هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

المسلم في عمره القصير أكرمه الله بمواسم للخيرات، وأعطاه من شرف الزمان ما يستطيع به أن يسرع في السير إلى مرضاته، وأن يعوض ما فاته من تقصير في حياته، إذا وُفِّق لاستغلال هذه المواسم في الطاعات والعبادات والخيرات، ومن أهم هذه المواسم وأفضلها شهر رمضان.
فرمضان شهر خير وبركة، حباه الله تعالى بفضائل كثيرة، منها: أن الله عز وجل أنزل فيه القرآن هدى للناس، ورحمة وشفاء للمؤمنين، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
وهو شهر العتق من النار، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» (1).
وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم رمضان تسع سنوات؛ لأنه فُرِضَ في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وإن من الأمور الواجبة على المسلم أن يتعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل عمل من الأعمال الشرعية، وذلك كي يؤدي ذلك العمل على أكمل الوجوه، وكي لا يقع في ما يبطله أو يخل به، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} [آل عمران: 31، 32]، وقال جل شأنه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
وصلاح كل عمل متوقف على شرطين، هما:
1- إخلاص النية لله تعالى، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5].
2- موافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
ومن ذلك أعمال شهر رمضان، من الصيام والقيام والقراءة والاعتكاف وغيرها من الأعمال الصالحات، وقد جاءت عدة أحاديث تبين لنا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك.
ولم يكن حاله صلى الله عليه وسلم في رمضان كحاله في غيره من الشهور، فقد كان يومه في هذا الشهر مليئًا بالطاعات والقربات، وذلك لعلمه بما لهذه الأيام والليالي من فضيلة خصها الله بها، وميزها عن سائر أيام العام، والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه، إلا أنه أشد الأمة اجتهادًا في عبادة ربه وقيامه بحقه، عن عائشة رضي الله عنها، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا، يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «والله، إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي» (2).
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون، واسمها خولة بنت حكيم على عائشة وهي بذة الهيئة، فسألتها عائشة: ما شأنك؟، فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت عائشة ذلك له فلقي النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، فقال: «يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك في أسوة حسنة؟ فوالله إني لأخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده»، صلى الله عليه وسلم (3).
إفطاره وسحوره صلى الله عليه وسلم:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَّجِّل الفطر بعد غروب الشمس مباشرة، وكان يفطر قبل صلاة المغرب، ويفطر على رطبات يأكلهن وترًا، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من الماء، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (4).
عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء (5).
عن ابن أبي أوفى قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم، فلما غربت الشمس قال لرجل: «انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: «انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا، قال: «انزل فاجدح لنا»، فنزل فجدح، ثم قال: «إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم وأشار بإصبعه إلى قبل المشرق» (6)، الجدح: تحريك السويق ونحوه بالماء بعود (7).
وفي صحيح مسلم من حديث مالك بن عامر قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلاهما لا يألوا عن الخير، أحدهما يعجل المغرب والإفطار، والآخر يؤخر المغرب والإفطار، فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قال: عبد الله، قالت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع، وعبد الله هو ابن مسعود (8).
وروى البخاري من حديث سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (9).
وأما السحور فكان يؤخره حتى ما يكون بين سَحوره وبين صلاة الفجر إلا وقت يسير، وكان من هديه تأخير السحور والمواظبة عليه، وحث أمته على ذلك وعدم تركه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة» (10)، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية (11)، قال ابن حجر في الفتح: قال المهلب وغيره: كانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعَدَل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة، إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة (12)، وقال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة (13).
ولعله تسحر النبي صلى الله عليه وسلم ثم صلى سنة الصبح ركعتين خفيفتين، وينتظر في بيته، حتى يستأذنه بلال في إقامة الصلاة، ثم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من حجرات نسائه، لأنها لصيقة بالمسجد، فيصلي بالناس صلاة الصبح.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» (14).
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قوم دعا لهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند أهل بيت قال لهم: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة» (15).
في بيته صلى الله عليه وسلم:
وكان صلى الله عليه وسلم ربما أصبح جنبًا، فيغتسل ويصوم، فعن عائشة وأم سلمة قالتا: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم (16).
وفي الصحيحين: من حديثهما أيضًا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم (17).
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه- وهي تسمع من وراء الباب- فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم»، فقال: إنك لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «والله، إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» (18).
وكان صلى الله عليه وسلم ربما قبل بعض نسائه وهو صائم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم «يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (19)، وعند مسلم في صحيحه عن الأسود، قال: انطلقت أنا ومسروق، إلى عائشة رضي الله عنها، فقلنا لها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، ولكنه كان أملككم لإربه، أو من أملككم لإربه (20).
وروى مسلم أيضًا من حديث عمر بن أبي سلمة أنه: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سل هذه" لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له» (21).
قال الشيخ ابن عثيمين ما ملخصه: القبلة تنقسم إلى ثلاث أقسام:
1- ألا يصحبها شهوة إطلاقًا، فهذه لا تؤثر ولا حكم لها، لأن الأصل الحل.
2- أن تحرك الشهوة، ولكنه يأمن من إفساد الصوم بالإنزال، فهذه الصحيح أنها جائزة ولا بأس بها.
3- أن يخشى من فساد الصوم، فهذه تحرم إذا ظن الإنزال (22).
وكان صلى الله عليه وسلم ربما صب على رأسه الماء وهو صائم، روى أبو داود عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرْج (وهي قريبة بين الحرمين) يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش- أو من الحر- (23).
قال ابن الملك: وهذا يدل على أن لا يكره للصائم أن يصب على رأسه الماء، وأن ينغمس فيه، وإن ظهرت برودته في باطنه، قال ابن الهمام: ولو اكتحل لم يفطر سواء وجد طعمه في حلقه أو لا، لأن الموجود في حلقه أثره داخلًا من المسام، والمفطر الداخل من المنافذ كالمدخل والمخرج لا من المسام الذي هو جميع البدن، للاتفاق فيمن شرع في الماء يجد برده في باطنه أنه لا يفطر.
وإنما كره أبو حنيفة رحمه الله ذلك؛ أعني الدخول في الماء والتلفف بالثوب المبلول؛ لما فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة، لا لأنه قريب من الإفطار، فكأن الإمام حمل فعله صلى الله عليه وسلم على إظهار العجز والتضرع عند حصول الآلام، وعلى ارتكاب الحكمة في دفع المضرة بالتعلق بالأسباب استعانة للقيام بواجب العبودية لرب الأرباب، وإشارة إلى مشاركته الأمة الآمنة في العوارض البشرية، ميلًا إليهم وتسهيلًا عليهم، وحاصل الكلام أن كلام الإمام محمول على كراهة التنزيه، وخلاف الأولى، وهو صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز من إظهار العجز للرحمة على ضعفاء الأمة (24).
وكان صلى الله عليه وسلم إذا سافر تارة يصوم، وتارة يفطر، وتارة يبتدأ الصوم في أول النهار ثم يفطر بعد ذلك.
ويبدو– والله أعلم- أن مرجع هذا الاختلاف في الحال اختلاف أنواع السفر ومشاقه.
عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة (25).
وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد أفطر، فأفطر الناس (26).
فهم سافروا في رمضان إلى مكة لفتحها، وأمرهم بالإفطار ليتقووا بذلك على جهاد العدو؛ لأنهم إذا كانوا صائمين يحصل لهم ضعف بسبب الصيام، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإفطار ليتقووا، ويكون عندهم قوة ونشاط بسبب الأكل والشرب على عدوهم (27).
وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» (28)، وفي رواية أخرى: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر (29).
قال النووي: وهذا محمول على من تضرر بالصوم أو أنهم أمروا بالفطر أمرًا جازمًا لمصلحة بيان جوازه فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر عاصيًا إذا لم يتضرر به (30).
عن أنس بن مالك قال: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (31).
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفًا، فأفطر فإن ذلك حسن (32).
قال ابن بطال: هذا حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه، لأن تركهم لإنكار الصوم والفطر يدل أن ذلك عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به، ولا حجة مع أحد في خلاف السنة الثابتة، فقد ثبت أنه عليه السلام صام في السفر، ولم يعب على من صام، ولا على من أفطر فوجب التسليم له (33).
وفي رواية عند أحمد، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهر من ماء السماء، والناس صيام في يوم صائف مشاة، ونبي الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس» قال: فأبوا، فقال: «إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه فنزل وشرب، وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب (34).
وكان صلى الله عليه وسلم ربما واصل في رمضان الصيام إلى اليوم التالي، ولكن هذا كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فلا يشرع للإنسان الوصال، ومن أحب أن يواصل فقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى السحر، والأولى تركه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم»، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا (35).
قال النووي: وسبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم، وأما الوصال بهم يومًا ثم يومًا، فاحتمل للمصلحة في تأكيد زجرهم، وبيان الحكمة في نهيهم، والمفسدة المترتبة على الوصال، وهي الملل من العبادة، والتعرض للتقصير في بعض، وظائف الدين من إتمام الصلاة بخشوعها وأذكارها وآدابها، وملازمة الأذكار وسائر الوظائف المشروعة في نهاره وليله، والله أعلم (36).
وعن أنس بن مالك قال: أخذ يواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بال رجال يواصلون، إنكم لستم مثلي، أما والله لو تمادَّ لي الشهر لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم» (37).
قال العلامة ابن القيم: وقد اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين: أحدهما: أنه طعام وشراب حسي للفم. الثاني: أن المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وقرة العين، وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجود وأنفعه، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان (38).
صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه أخبره: أنه سأل عائشة رضي الله عنها، كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا» (39).
وعن عروة، أن عائشة رضي الله عنها، أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم، فتعجزوا عنها»، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك (40).
قال ابن بطال: وفيه جواز الاجتماع لصلاة النوافل، وفيه أن الجماعة المتفقة في عمل الطاعة مرجو بركتها، إذ دعاء كل واحد منهم يشمل جماعتهم، فلذلك صارت صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فيجب أن تكون النافلة كذلك، وفيه أن قيام رمضان سنة لأن عمر لم يسن منه إلا ما كان رسول الله يحبه، وقد أخبر عليه السلام بالعلة التي منعته من الخروج إليهم، وهى خشية أن يفترض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فلما أمن عمر أن تفترض عليهم في زمانه لانقطاع الوحي؛ أقام هذه السنة وأحياها، وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة في صدر خلافته.
قال المهلب: وفيه أن الأعمال إذا تركت لعلة، وزالت العلة أنه لا بأس بإعادة العمل، كما أمر عمر صلاة الليل في رمضان بالجماعة (41).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قيام الليل في بيته بعد أن ترك صلاة القيام في المسجد خشية أن تفرض، ولما كان آخر أيام من رمضان، عاد فجمع بناته ونساءه والمؤمنين للصلاة مرة أخرى جماعة.
فكان يصلي من الليل، ثم يكون مع أهله، ثم يتسحر، ثم ينتظر صلاة الفجر، فيصلي سنة الصبح في البيت، ثم يخرج لصلاة الفريضة جماعة في المسجد.
الصدقة في رمضان:
كما كان صلى الله عليه وسلم يكثر من الصدقة في رمضان على الفقراء والمساكين، ويزيد صدقاتهم في رمضان عن غيرها، حتى وصفه الصحابة رضوان الله عليهم في صدقته في رمضان، كأنه الريح المرسلة، من كثرة نفقته، ومسارعته بمواساة الفقراء والمساكين في هذا الشهر الفضيل.
عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» (42).
قال الزين بن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين أجودية الريح المرسلة؛ أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية، أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة (43).
الاعتكاف في العشر الأواخر:
من بين الأمور التي تميز أيضًا حياة الرسول في رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في المسجد في العشر الأواخر في رمضان، ولما كان آخر عام في حياته صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يومًا، وكان يجتهد في هذه العشر ابتغاء إصابة ليلة القدر، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، وكان يقول لأصحابه: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريًا، فليتحرها في العشر الأواخر» (44).
ولعل أبرز ميزات حياة الرسول في رمضان، أنه كان يحب كثرة الدعاء فيها، كما في سنن الترمذي عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (45).
عن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره» (46).
وكان يوقظ أهله في العشر الأواخر للاجتهاد في العبادة لا يتركهم ينامون، كما أخرج الترمذي بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان.
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (47).
وإنما خص بذلك صلى الله عليه وسلم آخر رمضان لقرب خروج وقت العبادة فيجتهد فيه؛ لأنه خاتمة العمل، والأعمال بخواتيمها (48).
إنما فعل ذلك عليه السلام؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فسن لأمته الأخذ بالأحوط في طلبها في العشر كله لئلا تفوت، إذ يمكن أن يكون الشهر ناقصًا وأن يكون كاملًا، فمن أحيا ليال العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن في ليالي السنة كلها مثل هذه الليلة لوجب عليهم أن يحيوا الليالي كلها في طلبها، فذلك يسير في جنب طلب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده، وجعل هذه الليلة الشريفة موجودة في عشر ليال؛ ليدركها أهل الضعف وأهل الفتور في العمل منا من الله ورحمة (49).
ومن ميزات حياة الرسول في رمضان أنه كان صلى الله عليه وسلم يضرب القدوة للزوج أن يكون حريصا على طاعة أهله لله تعالى، لا أن يكون حريصًا على طعامهم وشرابهم ومنامهم وجميع شؤون دنياهم، ثم يتركهم ودينهم، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].
شهر رمضان هو شهر الخير والبركة، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم هديٌ خاصٌ فيه، فقد كان يجتهد في العبادة والطاعة أكثر من أي وقت آخر، وكان عليه الصلاة والسلام قدوةً في الصيام والقيام والذكر والقرآن، وكان يتعامل مع هذا الشهر بروحانية عظيمة، ويحرص على اغتنامه في الطاعات والقربات
رمضان والقرآن:
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من تلاوة القرآن في رمضان، وكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن كل عام مرة، وفي العام الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم دارسه جبريل القرآن مرتين، وكان عليه الصلاة والسلام يحرص على تدبر معاني القرآن والعمل به.
كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان أكمل الهدي، فقد جمع بين العبادة والطاعة، وبين الرحمة والرفق بالناس، وكان مثالًا يُحتذى به في كل جوانب الحياة، فمن أراد أن يغتنم رمضان كما ينبغي، فليقتدِ بالنبي صلى الله عليه وسلم في صيامه وقيامه وصدقته وأخلاقه.
ورغم هذا الاهتمام الزائد بالعبادة في هذا الشهر الفضيل؛ فإن السلف لم يكونوا فيه سلبيين أو منكفئين على ذواتهم، ولا كانوا يقصرون في أداء واجباتهم الأخرى؛ بل ربما كانوا أنشط فيه وأقوى على العمل منهم في غيره، ولا أدل على ذلك من أن معظم المعارك والملاحم الفاصلة في التاريخ الإسلامي إنما كانت في شهر رمضان؛ فغزوة بدر الكبرى التي نصر الله فيها الإيمان وجنده، وخذل الشرك وأهله، وكانت يومًا فاصلًا من أيام التاريخ لم تكن إلا في رمضان، وفتح مكة الذي سمي الفتح الأكبر لم يحدث إلا في رمضان، ومعركة القادسية التي قادها سعد بن أبي وقاص واقتحم بجيشه لجة نهر الفرات وقد علا فيضانها وتلاطم موجها وهي ترمي بالزبد فهربت من أمامهم جيوش كسرى التي كانت تفوقهم عددًا وعدة بأضعاف، هذه المعركة إنما كانت في رمضان سنة خمسة عشر للهجرة ... إلى غير ذلك من المعارك.
فشهر رمضان لم يكن شهرًا عاديًا مثل بقية الشهور في اعتبارات السلف بل هو عندهم سياحة ربانية في محاريب العبادة وخصال البر يضعون لها برنامجًا خاصًا يتميز بالإكثار من أنواع العبادة بشكل عام؛ ويختص بميزات أربع:
الأولى: أنه كان شهرا قرآنيًا بامتياز يخصصون جل أوقاته للسياحة في بحور القرآن فهما وتدبرا وقراءة وتعلمًا.
الثانية: أنهم كانوا يكثرون فيه من نوافل الصلاة وقيام الليل والاعتكاف، ويتضاعف العمل والجهد مع تقدم أيام الشهر حيث يبلغ ذروته في العشر الأواخر، وفي السبع الأواخر، وفي الأيام الفردية من العشر الأواخر؛ تحسبًا لليلة القدر التي جعل الله ثواب العبادة فيها أفضل من ثواب العبادة في ألف شهر.
الثالثة: الإنفاق والتصدق على المحتاجين، وهو باب عظيم من الأبواب التي حرص السلف على الإكثار منها، خصوصًا في هذا الشهر المعظم.
الرابعة: باب الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ورغم ما تحتاجه هذه الفريضة من مجهود بدني وعضلي شاق فقد بورك للأمة جهادها في أيام هذا الشهر وحققت فيه من النتائج والإنجازات ما لم تحققه في أي شهر آخر، والحق أن شعائر هذا الشهر كلها ترجع إلى مفهوم الجهاد ومغالبة شهوات النفس وكسر سلطان الهوى والانقياد والإذعان لمنهج الحق سبحانه وتعالى وتغليبه على كل الدوافع والدواعي والحظوظ الأخرى، نسأل الله بمنه وكرمه أن يعيننا على صيامه وقيامه وأداء حقه على الوجه الأتم والحال الأكمل وأن يتقبله منا إنه سميع مجيب (50).
***
--------------
(1) أخرجه الترمذي (682).
(2) أخرجه مسلم (1110).
(3) أخرجه ابن حبان (9).
(4) أخرجه البخاري (1957)، ومسلم (1098).
(5) أخرجه الترمذي (696).
(6) أخرجه البخاري (1956).
(7) فتح الباري (4/ 232).
(8) أخرجه مسلم (1099).
(9) أخرجه البخاري (1957).
(10) أخرجه البخاري (1923).
(11) أخرجه مسلم (1097)
(12) فتح الباري لابن حجر (4/ 138).
(13) فتح الباري لابن حجر (4/ 199).
(14) أخرجه أبو داود (2349).
(15) أخرجه أحمد (12406).
(16) أخرجه البخاري (1930)، ومسلم (1109).
(17) أخرجه البخاري (1925)، ومسلم (1109).
(18) أخرجه مسلم (1110).
(19) أخرجه البخاري (1927).
(20) أخرجه مسلم (1106).
(21) أخرجه مسلم (1108).
(22) الشرح الممتع (6/ 432- 433).
(23) أخرجه أبو داود (2357).
(24) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1396).
(25) أخرجه مسلم (1122).
(26) أخرجه البخاري (1944).
(27) شرح سنن أبي داود للعباد (273/ 16)، بترقيم الشاملة آليًا.
(28) أخرجه مسلم (1114).
(29) أخرجه مسلم (1114).
(30) شرح النووي على مسلم (7/ 232- 233).
(31) أخرجه البخاري (1947).
(32) أخرجه مسلم (1116).
(33) شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 88).
(34) أخرجه أحمد (11423).
(35) أخرجه البخاري (7299)، ومسلم (1103).
(36) شرح النووي على مسلم (7/ 212).
