدينار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك» (11)، أدخلنا الدنيا في كل شيء حتى المساجد، وفرغنا الدين من كل شيء حتى المساجد، فما عاد الحديث عن الدنيا وزخارفها وشهواتها يفرغ منه قلب العبد، حتى في أماكن خصصت للفراغ من الدنيا، وترك همومها، والانشغال بغيرها، فعجزت نفوسنا المريضة وقلوبنا السقيمة أن تتجرد عن الدنيا حتى ولو كنا في بيوت الله.

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة» (12).

بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن انشغال القلب بغير ربه، وتجريده مما سوى ذلك، حتى يكون في أنس وصفاء مع الله، فيتزود بتقواه، ويتعود كيف يخشاه، ويسعى فيما فيه رضاه، حتى إذا خرج إلى الدنيا خرج بقلب نقي وزاد إيماني وصدر منشرح ونفس راضية، كل ذلك ينير له الطريق ويهديه إلى سواء السبيل، وعند ذلك يسعد الإنسان بحياته، ويهنأ بعيشه ويرضى بقدره، فلا تقعد به الهموم، ولا تعجزه الشدائد، ولا تعطله المعضلات، فتهون عنده الصعاب، وتسهل عليه الأحداث.

وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (13).

زخرفنا المساجد، وشغلنا الراكع وساجد، وتفاخرنا بذلك، وزعمنا أن هذا ما يجب علينا فعله، وتوقفنا عنده، رغم أن الأصل خلاف ذلك، فما كان يزخرفون الجدران ويبالغون في البنيان، وإن يهتمون بالمضمون، ويتركون ما نحن له مبالغون.

قال ابن بطال وغيره: فيه دلالة على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينه، وقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك، وسكت كثير من السلف عنه خوف الفتنة؛ لكن رخص فيه أبو حنيفة إذا قصد فيه تعظيم المسجد إذا وقع الصرف فيه من غير بيت المال (14).

وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (15).

أي: تشييدها على وجه زائد عن قدر الحاجة، أما بناؤها وإصلاحها على وجه يكون فيه بقاؤها وقوة بنائها وعدم تعرضها للتداعي والسقوط فإن هذا أمر مطلوب، ولكن المحذور أن يزاد على ذلك، وأن يُتجاوز الحد المطلوب، مثل أن تُزركش وتُزخرف ونحو ذلك مما جاء المنع فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (16).

وعن بريدة أن رجلًا أنشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» (أخرجه مسلم (569).).

أي: لذكر الله تعالى والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها، قال القاضي: فيه دليل على منع عمل الصانع في المسجد كالخياطة وشبهها (17).

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد (18).

وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه سلم: قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد، فقولوا: لا رد الله عليك» (19).

قال أبو سليمان الخطابي: ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد، من أمور معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم (20).

وذكر مالك، عن عطاء بن يسار أنه كان يقول لمن أراد أن يبيع في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة.

قال الطحاوي: ومعنى البيع الذى نهى عنه في المسجد الذي يغلب على المسجد ويعمه، حتى يكون كالسوق، فذلك مكروه، وأما ما سوى ذلك فلا بأس به، وكذلك التحلق الذي نهى عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه، فهو مكروه، وغير ذلك لا بأس به، وقد أجمع العلماء أن ما عقد من البيع في المسجد أنه لا يجوز نقضه، إلا أن المسجد ينبغي أن يجنب جميع أمور الدنيا (21).

عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما: ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم (22).

يئِّن المسجد ويشتكي عندما يُهمل بناؤه وتترك عمارته حسيًّا ومعنويًا ويستصغر شأنه، ويترك بلا تنظيف ولا اهتمام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجدًا لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة» (23).

عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد» (24).

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114]، فهل هناك من هو أشد منه ظلمًا؟ ممن سعى في خراب بيوت الله حسًا ومعنى، من قام بهدمها ظلمًا وعدوانًا، فماذا ينتظر هؤلاء بعد أن حاربوا رب الأرض والسماء؟

من أظلم ممن يمنع عباد الله من الصلاة والذكر، والمساجد لم تبن إلا لذلك؛ قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} [الجن: 18- 19]، يسعون– حسدًا من عند أنفسهم– إلى صد المؤمنين عن بيوت الله وعن الصلاة؛ لأن المساجد هي من أعظم الشعائر الإسلامية وأبرزها، وهي عنوان الإسلام لكل بلد، والكفار عندما يعتدون على بيوت الله فهم لا يفعلون ذلك اغتصابًا للأرض، ولا طمعًا في مال– وإن وجد ذلك أحيانًا-؛ لكنهم ينطلقون من عقيدةٍ نتنةٍ تمتلئ بها صدورهم، وحربٍ على الإسلام والمسلمين توشحت بها نفوسهم.

قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: ] لا بد أن ترفع، قال السعدي رحمه الله: أي: يتعبد لله {فِي بُيُوتٍ} عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه وهي المساجد، {أَذِنَ اللهُ} أي: أمر ووصى، {أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله (25).

مظاهر لبعض المنكرات في المساجد:

ترك تحية المسجد، يدخل أحدهم المسجد فيجلس دون صلاة، أو ينصرف دون صلاة، أو قد يسمع الأذان فينصرف دون صلاة، عن أبي الشعثاء، قال: كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: «أما هذا، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» (26)، فإن كان لحاجةٍ طارئه جاز ذلك، والنهي لمن ليس له عذر.

عن أبي قتادة- صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟» قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين» (27).

ومن الأخطاء أن يتعمد المصلي مكانًا معينًا في المسجد، لا يصلي إلا فيه، لما جاء في الحديث الصحيح: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يوطن الرجل في المكان بالمسجد كما يوطن البعير» (28)، أي: يألف مكانًا معلومًا مخصوصًا به يصلي فيه لا يغيره، وبعض الناس يتخذون أماكن وراء الإمام يصلون فيها دائمًا ويطردون من أتى قبلهم إليها، فهذا من مبلغ الجهل العظيم الذي بلغ بهم، ومعلوم أن من سبق إلى مكانٍ في المسجد فهو أحق به.

ومما يخالف أدب المسجد جلوس الناس فيه للحديث في أمر الدنيا، وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن، وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريمًا، وتجوز المناظرة في مسائل العلم دون المراء والجدل، ويباح فيه عقد النكاح، والقضاء، والحكم، وتعليم العلم، ونحو ذلك من الأمور.

ومما يقع من المنكرات: إعراض بعض الناس عن حلق العلم؛ للكلام في الدنيا، أو الانصراف، وقد جاء في الحديث: عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (29)، قال المهلب: فيه من الفقه: أن من جلس إلى حلقة فيها علم- أو ذكر- أنه في كنف الله وفي إيوائه، وهو ممن تضع له الملائكة أجنحتها، وكذلك يجب على العالم أن يُؤوى من جلس إليه متعلمًا لقوله: تمت فآواه الله.

وفيه من الفقه أن من قصد العلم، ومجالسه، فاستحيا ممن قصده، ولم يمنعه الحياء من التعلم، ومجالسة العلماء، أن الله يستحى منه فلا يعذبه جزاء استحيائه.

وفيه أيضًا أن من قصد العلم ومجالسه، ثم أعرض عنها، فإن الله يعرض عنه، ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه، ألا ترى قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175]، وهذا انسلخ من إيواء الله بإعراضه عنه (30).

وينبغي أن لا ترفع الأصوات في المسجد ولا يجهر المصلون بعضهم على بعضٍ بالقرآن، وعن مالك: يُخرج من المسجد من يفعل ذلك، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة عن عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف وخطب الناس فقال: «أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة، فإنه يناجي ربه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة» (31).

ويستحب تنظيف المساجد وتطيبها وتجميرها، خصوصًا يوم الجمعة، وكان نعيم المجمر ملقبًا بالمجمر؛ لأنه كان يجمر المسجد ويطيبه بالبخور، وينبغي أن تصان عن كل وسخٍ، وقذرٍ، وعيدانٍ، ومخاطٍ، وخرقٍ، وتقليم أظفارٍ، وشعرٍ، ورائحةٍ كريهة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من القذر والبول والخلاء؛ إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة» (32)، ولذلك قال: «من أكل من هذه البقلة الثومِ والبصلِ والكراث فلا يقربن في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (33)، وقال: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربن في المسجد، يا أيها الناس أنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرةٌ أكره ريحها» (34)، وكل ما كان يؤذي المصلين من رائحة سماكٍ أو دخانٍ أو غير ذلك من أنواع العرق، وروائح الجوارب والآباط لا بد أن تزال، ويحرص على عدم إزعاج المصلين بها.

وأما النخامة في القبلة فإنها تبعث يوم القيامة وهي في وجه صاحبها كما جاء في الحديث الصحيح مثل البلغم الذي يلفظه الإنسان من حلقه، وقال صلى الله عليه وسلم: «من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه» (35)، وقال واعظًا الناس: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه، فإن تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا» (36)، يعني: في ثوبه، والنخاعة والنخامة التي تخرج من الفم مما يلي أصل النخاع، فشيءٌ ينزل من الرأس وشيءٌ يصعد من الصدر النخامةُ والنخاعة.

النهي عن اتخاذ المساجد طرقًا:

واتخاذ المساجد طرقًا لمجرد المرور واختصار الطرقات منافيٍ للأدب معها؛ ولذلك قال في الحديث الحسن: «لا تتخذوا المساجد طرقًا إلا لذكرٍ أو صلاة» (37)، قال شيخ الإسلام رحمه الله: ليس للمسلم أن يتخذ المسجد طريقًا، فكيف إذا اتخذه الكافر طريقًا، فهذا يمنع بلا ريبٍ (38).

وبعض الناس ربما يتخذ أماكن لإنشاد الصوفية، بل فيها طبلٌ كما في بعض بلدان العالم الإسلامي، وأشنع البدع على الإطلاق بناء المساجد على القبور، وأسوئها ما جعل في جهة القبلة، وهذا منكرٌ تجب محاربته.

والصلاة في مسجد بني على قبر باطله تجب إعادتها وهدم المسجد، إذا كان القبر أولًا؛ لأن البناء على قبر لا يجوز، أما إذا أُدخل القبر في المسجد، ودفن في المسجد بعد بناءه فإن القبر يستخرج ويدفن في المقبرة.

***

-------------

(1) أخرجه مسلم (671).

(2) مجمع الزوائد (2026).

(3) أخرجه البخاري (662)، ومسلم (669).

(4) أخرجه أبو داود (561).

(5) شرح سنن أبي داود للعباد (77/ 15)، بترقيم الشاملة آليًا.

(6) أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031).

(7) شرح النووي على مسلم (7/ 121).

(8) أخرجه البخاري (3088).

(9) تيسير الكريم الرحمن (ص: 331).

(10) لطائف الإشارات (2/ 14).

(11) أخرجه الترمذي (1321).

(12) أخرجه أبو داود (1079).

(13) أخرجه أبو داود (448).

(14) فيض القدير (5/ 426).

(15) أخرجه أبو داود (449).

(16) شرح سنن أبي داود للعباد (65/ 5)، بترقيم الشاملة آليًا.

(17) شرح النووي على مسلم (5/ 55).

(18) أخرجه ابن ماجه (749).

(19) أخرجه الترمذي (1321).

(20) شرح السنة للبغوي (2/ 375).

(21) شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/ 105).

(22) أخرجه البخاري (470).

(23) أخرجه ابن ماجة (738).

(24) أخرجه أبو داود (461).

(25) تيسير الكريم الرحمن (ص: 569).

(26) أخرجه مسلم (655).

(27) أخرجه مسلم (714).

(28) أخرجه ابن أبي شيبة (4978).

(29) أخرجه البخاري (66).

(30) شرح صحيح البخاري لابن بطال (1/ 148- 149).

(31) أخرجه أحمد (4928).

(32) أخرجه أحمد (12984).

(33) أخرجه مسلم (564).

(34) أخرجه مسلم (565).

(35) أخرجه أبو داود (3824).

(36) صحيح الجامع الصغير (5570).

(37) أخرجه الطبراني (31).

(38) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 80).